على هامش حوار عبد الناصر – التحليل النقدي للتاريخ الاستراتيجي

وسط حالة الهوس والتقافز في الفضاء السيبري والإعلامي تبعا لحوار عبد الناصر مع القذافي أغسطس 1970 لم تكن تعنيني الحقيقة أي رغبة في التعليق. لأنه للأسف، بلادنا ملأى بكوارث ونكبات، وأهمها غلبة الجهل والتعالم والانشغال بنضالات السوشيال الميديا عن الواجبات الوجودية لنا كأمة وأجيال، في التعلم والمراجعة والبناء المنهجي وتجديد وبناء نخب ومشاريع سياسية حقيقية تقترب من النضج السياسي والمُكنة الاستراتيجية والمثال الأخلاقي، بعيدا عن الرعونة في كل ما سبق. وهذا ليس فقط في محنة أهلنا في غزة، بل التوحش الإسرائيلي الكامل المدعوم بالعودة المظفرة لترامب على منطقتنا – سوريا ولبنان وهواجس تضييع القضية الفلسطينية وهدم بيئة تدافع استراتيجي كانت قائمة لعقدين بكل ملابساتها. والأهم – مقاربة رشيدة لأسئلة التغيير السياسي في بلادنا وتقديم بدائل حقيقية، تفصلنا أشواط زمنية عنها.
غير أني أحببت أن أنتهز الفرصة لأضع بعض إشارات منهجية (علمية) على مقاربة الملف الأوسع لهذا الحوار وأسئلته الأهم – في التحليل النقدي للتاريخ، وتقييم الرؤية الاستراتيجية لعبد الناصر وتحولاتها، وصولا لفهم امتدادتها فيما يليها في عصر السادات، وصولا لمحاولة إسقاطها على واقعنا الحالي ، ثم أختم بخلاصات عامة.
ولن أستغرق حقيقة في تتبع من وراء نشرها وهذا التوقيت. هي ليست تسريبات سرية؛ بل ما وضح أنها كانت موجودة – كما أخبر عبد الحكيم عبدالناصر – في مكتبة الإسكندرية. ومع كل التحفظات المنهجية والتقييدات الطرائقية methodological على قيمة التسجيلات التاريخية عموما، فإن لها قيمة عالية لأي مُبحر جاد في اكتشاف الحقيقة التاريخية والاقتراب من الحس الشخصي والمزاجي لأبطال الرواية. ويؤسفني، أني لم أكن على علم بوجودها بمكتبة الاسكندرية حين زرتها في 2012 لإعطاء محاضرة عن (العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي) وكنت في معرض الإعداد لرسالتي للدكتوراة عن الحروب العربية الإسرائيلية. لا أتوقع أن الاطلاع عليها كان ليحدث تحولا ملموسا في التقييم والخلاصات الأساسية، ولكن كما ذكرت كان سيعطي ثراء وحسا أدق. وهذا لأن رسالتي بالأساس ليست في باب التأريخ وإلا لكانت نقيصة ولكن النظرية الاستراتيجية التطبيقية؛ فلم يكن مطلوبا مني بالأساس اكتشاف معرفة تاريخية مستجدة بمصادر أولية، وإن كنت أُجبرت على هذا في مواضع عديدة تبعا للفجوات الهائلة في تاريخنا المحكي، ولكن المزاوجة الدءوبة بين بناء النظرية الاستراتيجية واختبارها في المسار التأريخي.
وإن كان من كلمة هنا، فربما كان يظهر من الجزء الأول الذي نُشر في الحوار رغبة مطوية في شرعنة خيارات الاستسلام ورفض منطق حرب التحرير، ولكن أعتقد الجزء الثاني عالج كثيرا من مفردات هذه الصورة المبتسرة، وإن كانت الفرقعة الإعلامية الأولية حصلت بالفعل.
التحليل النقدي للتاريخ الاستراتيجي:
وندخل في صلب المسألة. هناك صعوبة شديدة في التحليل النقدي للتاريخ وقيمة كبيرة كذلك. كما أشار كلاوزفيتس؛ هذا أهم موارد تطوير النظرية الاستراتيجية بحدها العلمي، وكذا التكوين الشخصي، لأنها تدفعنا أن نعيد استكشاف الواقع التاريخي من حيث طرح الأسئلة الاستراتيجية (ماذا تريد، وكيف تحقق، ومراجعة فرضيات هذا وذاك)، وتتبّع حجم الغموض والإشكال الذي يخوضهما صانع القرار من كل طرف، وأن نضع حالنا في محل كل منهم بموضوعية ودقة ومغالبة أي تحيز. وربما نستفيد بالنظر الرجعي Hindsight – لأننا رأينا كيف انتهت محطات الصراع والخيارات فيه – من تقويم نجاعتها بشكل أفضلي. على ضرورة ألا يُعمّي علينا هذا النظر الرجعي معاناة صانع القرار تلك، وطبيعة العملية الاستراتيجية ذاتها التي تعتمد على طرح الأسئلة السليمة وملاحقتها ومراجعة فرضيات (تحريك وتوظيف الأداة العسكرية وغيرها لتحقيق الهدف السياسي) وفي بيئة شديدة الغموض والتغير – بأكثر من وضع روشتات جامدة للنصر والنجاح.
وتكرار هذه العملية في حوادث تاريخية تختلف سياقاتها ونثرياتها تطوّر وتهذّب الملكة الاستراتيجية لتصبح سمة تكوينية بالشخص. وهذا ما قصده نابليون قديما أن السبيل لتكوين الجنرال الجيد هو ممارسة الحرب وقراءة التاريخ، على أن ماقصده كان قريبا من مستوى العمليات منه للاستراتيجية، مع حتمية التجريب العملي فيه؛ فهو بالاستراتيجية كقدرة ذهنية ونفسية بالأساس أولى. وهذا ما كنت أختلف فيه مع أستاذي الراحل كولن جراي حين يقول أن الاستراتيجية سبيلها فقط التعليم وليس التدريب – مثل ما دونها من جوانب العلم والفن العسكري؛ لأني كنت أرى أن التدريب كذلك لابد أن يحصل ولكن بنوعية ومقاربة مختلفة، وأنه ليس تدريب على خارطة فنية مُسبقة (كحال التدريب الطبي)، ولكن هو جزء من تطوير النظرية ذاتها أو تمظهرها ذاتيا Praxis. ثم تأتي بعد ذلك الممارسة الاستراتيجية كما الطبية في تطوير مُعمق للملكة غير المُعرّفة (ولكن المنقدحة بتعبير الأصوليين قديما عن الملكة الفقهية) أو ما تسميها أدبيات المنهجية العلمية Trained intuition، ويسميها كلاوزفيتس Coup d’oiel .. وهي التي تميز بين المُستجد في مجال ومن قضى عُمرا فيه و في بيئة صحية تساعده على التطور ولا تكرس تشوهاته الأولية.
