تحليل استراتيجيمنوعات

مراجعة استراتيجية للحرب بين إيران وإسرائيل – يونيو 25

الحقيقة لم يكن بالخاطر كتابة شيء متعجل عن الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، لسبب شخصي وهو العودة للوطن ومهمات الانتقال، وكذلك لطول معايشة هذه الحرب قبل بدايتها بعقد ونصف، ومع حصول مقدمات جوهرية لها في العام ونصف الفائت. فمع ما بها من مفاجأة استفتاحية فكأن خيوطها الأساسية كانت في نسيج القدر لفترة طويلة بحيث راحت منها فورة الدهشة والمتابعة.

مقدمة تاريخية .

يمكنني البدء بمشاركة هذا المقال الذي نُشر في القدس العربي ، في ديسمبر 2010 – وقت إدارتها من أ. عبد الباري عطوان، حيث كنت معتادا على النشر معه.

https://www.alquds.co.uk/%D87%D9%84%D8d%D8%B1%D88-%D87%D9%84%D9%82%D87%D8f%D9%85%D89-%D8%B9%D9%86-%D83%D98%D9%91-%D8d%D8%B1%D88-%D8%D8%D8d%D8f%D8b%D8%9F

ومهم أن أتناول سريعا بعض النقاط التأسيسية والتاريخية للحرب الحالية.

. لماذا ترى إسرائيل (مجمعها الأمني والعسكري – وليس فقط الساسة) الخيار النووي الإيراني تهديدا وجوديأ؟

مبدئيا لفرصة استخدامه وما له من تدمير شامل، والأمر ليس تبادليا كما هو معتاد في الاستراتيجية النووية Mutual assured destruction، ولكن لغياب البعد الجيواستراتيجي إسرائيليا فإنه ليس أمامها فرصة  للنجاة، بشرط امتلاك إيران للقنبلة والنواقل بشكل معقول.

ولكن الأدقّ – والأكثر احتمالا أمران:
أ.  إنهاء الردع التميزي النووي إسرائيليا. والمشروع النووي منذ نشأته أوائل الستينات تحت قيادة شيمون بيريز وقت أن كان مديرا لوزارة الدفاع وبدعم فرنسي كامل، كان يتم اعتباره (الخيار الأخير). أي حائط الأمان الذي ترتكز عليه المنظومة الإسرائيلية كدولة ووطن لليهود في البقاء والجذب – تحت وقع تحديات أبدية لسؤال الأمن المسكون بتجربتي الشتات والهولوكوست.

ومع وجود افتراق داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى الخيار النووي وخطره كذلك (بالأساس لأنه قد يُجرّيء العرب على امتلاكه وكما أسلفت – التوازي النووي معناه اندحار) – مثلا إيال آلون كان ضده بشدة كما في كتابه – عمدة الفكر الاستراتيجي إسرائيليا في الستينات – The Making of Israeli Army ، تم اتخاذ قرار الغموض النووي Nuclear Ambiguity, لرفع التكئة أن يتخذها العرب لطلب هذا السلاح وعدم توتير العلاقة مع الأمريكي الذي اشترط ذلك وقد سمح بإمداد إسرائيل بصواريخ الدفاع الجوي هوك ودبابات ليوبارد قبل 67 قبل اعتمادها كحليف ورأس حربة أساسي بالمنطقة بعدها. وكذا بما للغموض من قدرة على شحذ المخيال الردعي.
 لم توقع إسرائيل على اتفاقية الحد من الانتشار NPT ، وربما لم تفكر في استخدامه إلا عرضا في اللحظات الحرجة أول حرب أكتوبر  وقبيل 67 (اليقين التاريخي أنها أشعلت معدل استعداد الطواريء في مؤسساتها النووية في 73، وقد رجح مارتن فان كريفيلد كان القيام بتجربة نووية رادعة، ولكن على ترجيح البعض وأوافق عليه – كان استخدام هذا التحفيز كإنذار رادع للروسي والمصري – وحتى الأمريكي).

ب. لكن التزاوج النووي nuclear parity، أي حصول طرف معادي على السلاح –  له أثر أكثر مباشرة وإلحاحا على الإسرائيلي،  وهو – في حال الإيراني – تقديم سقف لتطويرالتعديات التقليدية وحتى غير النظامية.. بمعنى – أن تكون للإيراني معدة Gut ونفَس أوسع للتصعيد اعتمادا على ما عنده مظلة نووية.

