جسر الاستراتيجية – تحقيق نظري وإشارات تطبيقية على الصراع الحالي

كيف تربط الاستراتيجية بين الأهداف والوسائل والطرق، وهل الاستراتيجية كنظرية هي أيضا جسر وتربط بين ماذا؟ وما تطبيق ذلك على الحرب الحالية؟
الاستراتيجية تربط بين أدوات القوة وبالأخص العسكرية، والأهداف السياسية. تربط على مستوى النظرية والمأسسة والتطبيق! والحقيقة – مفهوم ومخروط القابلية الاستراتيجية ذاك هو ما بنيت عليه رسالتي للدكتوراة قديما، ولم يكن مطروحا بهذا الشكل في الأدبيات الاستراتيجية قديما أو حديثا.
أولا) نظريا
المنطق الاستراتيجي يستوعب القواعد العامة في حركة وقيادة أدوات القوة وصولا للنهاية السياسية، ما يمكن أن تعطينا إياه القوة العسكرية بفروعها وأنماطها – وغير العسكرية، وكيف يمكن أن تحقق الهدف بتغيير إرادة الخصم سياسيا.
وكما حكينا أن النظرية قد تكون:
أ) عامة وهنا المنطق الاستراتيجي العام ويبعد كثيرا عن توظيف الأفرع المسلحة لأنها تطور زمني، فيه مسائل أن الحرب هي صراع على الإرادة لتحقيق أهداف سياسية ما، وأن تغيير الإرادة هو الأثر الاستراتيجي المطلوب ويكون بشكل كامل أو جزئي، بضرب مراكز الثقل وإنهاء الوجود العسكري والسياسي للخصم في الحرب بأهداف شاملة، أو فقط تغيير السلوك السياسي تبعا لتغيير حساباته في الحرب المحدودة.. ضرورة أن يكون المسار العسكري بشكله العملياتي تابعا للتقدير الاستراتيجي — وهكذا
ب) أو زمنية ، كما قال كلاوزفيتس أن لكل عصر نظريته في الحرب(فظهور اللاسلكي والقطار، والطيران، والقوة النووية، والسيبر والدرونز ووو،) وحتى التطورات الاجتماع سياسية مثل جيش الدولة والشعب (بدءا من عصر نابليون وألهمت كلاوزفيتس) أو موجة الحركات غير النظامية ، يفرض تسييقا على المنطق الاستراتيجي العام. وهنا لابد أن تستوعب النظريات الخاصة بالأفرع المسلحة المختلفة كنظرية القوة البرية والبحرية والجوية والنووية والصواريخ والدفاع البالستي ووو ، ونظرية الحرب غير النظامية- ليس بالضرورة في بنيتها التفصيلية على هذا المستوى، ولكن ما يمكن أن تقدمه استراتيجيا وأنماطها العامة.
,
ج. أو تنزل النظرية بتسييق أكثر لتكون في حرب بعينها وخصوم بعينهم – فهناك نظرية للانتصار في حرب أمريكا-إسرائيل وإيران، الصراع العربي الإسرائيلي قديما أو حرب 67 و73 – ما يمكن أن نسميها theory of Victory.
وهذا ما حكاه ماوتسي تونج قديما بنفس الترتيب: هناك قوانين للحرب عموما، وقوانين للحرب الشعبية، وقوانين للحرب الشعبية في الصين (مع التحفظ على لفظة قوانين)
وكثير من الخلل الاستراتيجي تاريخيا وواقعيا هو بسبب غياب إلمام نخبة الحكم والقيادة العسكرية بالمنطق الاستراتيجي نظريا! فكثيرا ما تشن القيادة السياسية حربا دون أن تعرف تحديدا ما هي أهدافها السياسية ولا نمط الحرب ولا الأثر الاستراتيجي الذي تقصده من استخدام القوة العسكرية لهذا النمط، وهل هناك أصلا ضرورة لوضوحها ووجود بدائل استراتيجية إذا لم تتحقق الفرضيات الأصلية (لم يسقط النظام الإيراني بقصف رأسه، لم ينكسر الإسرائيلي تحت 7 أكتوبر بل تعملق أو تتداعى أركان المحور لحرب مفتوحة وتتحرك الشعوب والأنظمة، ولم ينهر الحوثي تحت ضربات جوية في عاصفة الحزم!، أو أو) – ليس فقط لأن هذه الفرضيات فاشلة في مبناها، بل حتى لو سليمة، فطبيعة الحرب أنها شديدة التغير والمفاجأة، وردود أفعال الخصوم والبيئة الأصل فيها عدم التوقع!