بل قد يحصل كما أشار كلاوزفيتس أن يسدّ المنطق الاستراتيجي (النظري) بعض فجوات الرواية التاريخية، ويُرجّح بين فرضياتها المتعاكسة. وهذا بالتحديد كم استخدمته في مفاصل هامة في رسالتي للدكتوراة عن الحروب العربية الإسرائيلية – أسئلة مثل مدى صدقية وواقعية قرار الحرب في أواخر عهد عبد الناصر والذي ادعاه الفريق صادق بخصوص الخطة 200، طبيعة نوايا السادات فيما يتعلق بتحويل وجهة مصر استرايتيجيا وكدور، حسم الخلاف حول رواية الشاذلي عن عدم وجود نية صادقة لتطوير الهجوم حتى المضائق في حرب 73 في مقابل الرواية الرسمية المناقضة والتي طرحها السادات والجمسي وأحمد إسماعيل، بل حتى مسائل تفصيلية عليها نزاع تأريخي مثل أشرف مروان، وخطوط النابالم.
حتى في التسجيل المشهور لناصر، فلا يمكن أن يكون قائد نوى قفل باب الحرب والدخول في مستنقع تسليم القضايا لما تعطيه الماكينة الأمريكية بخصوص الحل السلمي، أن يبقى على حالة الاستنفار العسكري، وتطوير القوات وكذلك استغلال الثلاثة أشهر للمبادرة في نقل حائط الصواريخ والذي هو حتمي لأي محاولة عبور مستقبلي، وهذا بالضبط ما طرحه الجزء الثاني من التسجيل.
ولكن المشكل الذي يكابده أي رائم لهذه المحاولة النقدية للتاريخ، ليس فقط تطوير أداته النظرية والتقويمية في مجال الاستراتيجية، ولكن قبلها الوصول لصيغة أقرب ما تكون لإعادة إنتاج الحادثة التاريخية (ماذا حصل فعلا). نعم، مختصوا التاريخ دائما يثمنون المصادر الأولية (الأرشيفات والمذكرات فضلا عن التسجيلات)، ولكن كل منها يعاني من إشكالات خاصة، ولابد من إعمال التدقيق والفحص فيها، والتكامل بين عناصر تلك المصادر للتكامل بين الإيجابيات ومدارات السلبيات لكل منها، وبينها والمصادر الثانوية، وكذلك النظرية الاستراتيجية.
الأرشيفات والخطب والحوارات مثلا، أكيد لها قيمة ضافية في الحصول على معرفة تاريخية من منبعها، فكأنك لا تعيد إنتاج التاريخ بل تطلع عليه فعلا؛ أو بمعنى أدق – على جزء منه من وجهة معينة. ولكن تقتضي ثلاثة محطات تحليلية:
1 فهم السياق
2 تحليل المضمون
3 التحليل النقدي وبناء الانطباعات لتتكامل في إطار تحليلي ونقدي أكبر في التعامل مع المصادر الأخرى.
مثلا – الحوار المذكور، أن تأخذ شطرا من حوار وسياق أوسع قد لا تلم بعد بكثير من تفصيلاته، عدم التدقيق في مستوى الجدية أو التوظيف أو التعبير الصادق عن النوايا فيه، حصول بعض الشطحات الخطابية تبعا لأزمة نفسية وصحية عارضة، وهكذا. أوضح مثال على هذا، تختلف الصورة بشكل كبير حين نُجمّع شطري الحوارين معا.
أولا) فهم السياق:
ففي الحوار الأول، يقول عبد الناصر بلهجة يغيب عنها الاتزان، أنه لن يحارب واكتفي من هذا الطريق، والعرب خصوصا العراق والجزائر ومنظمة التحرير أدمنوا المزايدات ضده، و(حللوا عننا وتعالوا حاربوا)، والضفة الغربية لو مكان الملك حسين قبلها بدون تسليح.
فما يظهر أوليا، أنه تراجع عن رؤية ومساره الرائم لتحرير الأرض العربية كلها، وعن تبنيه المعلن أن النشاط العسكري هو الأساس والديبلوماسي هو داعم. وأنه يبطن ما كان يعلنه للناس، وأن مساره هو نفس مسار السادات وليس كما هو الشائع – هو نفس مسار مبارك – بل حتى الحزمة التطبيعية والتسليمية لكثير من الدول العربية حاليا.
ولكن تتبع السياق يقول أن رؤية عبد الناصر الاستراتيجية بالفعل تحولت – وبشكل مُعلن – مع الوقت على إثر هزيمة 67 أولا، بحيث تحولت من منطق السعي للتطوير العسكري والسياسي والتنموي وإطار تحالف عربي للقيام بحرب متعددة الجبهات خاطفة قبل تدخل الدول الكبرى وفي ذات الوقت الحفاظ على عدم الانحياز الإيجابي، إلى مسار يعتمد فيه كلية على السوفيت ويتموضع في إطارهم لحماية مصر والانشغال بمهمة التحرير الجزئي – هو قبل قرار 242 بُعيد معارك يونيو 1967 – عبر أحد خيارين يسيران بالتوازي: حرب الاستنزاف لتحريك الماكينة الديبلوماسية وإجبار العدو على التراجع سياسيا معها، والاستعداد لحرب العبور.
حرب 1967
- وسأفصّل وأتشعب هنا في الخلفية الاستراتيجية لحرب 67 وهذه تفيدنا في مسألة التحليل النقدي للتاريخ، قبل أن أكمل في خط تطور الرؤية الاستراتيجية تبعا لحرب الاستنزاف.
- فقبل حرب 67 كان يرى بوضوح كما أسلفت أنه لا يمكن حسم الصراع قبل أن يتطور البعد التنموي والعسكري والوحدوي – بالأخص في دول الطوق، لقيام بحرب متعددة الجبهات خاطفة (قبل تدخل الماكينة الدولية والتي كلا طرفيها الأمريكي والسوفيتي ضد تدمير إسرائيل، حتى لو الأول يراها حليفا، والثاني خصما غير مأمون. ولهذا – فأدبيات حرب 67 حملت عنوان أسمته Nasser 1967 Puzzle ، وهو كيف يدفع عبد الناصر لحرب يرى مآلها الحتمي بالهزيمة لانحراف التوازن العسكري لصالح إسرائيل، ويخالف تصوره استراتيجية عن اشتراطات هذه الحرب؟!