ماذا كانت المعوّقات أمام الضربة الإسرائيلية ؟

كما يشي مقالي القديم بالقدس العربي، فمسألة الضربة الإسرائيلية على إيران لإجهاض أو تعويق مشروعها النووي – أسوة بضرب المفاعل العراقي 1981، والسوري في دير الزور 2007، هو أمر قديم. وكانت هناك ثلاثة أنواع من المعوّقات:
أ.عملياتية – بالأساس فيما يتعلق بالمديات والحمولة الكافية للطيران الإسرائيلي على ضرب المواقع الإيرانية، خصوصا تلك التي نحى الإيراني لتحصينها تحت الأرض وفي مجمع أنفاق مثل فوردو لتفادي الضربات الجوية الاعتيادية، فضلا عن تجازو الدفاعات الجوية المكثفة حول هذه المواقع. ومع الوقت أتقن الإسرائيلي تصاميم عملياتية ومرونة تكتيكية للقيام بهذه الضربات بشكل مبكر وبالأخص في 2010. وحتى عندما حصلت إيران على منصات S-300 ، حصلت إسرائيل على طائرات  F35 لتسهيل السيادة الجوية عبر ضرب هذه المنصات في 2017. وإن بقيت القدرة محدودة على ضرب المواقع المحصنة في عمق الأرض دون حيازة القنابل الخارقة.

ب. ولكن المعوق الأساس كان استراتيجيا – لأن إيران نجحت في تشكيل وتشغيل شبكة من الكلاّبات الطرفية (بالأخص حزب الله – وبدرجة أقل حماس والجهاد، ثم الحوثي والمنظمات بالعراق وسوريا بدرجة ثانوية) كمنصات عدائية وإشغالية للإسرائيلي من ناحية، وكذا رادع إيذائي Punitive Deterrence  أمام هذه الضربات.
 نعم – استطاع الإسرائيلي بشكل ما عبر استراتيجية العمليات بين الحروب وجز العشب من رسم خطوط حمر وبقاء صيغة أمنية بتوازن ردع شبه أفضلي يتم تجديده دوريا، ولكن بقي المأزق قائما فيما يخص الردع الإيذائي (أي اشتعال الجبهات تلك ردا على الضربات ضد إيران).

 ج. وكذا الموقف الأمريكي، وهو يتباين بدرجة كبيرة حسب طبيعة الرئيس واتجاه حكومته؛ بل العلاقة الثنائية بينه ورئيس الحكومة الإسرائيلية. فالشيء الوحيد الذي أوقف تحقق الضربة في 2010 كان موقف أوباما الحاد والعدائي ضد نيتنياهو تحديدا، والذي حتى تجلى فيما تركه من هدية وداع بحجب الفيتو المعتاد ضد قرار تجريم المستوطنات الإسرائيلية، بل وحثه لمصر أولا أن تقدم نسخة بالمشروع، وحتى حين تراجعت مصر تحت ضغط ترامب (الرئيس المنتخب قبل توليه المقعد) ونيتنياهو، دفع نيوزيلاندا للتقدم بالمشروع الذي تبنته تاليا مصر وبقية الأعضاء. وحتى في ضرب مفاعل دير الزير، فلم يكن بوش الابن مرحّبا بالضربة، ولكن ما إن حصلت، لاقت تأييده. غالبا – يراعي الرئيس الديمقراطي وحكومته اعتبارات متواليات الضربة على الأمن الخليجي والسياق الأوسع بالمنطقة وأمن الطاقة بشكل أكبر من الجمهوري.

وفي هذا السياق كان الرفض الإسرائيلي الحاد للاتفاقية المشتركة مع إيران JCPOA – لأنها لم تضمن سيطرة كاملة على كل المستودعات السرية، ولكن الأهم تحييد الإشكال النووي لصالح فتح المجال دون ضغوطات أمام التطور الباليستي، وغير النظامي بالمنطقة، وهذا بالتحديد ما كان يقلق الخليجي.

كذلك – كانت تحرص إيران أن تبقى دوما تحت الخط الأحمر Sub-threshold ، وما يظهر كما يرى البعض أنها سياسة متعمدة  – أن تكون إيران على مرمى حجر من امتلاك القنبلة، ولكن دون تجاوز الخط الذي يُحتّم الضربة الإسرائيلية، وليس عندي ما يدحض أو يدعم هذه الفرضية بيقين، وإن كنت لا أرجحها لأن تجربة كوريا الشمالية الإيجابية مع هذا الملف ماثلة أمام الإيراني ليكررها إن استطاع.
مع الوقت، ظهر أن مسألة التخصيب حصل فيها اختراق مما جعل البعض يُقدّر أنه خلال أسابيع قليلة يمكنها تجاوز معدل التخصيب ل 90 % بكمية تكفي لقنبلة أو أكثر (تم العثور على يورانيوم عالي التخصيب 89% بالقرب من فوردو)، غير أن المجتمع النووي كان يرى أن ما قد يؤخر إيران ليس التخصيب، ولكن التسليح Weaponization ، أي امتلاك القدرة الفنية والمادية لتسكين مكونات القنبلة كسلاح بعينه. ولهذا فما ذكره نيتنياهو عن قرار التعجيل بالضربة الذي اتخذه في أكتوبر لتكون في أبريل كان مرتبطا بتطورات مدعاة في هذا الأمر، بالإضافة لأمور أخرى كما سيأتي.