وأنا لا أحكي هنا على مستوى الاستراتيجية التفصيلية، ولكن عن وضوح المنطق الاستراتيجي ذاته داخل عقلية نخبة القيادة السياسية والعسكرية. فارق بين أن تدرك الشيء وضرورته وبين أن تفشل في تحقيقه. والأمر ليس بسيطا، فأزمة التعليم العسكري الأعلى غربيا في آخر عقدين حول هذه النقطة، لأنه ليس من طبيعة هذا التعليم أو حتى الممارسة العسكرية أن تغرس هذا الحس الاستراتيجي والإلمام بمنطقه. وذكرت سابقا ما قاله له لنا جنرال روبرت سميث، وهو أرفع عسكري بريطاني في رأيي وكتابه Utility of Force تمت ترجمته عربيا ، أنه لم يبدأ يقترب من فهم الاستراتيجية إلا بعد انتهاء خدمته وتوسع مداركه وما قام به من مراجعات وتأمّل Reflections. والطريف أني في مرحلة الماجستير منذ عقدين راجعت وعرضت كتابه ونقدته؛ أنه ممتاز في السرد لتطور المسار النظري والتطبيقي للعمليات والتكتيك تاريخيا ولكن ليس على نفس الدرجة في الاستراتيجية والوصلة بينها وما تحتها. وبالفعل، أخبرنا أنه كتبه فور انتهاء خدمته وقبل مرحلة نضجه المعرفي استراتيجيا.
ثانيا) مؤسسيا –
فكذلك كثير من حالات الفشل الاستراتيجي تحصل في هذه النقطة – أن الاستراتيجية لابد تربط بين المستوى العسكري والسياسي مؤسسيا للقيام بوظائف بعينها، وليس الانحياز لترتيب علاقاتي بعينه (نظام شمولي أو ديمقراطي أو حتى ثيوقراطي) ولكن مهم إحداث ترتيب داخل كل نظام لضمان حصول هذه الوظائف!. ولهذا فلاتوجد علاقة سببية قوية بين (دمقرطة العلاقات المدنية العسكرية مثلا) والنجاح الاستراتيجي والانتصار العسكري ليس فقط لأن هناك اعتبارات معرفية وتطبيقية في مخروط القابلية الاستراتيجية، ولكن حتى مؤسسيا – غالبا الدمقرطة تحقق الوظائف ولكن ليس دائما وليس حصرا.
وظائف مثل – مشاركة المعلومات، المناخ المؤسسي الذي يتيح النزعة النقدية والشاملة في التحليل، حاكمية المستوى السياسي وفي ذات الوقت حضور كثيف ومتوازن وموحد للمستوى العسكري، بحيث أن تنشأ الاستراتيجية عبر حوار unequal dialogue يطرح فيها المستوى السياسي ما يريد، ويقدم فيه المستوى العسكري ما يقدر عليه (دون تغليب رؤية سلاح على غيره – فهناك ضبط مأسسي بين المستوى السياسي والعسكري، وداخل المستوى العسكري ذاته ليس فقط لأن هناك نزاع بين الأفرع المسلحة على الدور والموازنة، بل لأنها بطبيعة الحال عندها نماذج مختلفة عن قيمة السلاح الذي تمثله في تحقيق الأثر الاستراتيجي، وحتى لو طورنا التعليم العسكري لمفهوم الأركان المشتركة ووحدنا فهمهم للاستراتيجي سيبق قدر من هذا التحيُّز)، وللمستوى السياسي الحق بالطبع في التدخل في النشاط العسكري ولكن يقصره على ما له حساسية وأثر استراتيجي.