- والحقيقة – أن عبد الناصر عانى، بالإضافة للهالة المرضية للبطل والتي دفعته لمغامرات وخطابات شديدة الخرق كذلك مع استفزاز ومزايدة أطراف المعسكر القومي وهذا قد يفسّر بعضا من حساسيته تجاه هذا الأمر بالحوار، من مرض الحرب الأخيرة Last War syndrome ، فتبعا لتقدير مغلوط عن حشود إسرائيلية على سوريا، حاول أن يكرر ما فعله في 1960 في موقف مشابه حين أدخل فرقتين عسكريتين في صمت لسيناء وارتدع الإسرائيلي (ما يعرف ب Rotem Crisis)، ولكن نسي أن الوضع اختلف جذريا، فالجيش الإسرائيلي بالفعل كان وصل لدرجة عالية من التأثير في حكومة أشكول الضعيفة، وكانت له نوايا ومخططات على اقتحام الجولان لتصحيح ما كان يسميه أخطاء الخريطة Correcting Map errors، ونحن نحكي هنا ليس عن تحليلات ولكن الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية لحرب 67 والتي تم الكشف عنها، وأفضل دراستين عن الحرب، أولاها تتناول بالأساس الجانب السياسي ومدحها هيكل رحمه الله، Six Day of War – Maichael Orenسفير إسرائيل السابق في أمريكا، والأخرى تتناول أكثر البعد العسكري والعلاقة بين الساسة والعسكر في إسرائيل والرؤية العسكرية والخططية قبل الحرب بما فيها أرشيفات اجتماعات هيئة الأركان The Israeli Military and the Origins of 1967 War – Ami Gluska. فهناك إذن نية حقيقة وحاسمة عند الجيش الإسرائيلي لإشعال الحرب.
- والأهم، قيام عبد الناصر بضرب الخطوط الحمر، وهذا مفهوم استراتيجي ساد في إسرائيل بالستينات وشرحه إيجال آلون في Making of Israeli Army، وتم استعماله ثانية في استراتيجية العمليات بين الحروب بالعشرية السابقة، حين أدخل الجيش سيناء، وأزاح قوات الطواريء (لم يطلب أوليا بانسحابها ولكن بإعادة انتشارها لتبقى في محيط غزة، ولكن مسئول القوات الطواري قام بالانسحاب ووافقه بعد ذلك عبد الناصر)، والأخطر غلق مضيق تيران. وهذه الخطوط الحمر – خصوصا الأخير، كان هناك تعهد رسمي أمريكي بالحفاظ عليه حين أُجبِر الإسرائيلي على ترك سيناء في 56 بعد احتلالها كلها. فضلا، أنه لم يفعل ذلك في صمت، ولكنه بشكل يجبر الإسرائيلي على الرد الحاسم لاستعادة الردع. فما فعله يقينا لا يستقيم مع ما قام به في 1960 كتدعيم للردع ولكن بالعكس.
- ثم حتى حين أدرك بوضوح فشل هذه المناورة Baffling ، وأن الحرب كما أشار هو بنفسه للقادة العسكريين في 2 يونيو أن الحرب حتمية، وقع في ذات الداء last war syndrome، حيث تخيل أنه بالإمكان تكرار ما حصل في 56؛ بعض الصمود الدفاعي حتى تتحرك الماكينة الدولية لإرغام إسرائيل على التراجع، دون أن يُقدر الفارق الشاسع كذلك بين التجربتين. فليس هنا خروشوف المساند له حتى ضد الرأي السائد عنده بل الحكومة الثلاثة الضعيفة في موسكو وحساسية الدعم المفرط لمصر بعد خروشوف. وليس هناك أيزنهاور بالتقاليد السياسية والعسكرية والذي يريد توطئة هيمنته على الاحتلال القديم بريطانيا وفرنسا، ولكن جونسون شديد العدائية والذي بالعكس، هو من كانت تقصد حكومته، وحتى بطلب من حكومات عربية بالقضاء على عبد الناصر بفك اللثام عن إسرائيل unleashing Israel. وإن كان في معرض الحرب تحديدا، كان الأمريكي شديد التحفظ على مباركتها وليس كما حاول هيكل أن يسرد في (الانفجار) القصة الوهمية للحكومة الخفية، وأن ما حصل في أول يونيو، هو أن الأمريكي أعطى للإسرائيل كما تنص الأرشيفات ونقلها مايكل أورين Amber Light، ولأجل هذا تم ضغط الحكومة الإسرائيلية كثيرا على الجيش أن ينتظر الموافقة الأمريكية، ووصل الصدام بين الطرفين السياسي والعسكري لحد الانفجار وتوجس بن جوريون من حصول انقلاب، مما دفعه للتنازل في مسألة تشكيل حكومة وطنية والإتيان بدايان وزير للدفاع.
- وفوق كل هذا – كان تصور عبد الناصر عن مدى الأهلية العملياتية للقدرة الدفاعية للجيش والطيران على الصمود مغلوطا بشكل كامل، وللأسف، كانت كل مفردات الاستراتيجية العسكرية والقدرة القتالية وتصميم العمليات لتلك الحرب في حالة كارثية.
- مدى مسئولية عبد الناصر عن كارثة حرب 67 لا توجد ذرة شك فيها؛ سواء في البنية الاستراتيجية للدولة التي حرمت وجود رصيف حقيقي يدرس بموضوعية حدود الخيارات الاستراتيجية وما يمكن أن تقدمه القوة العسكرية وحدودها خدمة للهدف السياسي المحدد، أو في الخيارات الاستراتيجي كما أسلفت على مدار الخط الزمني قبل الحرب، وحتى قرار وطريقة الانسحاب الكارثية. ونعم – مع وجود تفاصيل كثيرة، فكانت هناك فرصة معتبرة لتصليب الخط الدفاعي والعودة للمضائق وبناء راس جسر دفاعي هناك حتى مع فقدان القوة الجوية المصرية. ولا ننس في ذات المستوى كارثة حرب اليمن وما أحدثته من تبعات استراتيجية وعسكرية وخيمة، فضلا – عن الاهتراء الكامل في المؤسسة العسكرية كبنية وقدرة وتصميم وعمليات قبل وأثناء الحرب. ولكننا نحكي هنا عن أثر هذه الحرب في وعي عبد الناصر ورؤيته، وكان لابد له من ذلك!
- حرب 1967 مثلت زلزالا في وعي عبد الناصر، وتصوره الاستراتيجي والسياسي الدولي بالتالي. فغادر سياسة عدم الانحياز الإيجابي للتموضع السياسي والعسكري مع السوفيت طلبا لإعادة بناء القوات المسلحة، والدعم الدولي. وكذلك – نظرية حرب التحرير متعددة الجبهات انهارت أمام وطأة الكارثة واحتلال الأرض العربية في 1967 وضرورة المزاوجة بين النشاط العسكري والسياسي لاستعادتها. نعم – ليس بالضرورة هذا من مقتضاه في تصور عبد الناصر أولا القيام بمعاهدة سلام؛ لأن التصور كانت أن المنتوج العسكري للاستنزاف أو تصور أولي للعبور والعمليات شرق القناة قد تقود لاستعادة سيناء. مع أنه قد قبل قرار وقف إطلاق النار ثم 242.