ماذا حصل وهيأ للحرب ؟

النقطة الأخطر التي جعلت استهداف إيران محتما هو سقوط المحور، بالأخص عنصر حزب الله، حيث أنه كان العائق الأكبر والمكون الأساس في منظومة الردع الإقليمي إيرانيا ضد إسرائيل. ولهذا – فحتى تيار المعارضة يسار الوسط كان متحمسا لها. وتحدثنا من قبل عما تسبب به 7 أكتوبر من تداعي هذا المحور، بطريقتين:
الأول) أنها فرضت عليه – خصوصا حزب الله، أجندة تصعيدية، لا تتوافق بشكل كبير مع مأزقه الاستراتيجي وحرية حركته داخليا، وهذا قاد تاليا لاضطراب حسابه ووضعه حبيسا أمام مخروط التصعيد الإسرائيلي، بعد تسكين نسبي للجبهة الجنوبية. فضلا عن الاختراق الفادح الذي قاد لتهاوٍ سريع في قيادته العسكرية والاستراتيجية، والتي جعلت مهمة الإسرائيلي أسهل ولم تكن حتمية لنجاحها.
والإيراني بالتحديد – التقط مبكرا رسالة الردع الذاتي، مع توافد حاملتي الطائرات الأمريكية بعيد 7 أكتوبر، وعلى هذا كان التزامه بعدم الانخراط الجاد بشكل مباشر في الحرب.

الثاني) أنه غيّر تماما المنطق الاستراتيجي والذهنية والنفسية الحاكمة إسرائيليا في التعامل مع الصراع. فلم يصبح صراع غير متماثل – تكتسب القوة الأضعف مزية استثنائية حين تهدد المصالح الثانوية والحيوية للقوة الأكبر – فبفعل الإدماء تُغير حساباتها وتدفعها للتنازل. ولكن صار صراعا وجوديا تتحرك القوة الأكبر بكل قدراتها وصلابتها النفسية ومواردها لتسكين منافذ الاعتداء بأي ثمن.
نعم – هناك حزمة عريضة في السياسة الشخصية لنتنياهو في استمرار نمط تصعيدي بعينه في الحرب، وهذا قاد لإشكالات  مرعبة استراتيجيا وكتصميم عملياتي كما تناولنا بالتفصيل مرارا. ولكن هذه الرعونة والأنانية الحزبية Parochial politics  بالعكس – ليست المسئولة عن سريان معادلة التصعيد الوجودي تلك، ولكن إدارتها بشكل خاطيء استراتيجيا وعسكريا، وعدم توفية متطلباتها!

ولهذا – فكان منطقيا أن يتفرغ الإسرائيلي لمحاولة تصفية أو تحجيم الخطر الإيراني دون اكتراث كبير بالثمنية، بدءا من أكتوبر 2024، وما تلى ذلك من سقوط النظام السوري وحالة التمدد العسكري وتمتين النسق الدفاعي في تلك الجبهة والانتشاء بطرح فكرة تغيير الشرق الأوسط – فقط ساعدت ذلك.

فحين يأتي رئيس أمريكي، مسكون هو وعناصر من حكومته بالتصعيد الحاد وحل المسألة الإيرانية بشكل خشن، فهذا يدعم الخيار السابق. ولكن مهم الانتباه أن ترامب بما عنده من حس للصفقة، وتعويله كثيرا على مصالحه بالخليج، وهوسه الذاتي بقدرته على الإنجاز أيا كان عسكريا وحتى تفاوضي،  وتصوير نفسه كشرطي إطفاء للأزمات التي عجزت أسلافه عن حلها، فضلا عن تبنيه وقطاع أمريكا أولا – داعمه الشعبي – لتقليل الانخراط العسكري أمريكيا بالخارج .. لا يتحرك وفق خط متصلب ومهووس بالتدخل العسكري كما كان المحافظون الجدد.

ولهذا – فبالفعل كان يبحث عن صفقة مع إيران، ولكن بالتأكيد وفق شروط إخصائية للبرنامج النووي وتتعداه. وكما رأينا التضاغطات والاقترابات بين ترامب ونيتنياهو في ملف غزة، كانت موجودة في حالة إيران، وهذا لايضع ذرة شك على الدعم الاستراتيجي والسياسي الأمريكي الكامل لإسرائيل!

ومهلة الشهرين كانت بؤرة التناغم بين الخطين، وجعلت المغامرة الإسرائيلية ضمن مخروط استراتيجي ولو مبدئي أمريكيا؛ بحيث تساهم بشكل جوهري في تليين الموقف الإيراني تفاوضيا، وهذا هو العنوان الأبرز لهذه الحرب!

السياق الاستراتيجي الحالي وما يأتي:

في مفاجأة استراتيجية حادة، ومع انتظار جولة أخرى من المفاوضات وهذا يؤكد التواطيء الأمريكي، بدأت الحرب باستهداف متزامن لطبقة الصف الأول من القيادة العسكرية والأمنية بإيران، وكذا تخريب منصات للدفاع الجوي، واستهداف بؤر أساسية في مخروط المشروع النووي بكل مفاصله سواء مراكز بحثية، ومناجم، ومعامل تخصيب بالأخص نطنز، ومفاعلات وقواعد لوجستيك، وما يقترب من 12 عالما أساسيا بالمشروع، وكذا استهداف عقد الاتصال وتلك الخاصة بتحريك وتصنيع وتوظيف الصواريخ البالستية.