في الحرب الحالية مثلا، نحن نحكي عن بديهيات معلومة حتى للعسكريين عن ضرورة وضوح الهدف السياسي، والتأكيد من أن يفيد التصميم العملياتي خيارات استراتيجية تقودنا لهذا. هذا مبثوث في التعليم العسكري والعقيدة القتالية JP-5 ، وعرفنا كذلك أن هناك تحويرات حصلت في بنية التنظيم الاستراتيجي والعسكري بحيث أنه أصبح لرئيس هيئة الأركان المشتركة حضورا قويا في التصديق على الاستراتيجية العسكرية للمناطق، ولكن لماذا صمتت المؤسسة حين يُدخلها الرئيس الأمريكي – بفرض أنه جاهل ومعتوه ويتعامل مع الصراع الدولي والعلاقات الدولية كمباراة وصفقة قذرة – في حرب دون وجود أهداف سياسية أصلا! ما طرحه ترامب كانت أهدافا عسكرية (إجهاض المشروع النووي، والصواريخ والقدرة البحرية، والسيطرة على الوكلاء يمكن النظر إليه كهدف عملياتي أو استراتيجي نتاج تحول في الإرادة السياسية). هناك تطور حقيقي حصل في المؤسسة الأمريكية في مقاربة الاستراتيجية بعد حروب أفغانستان والعراق، وهذا ظهر بوضوح في مقاربتها لحرب غزة وإلحاحها ومعارضتها للإسرائيلي وفق رؤية محددة، ولكن المشكل مؤسسي.
لأنه في العُرف الأمريكي، هناك صيغة هنتنجتون في الفصل بين المستوى السياسي والعسكري، أن المستوى السياسي يضع الأهداف السياسية والعسكرية، والمؤسسة العسكرية تنفذها بشكل مستقل.
لا يوجد جسر هنا!، وإن كان مع الوقت حصلت تحسينات، وكذلك تجاوزت كثيرا مؤسسة الرئاسة في التدخل في الشأن العسكري الصرف. فحين يأتي رئيس مثل ترامب، شديد الخرق، ويحصر قيادة الحرب في مستواها الأعلى على مجموعة قليلة من رفقائه المهووسين، تعود المؤسسة لمسلكها الطبيعي، أعطني أهدافا عسكرية محددة وسأحققها، وقد حققها بالفعل!
بل حتى في الحال البريطاني، وهو مؤسسيا أفضل كثيرا تاريخيا من الأمريكي في هذه المساحة، كان هناك لغز الفشل الاستراتيجي الفادح في حربي العراق وأفغانستان بالرغم من ضخامة وجودة المؤسسة و نسبيا شيوع الوعي الاستراتيجي. وقد حاول جنرال كريستوفر إليوت – مدير سابق لإدارة العمليات في وزارة الدفاع – الإجابة عليه في كتابه High Command: Failures of British Military Leadership in Iraq and Afghanistan Wars، وقد كتبه في زمالة بحثية في قسمنا والتقيته كثيرا أثناء تحضيري للدكتوراة منذ أكثر من عقد. وفيه خلص أن الإشكال الأساس كان في الوصلة بين المستويين السياسي والعسكري وكيف أن التعقيد المؤسسي في وزارة الدفاع حال دون مراجعة الأسئلة البديهية والفرضيات الأساسية للحرب (ما الأهداف السياسية؟ هل يمكنها تحقيقها بأي مسار استراتيجي؟ هل التصميم العملياتي يخدم هذا المسار؟ هل هناك دوما موارد كافية للنشاط العسكري لتحقيق أهدافه؟)، فضلا عن ضمور الوعي الاستراتيجي في كل المستويين السياسي والعسكري عن المطلوب.