هو قبِل قرار وقف إطلاق النار ثم قرار 242 ليحمي مصر من تطور الهجوم وعبور الإسرائيلي للقناة؛ نعم – كان هناك هاجس قوي من ذلك في وضع انهارت فيه القوات المسلحة والروح المعنوية للجيش والشعب. ولكنه كذلك – منذ أول لحظة كان مهموما بإعادة بناء الجيش واستعادة الروح القتالية عبر استنزاف العدو (معركة راس العش، وإيلات الأولى..)، وبالتأكيد رفض أي مسار فعلي لتنفيذ قرار 242 بخصوص السلام والانسحاب. - وفيما يتعلق بنظرته للصراع العربي الإسرائيلي اختلفت بشكل جوهري، نحن الآن في مرحلة لابد من استعادة الأرض المحتلة في 1967 وبالدعم الروسي العسكري والسياسي، وأنه بحرب الاستنزاف سيدفع الإسرائيلي لتكبد خسائر تُليِّن موقفه في هذا السياق، وكذلك تزيد حراجة الملف دوليا، فضلا عن استعادة الروح القتالية، وتطوير الجيش تحت خط النار.
حرب الاستنزاف:
ثم حصل تطور آخر، وهو الصدمة التي تعرض لها مع حرب الاستنزاف بمراحلها الثلاث، فبعد مرحلة ضربات المدفعية ورد الإسرائيلي في استهداف مدن القناة وترحيل أهلها، ثم العمليات النوعية من الطرفين، وصولا إلى هدم الإسرائيلي لحائط الصواريخ يناير 1970 تداعى أمام السوفيت للتدخل بقوات لحماية الفضاء الجوي المصري، وبالفعل أرسل الأخير قوات دفاع جوي، وأسراب ميج 23، ووحدات حرب الكترونية، وقاد لأسبوع مذبحة الفانتوم الذي أشار له بالتسجيل. ولكنه أدرك ليس فقط اتساع الفجوة عسكريا خصوصا في الجو وحرب المدرعات، ومع تعنت السوفيتي في إعطاء السلاح كما وكيفا فوق حد معين ضروري للنشاط الهجومي، ولكن محدودية مسار حرب الاستنزاف كمنتوج استراتيجي. حجم الخسارة ليس كافيا لإجبار الإسرائيلي على تليين موقفه الاستراتيجي، ولا إشعال الموقف الدولي، فضلا عن امتلاك إسرائيلي القدرة على الإيذاء باستباحة العمق المصري.
أما حرب العبور فلاتساع الفجوة العسكرية سالفة الذكر، وصل لانطباع مبدئي أنه لايمكن القيام بها دون حل مشكلة الجو، وأن التوسع في الاستنزاف حتى يقتضي إما سيادة جوية، أو صواريخ دقيقة ليحصل توازن ردع مع الإسرائيلي. ولهذا – فأصبحت هناك حالة من الإنهاك الاستراتيجي وتعويل أكثر على خط النشاط الديبلوماسي – والذي بالتأكيد سيقود لنتائج أقل لأنه لم تسبقه دراما عسكرية تعطي انطباعا بالضغط والأفضلية لصالحه كطرف عربي – في الأخير – الديبلوماسية والتفاوض مهمن تكن بارعة فهي لن تعطي لك كثيرا أكثر مما تعطه لك حقائق القوة! ولهذا قال – أن هذا المسار حتى يعتمد البعد الدولي وليس قدرته الذاتية.
وما استجد في هذا البعد الدولي هو إعادة تجسير العلاقة مع الأمريكي وبدأت مع قدوم نيكسون، وهذا سبب أساس في قبول مبادرة روجرز، فضلا أن الأمريكي هو الذي يملك الضغط على الإسرائيلي وليس مبادرة مصرية كما رد على القذافي في الجزء الثاني بالحوار والسوفيتي قبله.
ولهذا – فحين ظهر التسجيل الأول، وطلب رأيي البعض، طرحت أن الاتجاهات الرئيسية التي يشي بها التسجيل ليست جديدة، فعبد الناصر تحولت رؤيته للصراع العربي الإسرائيلي على مدار الخط الزمني واستجابة للمستجدات المدلهمة؛ كذلك، هناك مشكلات منهجية في أخذ خلاصات سريعة من جزء من حوار مقطوع عن سياقه وكذلك دون تحليل مضمون حقيقي.
ولكن المهمّ هنا، وساعدنا نسبيا الحوار بجزئيه على فهمه أكثر، أن فكرة المسار الديبلوماسي، ليس فقط غطاء لتحريك حائط الدفاع الصاروخي وهو حتمي لأي عملية عبور كما قال هو بنفسه، أو تطوير الشرعية السياسية الدولية لأي عمل عسكري والتقارب مع الأمريكي – دون الخروج من الغطاء السوفيتي كذلك، ولكن أنه منفتح حقيقة على أي مردود إيجابي منه لتحرير سيناء. هو أكّد هذه النقطة – ليس فقط يعمله كخطوة توظيفية ولكنه منفتح بجدية عليه حتى لو يستبعد حصول ثمرة منه.
نعم هو قال نصا أنه لن يقبل نزع العسكرة عن سيناء والحدود الآمنة، ولكن يمكن التوقع أنه كان سيقبل درجة من تخفيض العسكرية حتى وصولا للترتيب الأمني في سيناء الخاص بمعاهدة السلام 79. والقضية العربية؟ مستبعد للغاية أن يتركها أو يقدم تنازلات عنها وقد رفض المضي العملي في مسارات سلم منفرد بعيد 67. ولهذا حين أتى على ذكر الضفة، قال أنه لو مكان الملك حسين سيرجعها ولو بنزع العسكرة.
وهذه نقطة جوهرية مهم الانتباه لها، في ظل غياب أي تطور عسكري شامل في الأفق لاستعادة الأرض، والخوف الأساس من التهويد (تصفية القضية)، حتى وإن أظهر لنا الزمن بعد ذلك أنه لم يكن على هذه الحراجة كما يتخيلها ولكن كما أسلفت – مهم ألا نستفيد بالنظر الرجعي لتقليل ضغط هذا التصور عليه في وقتها، رأى أن استعادة الأرض بأي ثمن واجب لصيانة القضية في تلك المرحلة.
بل كما هو أشار بنفسه، فإن التيار اليميني مناحم بيجن و(حزب جاحال) وقتها اعترضوا بشدة على مبادرة روجرز، وفعليا انسحبوا من الحكومة الوطنية التي أسستها مائير في 1969. لماذا؟ لأنه كانوا يريدون الاحتفاظ بسيناء. بل إن عريضة الوفاق الوطني لهذه الحكومة (بالعبرية Tora Shebe’al Peh) صيغتها كحد أدنى يُقبل به في أي سلام مقبل: السيطرة على شرم الشيخ، مع بقاء بعض الاختلافات بين جاحال الذي كان يرى حتمية الاحتفاظ بشرق سيناء، ومابام أقصى اليسار المستعد للانسحاب الكامل. حكي هنا عن سيناء، فما بالنا بالقدس الشرقية والضفة!