على مستوى الاستراتيجية العسكرية، كان هناك تكامل و (توازن ما) – حتى دون وضوح الصورة الكلية والتفصيلية لنا، بين مسارات نزع الرأس العسكري والعلمي Decapitation ، وإحباط قدر معتبر من القدرة النووية والبالستية، وتخريب عقد السيطرة والتواصل، وما يتضافر فيه كل ذلك لتحصيل ثلاثة آثار استراتيجية بينها تراكب:

  • حجم الإيذاء والصدمة للتأثير على الإرادة السياسية لصانع القرار ودفعه لتليين سلوكه المُمانع بالأخص في إطار التفاوض،
  • وتعويق قدر معتبر من القدرة النووية
  • وكذلك إحباط قد هام من قدرته و(أدواته) على الممانعة تلك بالأخص الباليستية والسيطرة والاتصال،

وكتصميم عملياتي، كان العنصر الأخطر هو الاختراق الاستخباراتي، مع التكاملية بينه وأدوات العمليات الخاصة المغطاة، والدرونز، والذكاء الاصطناعي، والطيران والسيبر.

لشخص يتابع الملف منذ عقدين ، يمكنني توقع كثير من التفاصيل، بالأخص أن الإسرائيلي يعيد فرز وصياغة وبناء مسارات الفعل على المستوى الشامل والعسكري والمعلوماتي، وبنك الأهداف بشكل مضنٍ ومستمر منذ فترة طويلة. وهناك أمور حتى رأيناها في العملية الأوكرانية بالدرونز لاستهداف المطارات الروسية مع انحراف التوازن العسكري بينهما بحدة. ولكن الحقيقة – أن حجم الاختراق الاستخباراتي، والدمج المعلوماتي والتشبيك العملياتي بهذه الدقة والتراتبية كان مرعبا.

هذه النقطة تحتاج لتفصيل وإسهاب، ولكن يكفيني هناك بعض الإشارات:
1 فشل المنظومة المعلوماتية والاستخباراتية، وهذه العرضة الشديدة للاختراق، هي نتاج أسباب معقدة وعميقة الأثر في الترهل والانحراف المؤسسي ولتراكيب سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، أكثر منها مجرد خلل مهني ضمن صيغ المجمع الاستخباراتي.
2 الحق يقال، أن هناك شواهد متراكمة وعمليات شديدة النوعية منذ سنين، كانت مهم أن تدق أجراسا حادة لمن يقود النظام، بأن يتوقف ويخفض مستويات التصعيد، ويغلق على ذاته لفترة تتم فيها مراجعة جذرية وتصحيح لكثير من هذه المركبات المهنية والسياقات الأوسع.
3 كذلك – في خصوصية الحال الإسرائيلي، لسنا فقط أمام جهاز استخبارات احترافي، وتتراكم معه مصادر القوة والتخصص المؤسسي في خط تصاعدي، ولا يعاني مثل نظرائه في بلادنا من الخضات صعودا وهبوطا تصفية وتركيبا كمؤسسة، وتدهور كثير من البنى الاحترافية فضلا عن ضعف تهجينها بما حصل في العقدين الأخريين من تغير كبير في خصائص الحرب والبيئة المعلوماتية بدخول الذكاء الاصطناعي والدرونز والسيبر والالكترونيات.
4 كذلك – كانت أغلب موارد هذا الجهاز مُسخّرة على إيران وحزب الله في البيئة الأمنية التي تهم إسرائيل، وربما هذا للمفارقة كان من أسباب الفشل في 7 أكتوبر، حتى لو كان المشكل الإسرائيلي وقتها أساسا في المفهوم الاستخباري المُحرّف Concept ، وكذلك اهتراء النسق الدفاعي واتخاذ القرار في البيئة الطرفية لغلاف غزة. بل إن ما تبنته الاستراتيجية الإسرائيلي حيال إيران – بعد تراكب المعوقات أمام الضربة كما ذكرنا سابقا – كان تبني استراتيجية شاملة للتعويق النووي، وكان أهم عنصر فيها هو الاختراق المعلوماتي (بشري وتقني بالأساس) والعمليات المغطاة.

التصور الاستراتيجي الإسرائيلي..


باختصار – إسرائيل دشنت حربا بأهداف محدودة، ولكن قابلة للتحوير تصاعديا كما وكيفا.