فإن كان هذا على مستوى دول عظمى، فهل يستنكف أهل بلادنا أو حركة مقاومة أن تفهم وتدرس وتُقرّ بهذا الإشكال؟! عجيب! هل كان المستوى السياسي بحماس بالفعل يقود الجهاز العسكري أو قطاع غزة فضلا أن يلم بتفاصيل نشاطه؟ هل كانت هناك جلسات مضنية بين الطرفين، ومع الحلفاء لأنهم ركن أساس في فرضية الانتصار في الحرب! لتحرير الأهداف السياسية والتدقيق في صحة الخيارات الاستراتيجية ومستوى وطبيعة ومدى النشاط العسكري ومآلاته؟ هل
كانت هناك محطات تالية لمراجعة الفرضيات الأصلية – بفرض وجودها – حين تبين أن المآل على غير التوقع؟
حتى في إيران وحزب الله، كثيرا ما يكون الاعتماد على هالة وأدوار قيادات فردية في تنقيح الرؤية وفرض الانسجام والتنسيق أكثر منه استثمار كثيف في البناء المؤسسي على هذا المستوى، على خلاف مثلا الإبداع الحقيقي والتوليد المستمر في مستويات العمليات والتكتيك واللوجستك. أيضا – البيئة الداخلية كثيرا ما تُزهد في مساحة النقد الذاتي والمراجعة، فضلا أن الفشل في إدراك ومحاصرة وعلاج الخلل الأمني الشديد هو بالأخير قصور على مستوى القيادة الاستراتيجية.
ولكن الحقيقة لنكمل هذه النقطة من جانبها المعرفي والتطبيقي كذلك – وهذا ما لمسته، بالرغم أن هناك استعدادا نفسيا وإنسانيا للترقي الخبراتي استراتيجيا وعملياتيا، ولكن ضمور التعليم الاستراتيجي (وهذا في الإطار المعرفي للاستراتيجية) أثّر في أمرين:
1) صعوبة نقل الخبرة لأجيال تالية لم تخض ذات التجارب والممارسة
2) الخبرة دون تعليم تقود لوضع معرفي يخفت فيه التمييز بين الثابت والمتغير. بمعنى – الخبرة تقول لك أن هذا النمط سينجح، ولكن لن تسعفك كثيرا في فهم لماذا ينجح، وماذا لو تغيرت شروط نجاحه؟ وهل هناك معطيات أعلى في فهم
الاستراتيجية لابد من هضمها، فيمكنك تنزيلها وتسييقها مهما تتغير البيئات والسياقات؟
فعوامل انتصار حزب الله في 2000 و2006، لم تكن بالأساس الغلبة التكتيكية والمفاجأة التقنية والاستخباراتية على الإسرائيلي كما شاع بين قيادته لاحقا – نعم هناك ضرورة لتمكن تكتيكي (ليس تميزا أو انتصارا) Effectiveness ولكن الأخطر كان البراعة الاستراتيجية خصوصا مع خصم ذاهل في هذه المساحة والظرف، وكذلك القاعدة الشعبية الداخلية والإقليمية (التي خسر أغلبها عبر سلوكه لاحقا) والتي تعطي له مواردا وضغطا سياسيا والأهمّ نفَسا ووقتا للتصلب الدفاعي ما يكفي لدحض فرضيات الخصم وإحباطه استراتيجيا (أن يكتشف أنه لايمكنه الانتصار، ويزيد إحساسه بعدم الأمن، وعدم ثقة الشعب بقيادته وجيشه،فيحصل الأثر الاستراتيجي ويُسلّم سياسيا).
كذلك في إيران، مادمت اعتمدت محور الوكلاء كأداة ردع ومحاصرة استراتيجية فلابد أن تراعيها جيدا، وأنت مسئول عن خياراتها التصعيدية، ولو فشلت فيها فلابد أن تقوم فورا بمحاولة جادة لإصلاح ذلك حتى لا ينهار قوامك الإقليمي ويستغل ذلك العدو، وفي ذات الوقت تتعامل مع هذه الخسارة بتقليل مستوى الأهداف أو الاستعاضة بمناورة إقليمية وبناء تحالفات وفك احتقانات بحيث أن تُصعِّب على خصمك الإقليمي والدولي أن ينفتح عليك كتهديد عسكري وحصار إقليمي، وأخطر من كل ذلك – أن تُصحّح العوار الشديد في بنيتك الداخلية كشرعية نظام واستيعاب شعبي. نعم فرضية الأمريكي والإسرائيلي خاطئة في افتراض أن يتحرك الشعب لإسقاطك بعد قصف قيادتك، ولكن ليس هذا لعدم وجود احتقان شعبي كبير ضد النظام، ولكن لأنه لطبيعة الشعب الإيراني – لن يتحرك ذلك في معرض حرب ومسحة كربلائية، ولكن سيتحرك بعده! ووجود هذا العوار فيك بالأساس كان مُمهدا لصناعة الحرب، وسده أشبه بالردع الحرماني Deterrence by denial.