بوضوح شديد؛ عبد الناصر اعتمد تحت وطأة حرب 67 و الاستنزاف استراتيجية مرحلية لأجل كسر العدوان وتحرير الأرض المحتلة 1967 وهذا يشمل بالتأكيد استعدادا للاعتراف بإسرائيل. هذا الاعتراف ليس فقط أساس في قرار 242، بل حتى طرح عبد الناصر إمكانيته في مؤتمر باندونج لعدم الانحياز 1958 وحتى قبلها في الماراثون الديبلوماسي قبيل حرب 56، وهو استعداده للاعتراف بإسرائيل وقبول قرار التقسيم ولكن بشرط تحوير جوهري فيه وهو مبادلة الأراضي بإعطاء النقب للعرب للحفاظ على الاستمرارية الجغرافية للأرض العربية (وهذا بالمناسبة كان نص مشروع برنادوت خدمة للتصور الاستعماري البريطاني أثناء حرب 1948 – وقد اغتالته عصابة الشتيرن واعتبرهم بن جوريون بعد ذلك أبطالا حتى لو أدان الفعل رسميا).
وأهم ما أنجزه عبد الناصر مع الأثر الإيجابي لحرب الاستنزاف من استعادة ثقة الجيش في ذاته، أنه تم تطوير خلاصات هامة على مستوى التكتيك والعمليات واختبار فرضيات مختلفة، سواء في عملية العبور، أو استبعاد إمكانية السيادة الجوية أو المدرعاتية في أمد قريب، ولكن الاستعاضة عن ذلك بالإنكار Denial الجوي والمدرعاتي باستخدام الدفاع الصاروخي، وطبقات الدفاع ضد المدرعات في خطوط متراكبة ولكن ثابتة (مدفعية – قذائف موجهة – ثم ار بي جي – والدبابات ذاتها كمدفعية متحركة ولكن ليست أداة مناورة وإفناء)، وكلا الخيارين العسكرية يفرضان على أي تصميم عملياتي وخيار استراتيجي أن يكون محدودا جغرافيا بمدى الصواريخ والانتقال بعد العبور سريعا لنسق دفاعي. هذه الأفكار ولو في حدها المبسط كانت ثمرة التجربة بالنار في حرب الاستنزاف، وأشار لبعضها بالحوار.
واستراتيجية، فكرة العمل العسكري القائم على العبور ودوره كاضطرام جذري في البيئة الدولية للصراع ويقود لسلام أفضلي ولو مرحليا، اتضح من الحوار أن عبد الناصر وصل لها وإن كان ليس بذات النضج الذي حصلت به في 73 ولكن كل معطياتها وُجدت في عهده. والحقيقة – أنا في رسالتي للدكتوراة ثمّنت كثيرا دور السادات في طرحها، وهي الحرب الواسعة لأهداف محدودة All Out Limited War – كما سماها Elli Leiberman في كتابه Reconceptualizing Deterrence – بالابداع السياسي Political Invention (الاستراتيجي بالأحرى)، ووصل لها السادات بعد فترة. ففي الأول كان يقصد إشعال الوضع الدولي بعمليات محدودة، كمثل إنزال في شرم الشيخ – كما تحدث بذلك في لقاء المجلس العسكري الأعلى 1972. ولكني أوضحت أن العبور واحتلال جزء ولو بسيط شرق قناة له قيمة ضافية استراتيجيا (ضرب مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي على الرفعة العسكرية وقيمة الاحتلال أمنيا) وعسكريا (كمرتكز لتطوير العمل العسكري بشكل لحظي شرق القناة وضمانة الحشد العسكري الإسرائيلي بدرجة ما).
والعجيب، أن تجربة حرب الاستنزاف كرست المفهوم الخاطيء عند الإسرائيلي Concept ومجتمعه الاستخباري أن العرب لن يهاجموا ثانية إلا بسيادة جوية وصواريخ دقيقة طويلة المدى، دون أن ينتبهوا للتحوير السابق، وهذا ماساعد كثيرا في الخلل الاستخباري المصاحب لحرب 73. ولعل السبب في ذلك، أن ذات حرب الاستنزاف فاقمت الشعور الشديد بالاستعلاء عن الإسرائيلي وعدم القابلية للانكسار invincibility ، والاستهانة بقدرة العرب، وهذه من مفارقات النصر والهزيمة كيف يقودان لنتائج معاكسة، ويظهر ذلك في الجولة التالية من الصراع!
****
هل تفرق استراتيجية عبد الناصر المرحلية هذه عن استراتيجية الخطوة خطوة لبورقيبة، والتي طرحها أثناء زيارته للقدس 1965، وشيطنه وجرّسه وقتها عبد الناصر والآخرون؟ بالتأكيد، لأن السياق مختلف! حرب 67 وانكسار العرب التالي لم يكن قد حصل. على أن دافع ومنطق بورقيبة كان بشكل أو آخر قريب مما طرحه عبد الناصر هنا، واستدل بذات النقطة (يرفض العرب شيئا، ثم يطلبونه بعد الانكسار التالي ويكون راح وقته، وهكذا).
هل هذا يتفق مع مسار السادات تاليا؟ بالتأكيد ليس هذا ماانتهى إليه مسار السادات من تغيير رؤية مصر الوجودية بالأساس من قاطرة للأمة العربية مع وجود كل الإشكالات العامة والبينية، إلى وكيل للأمريكي يتحالف ويتنافس مع الإسرائيلي للقيام بهذه الوكالة، والتعهد بوقف الحرب مطلقا كأداة للصراع، وحاكمية معاهدة السلام مع إسرائيل على ماعداها من اتفاقات عربية، خصوصا أن هذا حصل بعد اختراق استراتيجي واسع حصل في حرب 73. فضلا عن الفارق أن عبد الناصر كان يرى شبه انعدام الحل السلمي بالأساس. يُضاف لذلك – أن السادات من أول مقدمه لم يكن محبذا فكرة الحرب بالأساس! ولهذا كان طرحه في 1971 بفتح قناة السويس للملاحة وتراجع الجيشين عنها، والحمد لله أن رفض الإسرائيلي ذلك بعجرفته وغبائه. فضلا عما يطرحه أصحاب الفكر القومي والناصري وبالتأكيد هيكل – من قيامه سلام منفرد.
ولكن كما يظهر لنا، أن فكرة سلام منفرد، والنشاط الديبلوماسي ابتداء كانت مطروحة عند عبد الناصر ولو نظريا، ولكن في سياق ومعطيات شديدة التعقيد وأبعد كثيرا عما وصل لها السادات.