الأهداف الإسرائيلية – قصدت لإحباط قدر هام من القدرة النووية والبالستية، وهذا يقود لنتائج مباشرة .. هدم صورة القوة والردع الإيراني تباعا ـ والضغط عليها للتفاوض – وهذا كما أسلفت ما جعل هناك تسكينا للجولة ضمن الاستراتيجية الأمريكية.
هدف إسقاط النظام ليس بالضرورة هدفا ممكنا ومقصودا كاعتبار أولي في هذه الجولة. الحملات الجوية والتصفوية لها ديناميات وتتابعات كثيرا ما تتباين وغالبا لا تقود لهذا المسار التراكمي الذي يهيء الساحات الاجتماعية والسياسية لهكذا هدف في الأمد القريب. مثلا – بشكل مباشر كان هناك زيادة التعاضد الشعبي، والشعور القومي، وفرصة للنظام لتجييش الروح الوطنية. فضلا – أن السياق تاريخيا واستراتيجيا وكتصميم عسكري لهذه الضربة مختلف تماما، وبطبيعة الحال، الإسرائيلي ليس محبذا أو مهيئأ لمثل هذه المسارات التراكمية المعمقة التي تتموضع فيها الأداة العسكرية كأدة حاثة وليست حاسمة.
نعم – لو تنازل النظام في صيغة (هزيمة واستسلام) قد تفتح نافذة في مختبر التفاعل الاجتماعي والسياسي الذي يهدم شرعية الإنجاز له، وقد يأتي ثمرة منها،
ونعم – لو تحولت الحرب لنطاق شامل، وانحسار السيادة الإيرانية على مساحات جغرافيا بالأطراف أو المدن الكبرى ستكون لهذا إمكانية معتبرة، ولكنه بعيد عن السبك المباشر للمستوى الأولي لهذه الحرب.

يهمني كذلك أن أشير لنقطة مهمة في الدراسات الاستراتيجية – هذه الجولة واضح للجميع أنها تختلف جذريا عن جولتي الاستعراض التبادلي (بخطوط حمر وأثر تدميري هامشي متفق عليه قبلها ولو بشكل مستتر Tacit) أبريل وأكتوبر 2024. ولكن هل يمكننا اعتبارها جولة من الإكراه Coercion، وليست حرب محدودة الأهداف؟

المصطلح هو إرث الأدبيات الاستراتيجية للحرب الباردة، وبالأخص كتابات توماس تشيللينج وأحاديثه عن الدبلوماسية العنيفة، وكيف أن التهديد أو استخدام محدود للقوة قد يُقصد به الردع Deterrence  (منع الخصم عن ممارسة سلوك ما)، أو الإرغام  Compelling(دفعه لممارسة سلوك ما)، وأن التوظيف المباشر للقوة في هذا السياق مقصود به حصرا تعديل منطقه التفاوضي بما لهذه القوة من قيمة تضاعفية داخل حسابات الخصم ذاك Coercion. بل حتى مع التوظيف الإكراهي للقوة الجوية – أظهره حمله كوسوفا – تم إعادة إحياء المصطلح، وربما دراسة PAPE  عن التتبع التاريخي والميثودلوجي لأثر القوة الجوية في تعديل السلوك السياسي للخصم Bombing To Win: Airpower and Coercion in War. وهناك من اعترض عليه بوضوح، أن ما يعتبره PAPE  إكراها متابعة لتشيللينج، هو في حقيقته الحرب بأهداف محدودة كما أشار لها كلاوزفيتس. أليست القوة العسكرية تقصد هنا لتعديل حسابات الخصم Calculation  (أن متابعته لهذا السلوك أو الامتناع عنه ستزيد عليه فاتورة خسارة وإيذاء) هو في صلب استراتيجية الحرب المحدودة؟

على أني أختار التمييز بين الأمرين، ليس فقط في حجم النشاط العسكري الذي قد يكون ضربات و (عرضا للقوة) في حالة الإكراه، ولكن يزداد اتساعا وجدية في حال الحرب المحدودة، ولكن لنقطتين جوهريتين: مفصلية الصراع والقطبية التي تتواجد في مفهوم الحرب Duel and Polarity، وكذلك – أن هناك أهدافا عسكرية عملياتية مطلوبة استراتيجية وتُستخدم فيها الأداة العسكرية لتحقيقها وليس فقط جهاز لإرسال الرسائل (مثلا هنا ضربات تعويقية للمشروع النووي والبالستي، وكذلك نزع الرأس العسكري والمعلوماتي – وهكذا). ومهم التنبيه – أنه يمكننا تجوزا أن نصف أنساقا داخل الحرب المحدودة بكونها إكراها (كنمط – وليس النمط)، كما أن الإكراه قد يقود تاليا لحرب محدودة.

وهذا ما يجعلني بوضوح أضع ما يحصل بين إسرائيل وإيران حاليا (وقبلها روسيا وأوكرانيا) في خانة الحرب بأهداف محدودة – دعنا من التسميات السياسية التي لا تزال تعتبر الحرب في أوكرانيا روسيًّا كعملية خاصة، أو حتى التدخل الأمريكي في حرب فيتنام قبلها بعقود.