ثالثا) تطبيقيا –
فهو على مستويين:
أولا) ضبط خيارات ونهايات العمل العسكري بحيث أن تقود لأثر استراتيجي محدد يخدم الأهداف السياسية للحرب، وكذلك ما تريده الاستراتيجية العظمى في إدارة الصراع الممتد من هذه الجولة. هنا الاستراتيجية عمليا تتشكل من خيارات وخطط ومسارات ومعايير إنجاز.
هذا مضمار ممارسة الاستراتيجية ذاتها.. حين تترجم معرفة الاستراتيجية لخيارات فعليا، وفق بيئة استراتيجية صحية.
من الممكن أن نقول، أنه بافتراض جودة في المستوى المعرفي في فهم الاستراتيجية، والصحة المؤسسية، فهناك جودة في الاستراتيجية وكذلك في منتوجها. فطبيعي أن يقود الخلل المعرفي والمؤسسي الأمريكي لشن حرب دون أهداف سياسية أصلا (تجاوزنا مرحلة الأهداف السياسية غير الواضحة كما في حربي العراق وأفغانستان)، أو تستفتح بنشاط عسكري يجعل هناك استحالة أن تستخدم الحرب كأداة للتطوير الديبلوماسي! هذا بافتراض فشل فرضية حث الثورة الشعبية. أمريكا أصلا أشعلت ثورة ناجحة من قبل في إيران (مصدق)، هل فعلت هذا؟! بل العكس – حتى الجماعة العلمائية تم اجتذابها لخط الثورة بحجة شيوعية النخبة المحيطة بمصدق وتحريك العنصر الديني كالعادة في تلك المرحلة في مواجهة المد السوفيتي والقومي.
ولكن الحقيقة أن قاعدة (جودة المعرفة وسلامة المؤسسة تقود لاستراتيجية تطبيقية جيدة) ليست بهذه البساطة، أولا لأن الأفراد لها ثِقل دوما خصوصا في بيئات بعينها People matter
فلو هناك قيادة مهووسة بهالة البطل مثل عبد الناصر بالرغم من سلامة وجودة رؤيته الاستراتيجية قبيل 67، أو شديد الاهتراء أمام ضغط الحرب مثل عامر (والعجيب أن انهياره الذي حصل في 56 تكرر بذاته في 67 ولكن الخلل البنيوي في النظام سمح لمثله أن يقود، وبالعكس أن يرتفع قدره بعد أزمة 1962)، أو بعض ما يمكننا تفسير به سلوك السادات الانكفائي دبلوماسيا وحتى في تغيير خارطة الدور المصري حواليْ وبعيد 1973 بعد أن استفتتحه بانتصار استراتيجي مشرّف – كما أجاب كيسنجر على جولدا مائير حين سألته باستغراب شديد – لماذا يفعل هذا؟! (أن السادات مهووس بهالة النصر وأن يتحرك في السويس بسيارته الجيب المكشوفة ويغني له شعبه الأهازيج). أو قيادة ما مع ما لها من تاريخ مشرف ونهاية أكثر شرفا، ولكن نظرته عن الواقع والعالم وإحداثياته شديدة التشوه والكليانية، ربما لطبيعته الشخصية ولكن كذلك – البقاء لفترات طويلة تحت الأسر وفيها تحتد التصورات وتتحول لمعركة هرمجدونية حاسمة! ولعل هذا بعض حكمة في نقاش الفقهاء قديما عن ولاية الأسير!