والاتجاه السابق يفسر موقف السادات أيديولوجيا – أن هذه طبيعة فكره بالأساس ، فضلا عن الخلل الشخصي وهذا طرح هيكل.
على أني الحقيقة، مع الإقرار بوجود إشكال أيديولوجي وشخصي، ولكن الحقائق المرة التي انتهت بها الفصول الأخيرة لحرب 73 قادته مبكرا لحالة الإنهاك الاستراتيجي تلك وعنده لها استعداد. وهو بالتأكيد قام بإنجاز استراتيجي واسع في الإعداد للحرب ووضع استراتيجياتها وقيادة فصلها الأول، ولكنه المسئول عن أخطاء بنيوية في دائرة صنع الاستراتيجية عنده وبالأخص في محوه لأي صوت عسكري احترافي يناقش فرضياتها، والاستراتيجية بالأساس هي حوار بين السياسية وبين فرضيات ما يمكن أن تقوم به القدرة العسكرية، كما يشي بذلك سلوكه التصفوي للفريق صادق وآخرون، ثم تكريسه رصيفا قياديا عسكرية لا تُناقش به بالأصل الاستراتيجية وحتى الإعلام بالنشاط الديبلوماسي (الاستراتيجية من اختصاصي فقط – كما كان يقول). وكذلك مسئول عن أخطاء وظيفية في الاستراتيجية العظمى للحرب؛ بأن دخل في تحالف مع السوري يقتضي بقاء الجبهة الجنوبية نشطة بالوصول للمضائق، في حين أنه لم يكن في قدرة جيشه ولا نيته القيام بهذا! ثم القرار الكارثي في تنفيذ تطوير الهجوم بقوات المدرعات الدفاع الاستراتيجي وتدميرها، ثم الفشل في تحجيم ومواجهة الثغرة بعد ذلك لصالح سياسة الاستعراض وصورة البطل أمام شعبه، أما عدوه فيعلم كل شيء.
المقصد أن ما انتهت له حرب 73 من وضع عسكري واستراتيجي ضاغط، بما فيه حصار الجيش الثالث ومدينة السويس، كانت لتجبر السادات على أخذ مسار غير تصعيدي على عكس ما يطرح هيكل والناصريون. كونه متسبب في ذلك هذا شأن آخر ولكن لا يغير من الأمر شيئاـ كمثل ما قلنا عن مسئولية عبد الناصر عن 67.
ولكن يُضاف لها – وهنا يأتي العنصر الشخصي والأيديولوجي – هو التهاوي تماما كإرادة سياسية وتفاوضية والتهاون في أوراق القوة بين يديه، لأنه كان متعلقا برؤيته في الوكالة الأمريكية والترتيب الجديد للشرق الأوسط وطرد السوفيت، وكذلك بمجده الشخصي. مثلا في اتفاقيات فض الاشتباك الأول، طرح دافيد اليعاز أن تبقى فقط 30 دبابة شرق القناة، وفي تقديره المُبطن أن حده لقبول الصفقة يصل ل 300 دبابة من أصل 1000، ففوجيء أن السادات يقبل! وهذا السلوك التفاوضي سر حالة الحنق الشديدة في القيادة العسكرية الجديدة (الجمصي) بل حتى بكائه! مع تأييدها للسادات ضد سردية الشاذلي، وقل مثل هذا تاليا على خلفيات مفاوضات كامب ديفيد والتي استقال فيها وزيران للخارجية تباعا. وكما أشار كيسنجر في حواراته، في إحدى لقاءاته مع جولدا سألته فجأة (لماذا يفعل هذا؟!) استغرابا من سلوك السادات، فقال لها (لأن ما يشغله هو أن يتحرك في شوارع السويس في سيارة مكشوفة ويقابله شعبه بأهازيج النصر). الأمر أعقد كثيرا من هذا ولكن الفكرة وضحت.
وهنا نأتي للنقطة التالية (تحليل المضمون):
-هناك حالة القرف والإحباط الكامل من الوضع العربي وبالأخص من الاتجاه القومي هنا، وتغليبها منطق المكايدة الشخصية والحرب الكلامية والمزايدات، وتركه وشعبه وحيدا في المعركة، وهذا يظهر بشكل كامل في تعبيراته، وبعضها حتى في الجزء الثاني مغرق في تهكميته ولم أتمالك ضحكاتي وأنا أسمع نطقه بها. وهو بالتأكيد مسئول بشكل كبير عن هذا الحال العربي المُزري التي وصلت له الحالة العربية بعد سنوات طويلة من الاشتباك والخطاب الأهوج في الملفات الداخلية لهذه الدولة. هو نفسه في الحوار مع القذافي يقول (أنا أيضا أشتغل ضده – أي البكر).
– من ناحية هناك درجة كبيرة من الرعونة وعدم الاتزان في حديثه، ونعم حتى في ظل الحالة السابقة، فكان ينبغي له أن يطرح رؤية استراتيجية أكثر نضجا ومسئولية حتى لو بلهجة مبسطة سواء فيما يتعلق ببناء القدرات العربية وتوحيدها، أو موضعة قبول روجرز و المسار الديبلوماسي في رؤية استراتيجية أوسع لمصر. ولكن من ناحية أخرى – لايمكن الجزم أن ما قاله بشكل حاد فعلا يُعبر عن مجمل مساره.
– وكما أسلفت – واقعه والسياق يعاكس ذلك. وبالفعل، في الشطر الثاني من الحوار وفي ذات الجلسة، هدأت لغته وبدأ يسرد بوضوح أن المسار العربي المشترك هو لم يزهد فيه لعدم اقتناع بالجدوى والقيمة، ولكن بالإمكان ويدعو القذافي لبذل كل قدرته فيه. والأهم – أن مبادرة روجرز ومجمل المسار، مهمة لبناء موقف إيجابي مع الأمريكي ودفعه للضغط على إسرائيل، قد يأتي منها شيء وإن كان بنسبة 99.5 % لن يأتي منها شيء، وفي كل حال لابد أن يقوم بها ليعطي غطاء سياسيا دوليا لنفسه من حيث عدالة قضيته لتتساوق مع أي نشاط عسكري بأي صيغة (هذه للمفارقة قالها في النصف الأول للحوار، ولكن أوضحها وكررها بهدوء في الثاني – وأضاف لها مسألة محنة بناء حائط الصواريخ الذي يُعتبر ضروريا لأي عملية عبور كما أوضحنا..
ولا ننس كذلك الحالة الصحية والنفسية التي وصل لها عبد الناصر في تلك المرحلة. بعدها بشهر حصلت أزمة أيلول ووفد إلى مصر وقتها كل الإخوة الأعداء الذين حكى عنهم، وبذل جهدا خرافيا في الوصول لتسوية وحل فتيل أزمة كارثية للشعب الفلسطيني والقضية، وأخذ هذا على ما تبقى من حالته تلك بحيث أن توفي بعدها بأيام.