وما يتخيله الإسرائيلي من التبادلية العسكرية تلك كمحطة وصول يمرّ عبر مسارات محددة:

أ. قبول الإيراني بإنهاء الحرب ضمن صيغة تسوية .. حديث ترامب عن الاستسلام غير المشروط يمكننا فهمه في رفع السقف التفاوضي والابتزاز بتضخيم حراجة الخسارة على الإيراني.

ب. استمرارهذا النمط التصعيدي لفترة وصولا للنقطة الأولى، اعتمادا على النحت التدريجي من قدرة الإيراني على الهجوم (تقدير الإسرائيلي أن الإيراني يمتلك حوالي 2000 صاروخ متوسط قادر على الوصول مع التمايز بينها في السرعة والدقة والحمولة التدميرية، وهذا قبل هذه الحرب وما أحدثته من استنزاف مبدئي وتالٍ، وتبقى القدرة الإيرانية في التصنيع لا تزيد عن خمسين صاروخا شهريا في الوضع الطبيعي وليس في الوضع الحالي)، واتساع الانكشاف الدفاعي لضربات إحباطية للنووي والبالستي، أو عقابية.

ج. الانجرار لحرب مفتوحة مع دخول الأمريكي، وهذا يحسم تصفية الملف النووي، ولكن وقتها يكون دور الإسرائيلي نوعيا. قد يبدو هذا في مصلحة الإسرائيلي ، ولكن لايجعله هو الناظم لمسار الحرب لاعتبارات عديدة منها الضغط الأمريكي ومنطق التوافق، وكذا غموض على المآلات. بمعنى – هذه الحرب المفتوحة قد تؤدي لتضاعفات ومتواليات يصعب تخيل حدودها فضلا عن التحكم فيها – غلق الخليج وما يحدثه من رجة اقتصادية دوليا (20% من النفط العالمي يمر عليه)، وتخريب للبيئة الأمنية والجيوسياسية-اقتصادية لدول الخليج وهذا له أبعاد خطيرة، وعمليات إرهاب دولي، وفي المقابل – تصاعد العمل الجوي والبحري، وحتى الأرضي الاستطلاعي أمريكيا وما قد يصنعه من تحالف خلفه على إيران وردات على الداخل الإيراني.

الموقف الاستراتيجي الإيراني:

من المهم إدراك أن المأزق الاستراتيجي الإيراني بدأ قبل هذه الحرب. مع غياب الاتصال الجغرافي، فليس في يد الإيراني من أدوات استراتيجية للعقاب والتحريك غير الأطراف التي حكينا عن قضم أكثرها حراجة وتأثيرا، والصواريخ بما لها من محدودية في العدد والقدرة، ومدى وجود الطبقات التكاملية في الدفاع ضدها عند إسرائيل (سواء كان نشاطا رادعا، ثم إجهاضيا، ثم دفاع إيجابي بطبقات تكاملية من آرو 2 و3 ، ومقلاع داود والقبة الحديدية – ويكملها الدور الأمريكي المباشر سواء فيما قدمه من منظومات ثاد – أو تسخير Aegis البحرية، وحتى دول المسار وإن كان دورها يظهر محدودا في هذه الحرب، ثم دفاع سلبي – بوسائل الأمان في البيئة الداخلية والصلابة المرنة Resilience  سياسيا وأدوات طواريء).

فإذا وضعنا هذا بجوار التدهور في السبك الاستراتيجي الذي نجح الإيراني ببراعة في استدامته لعقدين ، ثم العيب الخلقي وتفاقمه مما سمح بالانكشاف الداخلي كمنظومة معلوماتية عسكرية لم تخسر فيها إيران فقط قدرا كبيرا من صورة القوة وقوة الصورة، ولكن إحباط النشاط القتالي – بعض التقارير الغربية أشارت أن العمليات الإسرائيلي خفّضت الرد الإيراني في اليوم الأول من ألف صاروخ كما كان مقدّرا إلى الخمس تقريبا. يمكننا فهم المأزق الذي وجد الإيراني فيه باليوم التالي وقبل العودة للتفاوض بشرط وقف الحرب – مع أن هناك فاتورة لاستعادة الهيبة والردع كان لا بد من توفيتها.

الهدف الإيراني استراتيجيا – هو إنهاء الحرب بأقل قدر من الخسائر في البنية النووية والبالستية، سواء بصفقة مواتية، أو دون صفقة. أما استعادة ما فات فيبقى بعيدا – إذا نحينا البروباجندا جانبا.