وحتى في الحرب الحالية، يصعب جدا تخيل هذا القصور الاستراتيجي الفادح وإحباط دور المؤسسات التقليدية (البنتاجون والخارجية والمخابرات) مع رئيس غير ترامب! وبالأخص – طبيعة الانجرار مع الإسرائيلي لهذا الحد والهوس بالمسلك الامبراطوري.
وفضلا عن هذا – أن الاستراتيجية هي صراع تبادلي Duel كذلك في بيئة شديدة التقلب والتغير والغموض، فقد تؤدي استراتيجيا بشكل جيد ولكن يفوقك خصمك. وفي أغلب الأحوال كما كان يقول كولن جراي، ستؤدي سيئا ولكن العبرة في الفوز هو من هو أقل سوءا – أنت أم خصمك؟!
فجزء كبير من النتيجة الوخيمةاستراتيجيا لعملية 7 أكتوبر على صورة القضية الفلسطينية دوليا تم تغطيته بفداحة السلوك الاستراتيجي إسرائيليا. ونعم – حتى لو استطاع الإسرائيلي آخر الأمر النجاح استراتيجيا وتغيير المساق الإقليمي لصالحه وتمدد بشكل كبير، ولكن بثمنية عالية دوليا وداخليا.
وإيران استفتتحت هذه الحرب بخطايا بنيوية واستراتيجية كما أسلفت، ولكن العوار الاستراتيجي الفادح أمريكيا، جعل منتوج الحرب – على الأقل في المدى المباشر – أقل كثيرا من الحسم لصالحه.
كذلك ما يعقد سريان معادلة الصحة المعرفية والمؤسسية أنه قد تتغير البيئة الاستراتيجية أمامك، فيأتي حاكم مثل ترامب بكل ما يحمله ذلك من فرص وتهديدات لكل أطراف الصراع الحالي.
ثانيا) دور الاستراتيجية تطبيقيا في قيادة وتحوير القوة العسكرية بالأخص –
لأن تشكيل هذه القوة بالأخص كمفاهيم وعقائد وقوى بشرية وأسلحة وتقنيات وتنظيم يأخذ وقتا طويلا و (تعوّدا وآليّةً بحكم التنظيم الهائل) ، فالاستراتيجية توجّه تشكيل هذه القوة العسكرية بكل مفرداتها لأدوار بعينها!
مثلا – العقائد القتالية – تحتج بعض الدول مثل بريطانيا وإسرائيل على الطبيعة (الآلية) للقوة العسكرية وبالعكس تراه خطرا لأنه يفرض دوجما تمنع تحوير الأداة العسكرية وفق أوضاع عملياتية واستراتيجية متغيرة، ولكنها مع الوقت بدأت تدرك أهمية ذلك. الحل ليس في عدم وجود عقيدة قتالية، ولكن في حضور الاستراتيجية عند صياغتها وتطبيقها، واتساع المدارك المعرفية والخبراتية وتنوع التركيب التنظيمي والعسكري، واعتماد القيادة بالمهام وتطوير نوعية القادة في مستويات التكتيك والعمليات، وفوق ذلك اعتبار العقيدة أصلا كمنظور توجيهي ويخضع لمنظور القائد عن التطبيق وليس وصفة جامدة. بتعبير الناتو: It is authoretative but requires judgement at application
وأمثلة على هذا – فخيارات إيران مثلا بالاعتماد مركزيا – على مستوى العقيدة والبناء – على خطي الوكلاء والسلاح الصاروخي (ليس الطيران والمدرعات مثلا أو حتى الدفاع الجوي بشكل أساس)، ثم حتى في تفصيل التركيب والعقيدة العملياتي بالاعتماد على مبدأ الفسيفساء الدفاعي ولا مركزية التشكيل والقيادة والتحرك، هو نتاج رؤية استراتيجية لطبيعة الحرب والخصوم الذي ستواجههم!
ويعاكسه الخيارات الخليجية في البنية الدفاعية، كلها خاطيء ومثار إشكال.. نعم – ندرك أن السياسة التسليحية والاستحواذية للخليج هي بالأخص من ضمن مفردات وثمن التبعية الدفاعية، ولكن كانت هناك مساحة واسعة لتطوير دفاعي بنيوي أفضل كثيرا على مستوى الاستجابة لنمط الصراع والتهديد المحتمل.
ولكن كما ذكرنا – من منظور العقيدة القتالية، أو السياسة التسليحية، أو السياسة التجنيدية وإدراة القوة البشرية أو أو من مفردات القوة العسكرية – فالاستراتيجية ليس هي العنصر الوحيد ، وإن يكن الأهم، في تشكيل هذه المفردات وبنائها والقرارات الحاصلة فيها!
هناك عنصر هام وهو طبيعة الخصم وعوامل قوته، وهل هناك فرصة للتميز عليه أم نأخذ مسارا في الالتفاف التقني والتكتيكي وحتى الاستراتيجي (بفرض نمط حرب مُغاير) على مصادر قوته تلك؟ نعم هذا من ضمن الخيار الاستراتيجي في جزء منه، ولكنه كذلك عالة في جزء كبير على التفكير العملياتي والتقني الصِّرف counter-operability ،
أرأيت – في تلك الدائرة يحصل هذا الجسر المستمر والتفاعل بين فرضيات المستويات المختلفة (عملياتية وعقائدية وتكتيكية ومواردية وبشرية – فرضيات العدو وطبيعة الحرب).
وهناك عناصر أخرى كما في نقاشنا للعقائد القتالية مرتبطة بالبيئة الاستراتيجية والعسكرية – الثقافة والتقنية والوضع السياسي والموارد الاقتصادي ومثلث التقنية والجغرافيا والتكتيك.
—
الاستراتيجية ليس دورها وضع خطط ووصفات يابسة للوصلة بين النشاط العسكري والنهاية السياسية، ولكن الإشراف المرن والذي يعتمد مبدأ التفاعل والمراجعة والتجسير ، على هذه الدوائر في كفاءة ويُسر.
ولعل هذا ما أشار له ليتواك – في Strategy Paradox – أن التدافع والانسيابية والانسجام harmony لا يكون فقط ل في الاستراتيجية مقابل العدو ما أسماه Horizontal dimension، ولكن في كيفية الجمع والتنسيق والمعادلة بين بيئاتك أنت ذاتك ذهنيا ومؤسسيا وتطبيقيا Vertical dimensions.
على أني لست معه في الفصل الحاد بين الدائرتين، كما حكى مثلا عن النازي أن مشكلته في الدائرة الأولى وليست الثانية Vertical Success and Horizontal Failure، لأن التحقيق يقول أنه لم يكن تضطرب عنده خياراته الاستراتيجية في مقابل الخصوم، إلا حين اضطربت بنيته الاستراتيجية داخليا بالأساس! وهذا شيء شبه محسوم في كل حالات الفشل الاستراتيجي.
ولكل هذا التعقيد وكذلك ضرورة الهضم والانسجام بين بيئات ومستويات متنافرة ومتعاضدة مع الحفاظ على بساطة و حِّدة الرؤية- فلا يمكن أن يتصدى للاستراتيجية المجتزيء والهاوي، أو من عازته أمارات الجدية وإنفاق السنين في البناء العلمي والاحترافي الشامل. والغلطة هنا بفورة! وتضيع معها آمال الشعوب والبلدان والقضايا.
وأي دولة وأي كيان، لا تدرك هذه الحقيقة وضرورة أن تنفق في استكمال شروطها وبناء نخبة من أبنائها يمكنهم فهم وممارسة الاستراتيجية ستفشل! مهما تبدت فيها معالم الثروة والكثرة أو سوابق التضحية والفداء.
———————————-
ولمزيد اطلاع يمكن مراجعة محاضرة جسر الاستراتيجي، وكذلك تفريغها
وفيما يتعلق بالعقائد القتالية وكيف تتشكل ودور الاستراتيجية فيها، مراجعة هذا




تعليق واحد