غير أن هناك نقطة جوهرية، يمكن أي محتك بهذا الملف وعاش طويلا مع كتابات هيكل يدركها، وتتضح هنا. عبد الناصر ليس شخص جاهل استراتيجيا، هو قريب من العلم العسكري والاستراتيجي، وكان يُدرِّس التاريخ العسكري في كلية أركان حرب. وبقي مطلعا على الأدبيات الاستراتيجية غالبا عن طريق هيكل، وإن كان هيكل كذلك يغلب عليه الطابع الصحفي والسياسي الموسوعي أكثر منه الاستراتيجية كعلم وفن فضلا عن صلتها بالشئون العسكرية، ولكن كذلك – كما ظهر بالحوار – عبد الناصر كتفكير ولغة ليس على هذه الدرجة العميقة من النضج الاستراتيجي كما توحي كتابات هيكل، وكثيرا ما كنت أشم رائحة أسلوب هيكل في صفحات كتبها بلسان عبد الناصر. نعم – قد تكون هذه الأفكار عند عبد الناصر، ولكن ليس بهذه الدرجة من السبك والنضج.
وأسرد موقفا لفت نظري في معرض تحليل البنية المؤسسية للعلاقات المدنية العسكرية في حرب 67 وبعدها عن مدى اطلاع عبد الناصر على الأدبيات الاستراتيجية. عبد الناصر بالتأكيد كان مسئولا عن الخراب الحاصل فيها قبل 67، بإعطاء الملف العسكري لعبد الحكيم كقائد عام، وتحته وزير الحربية شمس بدران! وفصل بين ملفات حيوية في القيادة العسكرية بين ما هو تحت الوزارة وما تحت رئيس الأركان، وعبد الناصر معزول عن الشق الأكبر. بعد الحرب – جعل القيادة العامة لفوزي، وأتى بأمين هويدي وزيرا للحربية، فهويدي – وهو بالفعل أعلم من قرأت له في النخبة المصرية حينها استراتيجيا – طرح مشروعا لإعادة تغيير بنية القيادة السياسية والعسكرية للجيش، بحيث أن يكون وزير الحربية منصب سياسي، وتحته القائد العام ورئيس الأركان (الفصل تبعا للنموذج الشرقي)، لأنه بدون ذلك إما تتغلب الرؤية العسكرية على السياسية، أو السياسية على أي اعتبار عسكري في معرض صناعة الاستراتيجية تبعا لموازين القوة بين الرئيس والقائد العسكري. وحينها رفض عبد الناصر، وأشار له بقراءة كتاب Men of Pentagon – Burklund، يشير أنه يريد إبقاء الوضع الحالي لضمان سيطرته السياسية والأمنية على الجيش، فرفض هويدي، وجعله عبد الناصر مديرا للمخابرات العامة، ثم جمع منصبي القائد العام ووزير الحربية في شخص واحد وهو فوزي، ورئاسة الأركان للشهيد عبد المنعم رياض. الشاهد – أني حين تتبعت متى تم إصدار هذا الكتاب وجدته 1966، أي قبلها بعام!
خلاصات وإلقاءات عامة:
- يبقى التحليل النقدي للتاريخ الاستراتيجي هو أرفع وأهم مصادر بناء الوعي والملكة الاستراتيجية، بشرط الاجتهاد في تحرّي الحقيقة التاريخية كما هي، ثم الاجتهاد في التلاقح المستمر بين النظرية الاستراتيجية وإعادة تفتيش وتعيير المسار التاريخي بها.. كيف رأى صناع القرار الواقع، ما هي الأهداف السياسية التي وضعوها وخلفياتها؟ ما هي تقييماتهم للبيئة الاستراتيجية والعسكرية للخصوم والحلفاء؟ ما وضعوه من خيارات استراتيجية تعتمد على تحريك قدراتهم العسكرية وغير العسكرية لكسر إرادة الخصم وتغيير الواقع السياسي؟ ماذا فعلوا حين يكتشفون أن الفرضيات الأولية سواء لتحصيل النتاج العسكري أو ما يقود له من أثر استراتيجي غير دقيقة في ذاتها أو بسبب ما استجد من ردود أفعال؟ بل قبل ذلك ومعه – ما هي مفردات قابليتهم الاستراتيجية معرفيا (كيف يفهمون الاستراتيجية ويعلمونها لنخبتهم السياسية والعسكرية)، ومؤسسيا (هل هناك علاقة صحية بين المستوى السياسي والعسكري تضمن مشاركة المعلومات والتفكير النقدي والمستقصي وهيمنة السياسة مع اعتبارية الرأي العسكري الموحّد غير المنحاز لسلاح بعينه، ودخول الساسة في الشأن العسكري فقط الذي له ثمنية استراتيجية)، وتطبيقيا (القدرة على تخليق استراتيجيات عظمى وعسكرية ومراجعتها، وتحوير القدرة العسكرية كعقائد وفن وتراكيب وأنظمة تسليح لتوفية مناطاتها)؟
- المصادر التاريخية الأولية لها قيمة فريدة في إعادة إنتاج درجة من الصدقية للحوادث، ولكن كلها بلا استثناء لن تعطي صورة كاملة وشافية، ولكل منها إيجابيات وسلبيات. وحتى على مستوى تدقيق الرواية التاريخية، فلابد من التكامل والنظر التقويمي، وبناء الجسور والتعويض والتمحيص والمُقابلة بين المصادر المختلفة. وكما هو درس للكثيرين، من يستمع للشق الثاني من حوار عبد الناصر في ذات القصة – يكتشف جزءا آخر مخفيا من المشهد.
- ولكن يبقى الإشكال بالأخير هو تحليلي – وهذا في مقاربة التاريخ وحتى في النشاط الاستخباري. غالبا لم تكن المشكلة في غياب المعلومة، ولكن غياب المخروط الذهني والتحليلي نتاج المعرفة المنهجية والتجريب والبناء المهني المستقر الذي يستطيع أن ينشيء علاقات واستنتاجات واعية، وبالتأكيد مواجهة أي تحزب وانحياز لأنه يخرّب الصورة بشكل كامل، فضلا عن سوأته الأخلاقية. الانحياز دوما سيبقى، ولكن تعرّفه وتعريفه ومواجهته واجب علمي وأخلاقي (ولا يجرمنكم… ) (كونوا قوامين بالقسط ..).
- عبدالناصر على كاهله مسئولية كبرى في الخسارة الاستراتيجية لمشروع بلادنا في التحرر والوحدة، بنيويا ووظيفيا على السواء، والخلل الاستراتيجي هذا هو فرع عن فساد النظام السياسي وحكم الفرد وهالة الزعيم والبطل المسيطرة. ولكنه كذلك – كان صاحب مشروع حالم ولم يكن خائنا أو مستسلما أو فاسدا بالمعنى الضيق للكلمة، وحاز على صياغات استراتيجية وسياسية رائعة بالنظر لسياقها وبيئتها، ولكنه خذلها بنظام مهتري البنية وسلوك وخطاب أكثر طيشا. وقد ابتلي كذلك بوضع كانت دوله لاتزال تحت الاستعمار بصوره، وانقسمت لمعسكرين: الأول متحالف ظاهرا وضمنا مع المستعمر ومن ضمن ما يلتحف به الإسلام!، والثاني خلي من أي رشادة سياسية وبناء اجتماعي مستقر، وتوازن نفسي وأيديولوجي، وقد دخل في حرب مع الطرفين. وحواره يشي بحدود العداء بينه وبقية الاتجاه القومي، فكيف خط الملكيات الذي دخل معه في حرب مفتوحة ودعوا صراحة الأمريكي لتصفيته قبيل حرب 67، وإن حصلت بعد الحرب بعض الرجعة الرشيدة على إثر الكارثة.
- عبد الناصر تطورت رؤيته الاستراتيجية من أسبقية التحول الاجتماعي والعسكري والتنموي والوحدي تهيئة لحرب خاطفة متعددة الجبهات ويسندها عدم انحياز إيجابي دوليا، إلى استراتيجية مرحلية بعد حرب 67 عبر مساري الاستنزاف والإعداد لحرب محدودة بهدف محدود وهو استعادة الأرض ما قبل 67 والتخندق مع السوفيت، إلى حال من الإنهاك الاستراتيجي دون فقدان كامل للبوصلة وإعادة اعتبار للحل الديبلوماسي مع استبعاد حصوله ثم توظيف ذلك دوليا وكذلك كغطاء لتطوير خط الدفاع الصاروخي – الذي كان العنصر الأهم عسكريا في إنجاز 1973 مع استعادة الروح القتالية للجيش.
- كما مر بنا في محطات عديدة، يبدأ مسار الصراع بخيارات عديدة، ولكن كلما نأخذ خيارات خاطئة وتحصل على إثرها كوارث، تضيق الخيارات على خط الزمن. وقد يجد القائد أمامه خيارا وحيدا ليحمي شعبه ويحفظ ما تبقى من موارد المقاومة والخوض في مرحلة تالية من الصراع، فيلزمه شرعا وسياسة ذلك! وليس من يحدد ذلك الحزبي والمؤدلج والخلي من العلم والخبرة – حتى لو في مجال آخر كالشيخ والعالم الشرعي مثلا؛ بل الأخير هو من يُظهِر الأساس النظري لأحكام الجهاد في شريعتنا وتوفيقاتها الزمنية عموما أما إيقاعها على الحوادث فهو رأي السياسة والحرب والاستراتيجية! إلا أن تتوحد هذه الآراء الخبراتية فحينها قد يقدّم الشرعيون رأيهم تصديقا لنضال الأمة في معركة حاسمة وليس منشئا للرأي التجريبي فيها ومحتجا له. وللأسف – فاقد العلم والخبرة في مسألة كالطب والهندسة قد يتسبب في هلاك شخص أو مجموعة، أما في مجال السياسة والاستراتيجية، دوما تهلك بسببه شعوب وتندثر قضايا وعزائم، ومن هنا كانت (قسوة) النصوص الشرعية في هذا الباب. الأهلية القيادية واقتراف الاستراتيجية بشكل سليم واجب شرعي يشترك فيه الكثيرون على حسب المكنة والموقع، وأشده على كاهل من يقود، أما النصر فهو من عند الله، وهذا عين مقتضى النظر التجريبي حتى في هذا المجال؛ نجاعة الاستراتيجية أصدق وأوثق الطرق للنصر وليست تحتمه.
- المشكلة الكبرى في بلادنا على اختلاف سياقات الزمان والمكان، الدول والحركات، الاتجاهات الأيديولوجية ترتكز بالظاهر على خراب استراتيجي في البنية (من حيث القابلية الاستراتيجية)، وبالتأكيد الوظيفية (الخيارات)، وكذلك على انحراف شديد في مساحة الأخلاق وغلبة الاستبداد وتحريم النقد، واعتقاد القدسية. ولكن بشكل أعمق، المشكل يبقى في حركة المجتمع وبنيته؛ مدى نجاح بلادنا وشعوبنا، بالرشد الإيماني والمعرفي والصرامة الأخلاقية ، أن تُنشيء نخبا سياسيا، ومناخا اجتماعيا يُقدّس العلم وطريق بنائه، ويعلي من مساحة الفاعلية الحضارية وفي قيادة الصراع ولكن عن وعي.
- لم تكن مشكلة بلادنا أبدا غياب العاطفة الدينية والقومية، ولا نوازع الخير، ولا وفرة العدد طيلة الأوقات، ولا وفرة السلاح معظمها، ولكن غياب القدرة النفسية والاستراتيجية والبيئة الاستراتيجية الرشيدة على بنائه وتحويره وتحريكه وفق أغراض محسوبة، والمثال الأخلاقي الذي ينداح في البيئة تلك أو يجف فتضمر وتتشوه مساراتها ولو تحلقت حول كتاب الله، وما يقود له هذا المثال والإحساس بالمصير الواحد من وحدة القيادة والمشروع والتغاضي عن أي خلاف ونزاع على السلطة والوجاهة وهذا رأس الأمر (كما تنص الآي والأحاديث) ويكْلِمُنا التاريخ – بما فيه هذا الحوار – والواقع القريب بأثر غيابه.
- وكما رأينا على مدار العام والنصف الفائت، فقيادة أمتنا دولا وحركات ليست استحقاقا سماويا، ولكن بمنطق الوظيفة والأهلية والرشادة. من لا تستقيم بناه وقدرته الاستراتيجية تلك، سيقود بلاده وشعبه للكارثة، ولن يفيده لا في حساب الله أو حساب شعبه النية الصادقة ولا الاستشهاد الصادق. هذا حساب المجاهد فردا وليس قائدا. وليس لمخلوق هذا الصك الذي يرفع عنه المساءلة في هذه المساحة ولو النبي (أمنزل أنزلكه الله أم هي الرأي والحرب والمكيدة؟ ليس هذا برأي)، أما من دون النبي المعصوم، فحتى نواياه وبواطنه وأخلاقه ومثاليته فهي موضع اشتباه وفحص ومؤاخذة مادام استطال على الناس قائدا ! (لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا فينا إن لم نسمعها)، وفعله رضي الله عنه مع خالد وهو القائد المظفر والمنقذ لجيشه، وليس المهلك لجيشه ورعيته.
لمزيد متابعة
رسالتي للدكتوراة
https://centaur.reading.ac.uk/84844
——