المأزق الأساس أمام الإيراني، يقع في منطقتين:

الأولى) هو مباشر،  صعوبة المأزق الدفاعي في ظل تفوق جوي إسرائيلي .. هذا التفوق ليس بين يدينا معطيات جازمة تفيدنا في رسم ديناميته. ونعم – مسائل مثل العمليات الخاصة والمسيرات قد تبدو مادة إعلامية مثيرة، ولكن هناك ضعف بنيوي في قدرات الدفاع الجوي الإيراني – سواء باستخدام الطيران (التي يعود معظمها لعقود فائت)، أو مضادات الطيران ( مثلا كان عنده 4 بطاريات S-300 تم استهدافها في الجولات السابقة). كان اعتماد الإيراني على الدفاع هو في الردع العقابي وليس الإنكاري – أي قدرته على إيذاء الإسرائيلي باستخدام الأطراف والصواريخ البالستية، مع بعض التمترس الدفاعي السلبي (التحصينات البنائية).
ممكن أن نشير للعوار القائم في مستوى الاستراتيجية العظمى وعدم قدرته لتطوير التقارب مع الصيني والروسي للحصول على أرصفة مناسبة ولو دفاعية، خصوصا بعدما تغيّر السياق الاستراتيجي بعيد 7 أكتوبر كما أشرنا. وهذا درس قاس في التبادلية الشديدة بين مستويات الاستراتيجية العظمى والعسكرية والبنية الدفاعية وضرورة مراجعة الفرضيات المؤسسة لها وإعادة تعيير الصلات والمخروط الاستراتيجي بشكل دوري.

الثاني) أنه يجب عليه القبول بخيارات أحلاها مر، وأن هناك خيط رفيع يصعب جدا الحفاظ عليه – كيف يحدث تأثيرا عقابيا على الإسرائيلي يكفي لوقف الحرب وقد اتسعت صلابته الاستراتيجية والنفسية واقترب مما يراه تغييرا في خارطة الشرق الأوسط مع وضع إقليمي إن لم يكن متواطيء فهو خامل وكذلك المحدودية المستنزفة في قدرته الصاروخية، وفي ذات الوقت عدم الانجرار لحرب مفتوحة مع الأمريكي. هذه الحرب – يراها النظام بغض النظر عن سيناريوهاتها تهديدا مباشرا له، وهذه النقطة بالتحديد هي الأكثر تأثيرا على خارطة اتخاذه للقرار – وقد تجبره حتى في مرحلة فورانه الثوري للقبول (بتجرع السمّ) كما أنهى الخوميني الحرب مع العراق.
هذا يجعل عليه ردع ذاتي في ملفات جوهرية وتبقى أداة ردعية وإكراهية مناسبة، مثل غلق المضيق وهو قادر عليه تكتيكيا، أو الشروع في استهداف التواجد الأمريكي بالخليج، أو استهداف تجمعات مدنية بالداخل الإسرائيلي ولها نتائج عكسية دوليا وحتى إسرائيليا، وعمليات الخارج.
أيضا – السلوك الخليجي نفسه نعم إيجابي هذه المرة، سياسيا وإعلاميا، ولا يظهر كما ذكرت انخراطا من قريب أو بعيد في الحرب، ولكنه أزال عنه ورقة ضاغطة أخرى كان يهدد بها، ولها ثمنية عالية.

ولهذا – فالوقت ليس في صالح الإيراني، وهذا غالبا منطق ترامب في تأجيل قراره لأسبوعين – كأنه يعطي مهلة، وهذه المهلة حقيقة هي لاستنزاف أكثر في القدرة الإيرانية مما تُترجم طواعية أكثر في إنهاء الحرب بمنطق استسلامي.

مسألة الخروج من معاهدة الانتشار النووي تبقى بالأخير رمزية، ولها قيمة ولكن محدودة، ويمكن استخدامها للإضرار بموقف إيران القانوني دوليا، إلا إذا تم التمهيد لها دوليا وربطها بأي تدخل أمريكي.

الحقيقة – أن وقت الاستعادة وإحداث اختراق حقيقي في المشهد قد فات، وهذا لعمق الاختراقات الداخلية في إيران، ثم السلوك السلبي في متواليات حرب غزة ونزع أظافر الإقليم – لا أقصد بالسلوك السلبي عدم الاشتراك الفعلي والجاد، فإنه بشكل كبير كان مجبورا على هذا كما كان حزب الله بسبب خطايا استراتيجية وبنيوية سابقة، ولكن ممارسة ضغط حقيقي لتعديل سلوك حماس حواليْ وبعد 7 أكتوبر، وكذا مع النظام السوري.

وبالتأكيد لستُ في موقع شخصي أنحاز فيه مع إيران قلبا وقالبا، وليس هذا غرض المقال على أية حال، ولكن بالتأكيد كذلك – فعواقب انكسار الإيراني بهذا الشكل وتعملق الإسرائيلي وخيمة على بلادنا وأمتنا. نعم – قد يظهر لنا امتدادا لما حكيناه في مسار مابعد حرب غزة، أن أمام بلادنا والأجيال الحاضرة والمقبلة فيها مخضات ومراجعات، وفرص للاستنهاض والتجديد الجيلي، الذي ربما قد يكون لزاما فيه هدم بنى وخلق أخرى، ولكن انتهاء الحرب بدرجة تقلل بأي شكل من هيمنة الإسرائيلي والأمريكي من خلفه، والحفاظ على درجة من المنعة الإيرانية مع حصول مراجعة جذرية وبنيوية لسلوكها الداخلي والإقليمي هو عينُ المطلوب.

ولا أعتقد أن السياق العسكري المُتاح كثيرا – فوق ما يقتضي من استنفار عاجل لتقزيم دائرة اتخاذ القرار، وتبني مسارات بديلة للسيطرة والتواصل بما تتيحه حراجة المشهد، وتحسين الأداء الصاروخي كاستراتيجية عمليات من حيث التركيز والإغراق (دفقات بتوقيتات متباينة تبعا للسياق السياسي والتفاوضي، ولكن بمستوى إغراق وتنوع وتكامل مع الأدوات الأخرى) والاستهداف للمراكز الحيوية عسكرية واقتصادية – وتجنب المدنية بشكل حاسم.

الأهمّ في تقديري هو على دائرتين:

أولا) الدائرة الداخلية – هذا مسار مضن ويحتاج زمنا ووضعا مناسبا، ولكن حزم عاجلة في تطوير الخطاب القيادي، وتبني أجندة إصلاحية داخلية واستيعابية لكل المكونات، وبناء أطر مستعجلة للمشورة على مستوى الوطن، وتحريك الدعم الشعبي الذاتي والتهيئة لإدخاله في المعركة إذا اتسعت مع الأمريكي، وصيغها المختلفة، وتحسين البنية الدفاعية الداخلية عسكريا ومدنيا.

الثاني) الانفتاح بشكل أكبر ويحمل نفس المراجعة مع الدائرة العربية والدولية – واستغلال الموجة الدولية والأوروبية الناقمة على مسلك أمريكي لصالح نظام دولي أكثر تعددا وأقل بؤرية، والربط الحاسم بين الخروج كلية من اتفاقية الحد من الانتشار، وحزمة عقابية محددة – بما فيها تعويق جزئي للخليج يتصاعد بشكل تدريجي، ولكن دون أدنى تورط في الاستهداف المباشر لدول الخليج، بالتدخل الأمريكي المباشر في الحرب. وفي ذات الوقت – التجاوب بشكل كامل مع ما يطرحه الأوروبي كعريضة تفاوضية. حتى وإن كان التفاوض بالأخير مع الأمريكي، فإن هذا يضغط على ترامب أن تنسحب أوراق إدارة الأزمة من بين يده وازياد التكتل الدولي ضده.

خاتمة) المآل، والوضع العربي:

في تقديري، أن هناك سيناريوهات على هذا الترتيب من الرجحان – كاحتمالية Probability  – سيتحرك لها مشهد الحرب الحالي:

  1. تنازل إيراني تحت الضغط، ولكن بشروط أكثر تحسينية، ومع حزمة من دعوى الإنجاز (التوازن العقابي) يمكن استخدامها ولو داخليا وإقليميا (وهذا مايحصل بدرجة ما بالفعل)
  2. تدحرج  الحرب وتدخل الأمريكي، ولكن يقود لذات المعادلة السابقة (اختبار مديات القوة وخسائر مع نزوع لصيغة تفاوض)،
  3. تنازل إيراني مبكر، وهذا بطبيعة الحال فات أوانه.
  4. حرب طويلة الأمد تشتمل على (تدخلات لإسقاط النظام، واتساع عمق التدمير بالخليج، وتصاعد عمليات إرهابية بالخارج، وصولا لتدخل بري وتحالف عسكري غربي)


والحقيقة يصعب تصوّر أي اقتراحات بمسارات سياسية واستراتيجية لواقع عربي استنفذت فيه حظوظ الإرداة وكثير من أدوات القدرة (وليس كلها)،

هناك مستهدفات إيجابية يمكن تحويرها مثل فتح الملف النووي الإسرائيلي ووضعه ليس فقط في مقابل الإيراني، ولكن الملف النووي للدول العربية بشقيها السلمي والعسكري.
تحريك الخارطة الأمنية وبالأخص للخليج لصالح تقارب عربي إيراني، عبر تجاوز إسرائيل، وهذا سينعكس تاليا على الملفات الأخرى وأهمها غزة ومستقبها، وتقليل الاعتمادية الأمريكية.

ولكن بشكل أكثر تواضعا، تحركات مثل تثبيت امتناع الخليج أن يتورط، وعدم استدامة للصراع الثنائي بشكل يعملق قوة إسرائيل ولهذا يمكن بناء قوة ضغط دولي لا ترتكز فقط على كتلة الصين وروسيا ولكن دول أفريقية ولاتينية وبعض الأوروبية كفرنسا وألمانيا – يمكن حينها القيام بدور ضاغط ووساطي .. وهذا سيأخذ من موضعية الأمريكي خصوصا بعد اتضاح تواطئه مع الإسرائيلي في تهيئة المفاجأة الاستراتيجية للعدوان، خارج حتى نطاق الدعم العسكري والمعلوماتي المعتاد.
وموقف الخليجي الرافض للعدوان، وما ظهر هذا في تطور إيجابي كبير (حتى ولو ليس كاملا) في سلوك أدواته الإعلامية هو شيء إيجابي للغاية للتعامل مع ملف هذه الحرب وما بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى