دورة خاصة في الاستراتيجية – مع تقديم وأوراق هامة، وحديث ذاتي

هذه الدورة تم عقدها في الفترة ما بين 2021 – مايو 2023، وكان مقصود بها شريحة من الفاعلين في الحالة الفلسطينية، بتقديم تأسيس معرفي في مساحة الاستراتيجية كنظرية وتاريخ وممارسة، مع تركيز على السياق غير النظامي وحرب المقاومة، وكذا الحروب العربية الإسرائيلية.
ولخصوصة الدورة، فد تم تحريرها بحذف الأصوات المشاركة، مع الحفاظ على خط السرد في المحاضرات ما أمكن، وإن كانت هناك مناقشات مهمة قد تم حذفها.
وبالرغم أن الدورة قدمتها في وضع كنت أعيش فيه محنة شخصية وأسرية، وتنقلت بين أماكن لها كثير من التحسس لاعتبارات عديدة، ولم أكن غالبا أُحَضّر ، ولا المشاركون، مما أثّر كثيرا كما أرى في جودة هذه الدورة وتقاصرها الشديد عما كنت أطمح، ولكني الحقيقة ارتأيت أهمية نشرها، ولو بهذه الصيغة غير المثالية، لأسباب
أولا) لأن الحديث مبسط ومركز، والمحاضرات كنت أنا فقط من يؤديها، وبهذا تختلف عن كورس الماجستير المنشور أون لاين، لأن الأخير كان فيه شق معتبر من تحضيرات الطلاب ويتباين مستوى الجودة فيه. و كذلك كان فيه توسع في النقاط الأكاديمية، ولكن هذه الدورة أكثر اقترابا من الواقع، وكذلك – كان الإلحاح الأكبر هنا حول المفهوم والمنطق الاستراتيجي البحتة، ماكان يسميه كلاوفيتس Pure strategy وليس بالضرورة التوسع في مستوى العمليات والوصلات العسكرية والتفصيلات التاريخية مع أهميتها، لأن تقييمي أن هذا المعنى المركزي والروح المصاحبة هو الأكثر افتقادا وإشكالا في الحالة الفلسطينية، وليس جودة التكتيك والعمليات – مع أن شقا معتبرا في تقييم هذه الجودة معتمد على مدى حساسيتها للمنظور والمتطلب الاستراتيجي؛ هذا تناولناه.
ثانيا) مع الوضع المأساوي الذي وصلت له حركات المقاومة العربية الآن، فتبقى ضرورة التصحيح والمراجعة وإعادة البناء واجب لا مفر منه لأمتنا وشعوبنا ! سواء بالتصحيح والتعديل الجذري لما هو قائم، أو إنشاء عناوين جديدة.
بالتأكيد هناك إشكلات عميقة في الفكر والفقه السياسي، وكتلة المثال الأخلاقي والحضاري، وما هو انعكاس طبيعي للإشكالات التي ترتع فيها بلادنا شعوبا وحكومات في هذه المرحلة التاريخية من الاستلاب السيادي والتراجع الحضاري.. ولكن تقديري – أن هناك قيمة ضافية للمسألة الاستراتيجية. بل ربما نقول، أن درجة من الجودة في الوعي الاستراتيجي وفهم منطقه وحدود استخدام القوة ومآلاتها كانت لتخفف كثيرا من آثار الإشكالات العميقة في الفكر والضمير؛ لأنها على الأقل ستجنب بلادنا حدود الكارثة والخلل الفادح في الحساب.
الخلل في الاستراتيجية لا يمكن للأسف الشديد إدراكه إلا على رماد الامبراطوريات ashes of empires كما يقول أحد الأقدمين.
هل معنى ذلك أن الاستراتيجية هي القيمة الكبرى لكل شيء؟ قطعا لا. هل هي ضامنة بجودتها على الانتصار وبفسادها على الهزيمة؟ لا. هناك مسارات كلية في بناء وانهيار الأمم أوسع اعتمادا على حركة التاريخ وكتلة القيم، والقدر الرباني دوما حاضرا (حتى النظرة المادية لكلاوزفيتس ترى أن أغلب مسار الحرب قائم على ما يسميه الغموض والصدفة والاضطرب)، ولكن الاستراتيجية هي أوضح الطرق (العملية) للانتصار، وقد تصحح الاستراتيجية أخطاء العمليات والتكتيك ولكن لا يمكن لبراعة العمليات والتكتيكي أن تصحح عوار السياسة والاستراتيجية (في المقولة المشهورة لأستاذي كولن جراي التي أكرر استدعائها)، وهي واجب تكليفي في حق القادة والمشتغلين بها يؤاخذون عليه أمام ربهم وشعوبهم – وليس ترفا أو تفضلا، وتبقى النتائج بعد ذلك عالة على جملة معقدة من الأسباب والتفاعلات وخطايا الخصوم – الاستراتيجية هي reactive أي تفاعلية بالأساس – وحرب غزة بالأخص كاشفة بجلاء عن هذا،، وفي الأول والأخير يبقى منظورنا الإيماني عن إرادة الخالق سبحانه، فنحن ستار القدرة ونأخذ الأخرة – وهذا الضبط المعرفي والإيماني والذاتي، وتحرير مواطن التكليف في حركة المؤمن مع عالمه شيء ليس بسيطا في استيعابه فضلا عن مكابدته والتحقق به.
وهذه الدورة مع عدم رضائي بشكل كبير عن مستواها كما أسلفت، تمثل جرعة مكثفة ومركزة، في هذا الشأن لأي طرف عربي شعبي أو نظامي أو مؤسسي يرغب في تصحيح ما هو قائم أو ابتعاث شيئا جديدا. نعم – الاستراتيجية كعلم وفن ومزاج وقابلية قيادية تحتاج لأشواط زمنية وتركيب في مسارات البناء الذاتي والتفاعل مع المنظومات أوسع كثيرا مما قد تقدمه دورة! ولكنها على الأقل تقدم أجراسا للإنذار وفتح مسارات للتأهيل الذاتي والمؤسسي و بلورة لطبيعة الأسئلة التي لابد أن يتم طرحها بإلحاح مع إشارات لكيفية البحث عن الإجابة.
ثالثا) وبشكل اكثر خصوصية. هذه الدورة كانت لشهور قليلة سبقت السابع من أكتوبر وحرب غزة. ومن الممكن استيعاب حجم مراراتي الشخصية لرؤية كيف أن هذه الدورة بمعانيها المركزية لو تم تعميمها والاستفادة منها، لكنا في وضع مختلف. فالأسئلة الاستراتيجية البديهة سواء وضوح الهدف السياسي، ومناقشة الحساب الاستراتيجي (الوسائل – والخيارات والمآلات)، وفهم المنطق الاستراتيجي للحرب غير النظامية تحديدا وإدراك الثمن المرتفع لمعاكسته، وتدقيق الخيارات الاستراتيجية ذاتها وما يصاحبها من تصميم عملياتي وتكتيك، وقيمة القابلية الاستراتيجية للمنظومات ووسائل قياسها وبنائها، وحيوية النقد وتحمله لصحة تلك المؤسسات ومراجعة الفرضيات الاستراتيجية.. أقول كل هذه النقاط كانت غائبة بشكل فادح في المسار الذي عاشته بلادنا العامين الفائتين وقاد لخسارات هائلة على مستوى الشعب والقضية والقدرة، بما في ذلك إهدار فرصا هائلة صنعها العدو بخرقه الاستراتيجية واهتراء بيئته السياسية مخالفا بذلك نصائح الأمريكي وحتى الخط التقليدي لمجتمعه الأمني والاستراتيجي.
ربما طرحي الناقد استراتيجيا (على استحياء أول الأمر ولكن بوضوح واستفاضة) لمسار 7 أكتوبر أثار نقمة واستغراب الكثيرين – قل عددهم بالطبع مع توالي الشهور وظهور النتائج جلية، ونعم – كما أوضحت في مواطن عدة، فالنقد هذا هو في مساحة القابلية والخيارات الاستراتيجية وبعض الإشكال الخاص بأخلاقيات الحرب، ولكنه قطعا من خانة الصديق والمشارك ! وليس الخصم، ولا يقلل من الاحتفاء والتقدير لآلاف الشباب الذي قدم أرواحه بصفاء وثبات لايرجو غير وجه الله ونصرة وطنه وأمته، ولا تقليلا من المسئولية الكاملة للعدو على جرائمه ومجازره في حق شعوبنا، ولكن المسئوليات الثانوية موقعها في بلادنا للأسف حركات ونظم!.
ولكن نشر هذه الدورة، والاستماع لبعض حلقاتها (مثلا حلقة جسر الاستراتيجية، والحرب غير النظامية، وحلقة حزب الله وحماس) ونقاشاتها، سيعطي تبيانا أكثر لموقفي ودوافعه، الذي ارتأي فيه البعض حدة في النقد في تناولي العلني تاليا لحرب غزة ومسارها بما قد يظهر مناقضا لخصوصية المعركة القائمة – دون الانتباه أن مسار التصحيح والإنقاذ كان يضيق مع الوقت. خصوصا – وأن مادة هذه الدورة كانت متاحة لمن هو أحوج للاستفادة منها ولكن تم دفنها تبعا لذلك الخلل البنيوي في بلادنا – التهيب من إتاحة النقاش الحر والنقد المؤسسي، مع أن الدورة كما يظهر ليس فيها من الثاني، ولكن بها الكثير من الأول.
—————————————
أخيرا، ربما أحتاج الفترة المقبلة لبعض التفرغ للمجال الطبي، فهو واجب رسالي واجتماعي بالأساس – في ظل العجز عن تأدية واجبات أخرى في مجال الاستراتيجية – فضلا عن كونه مصدر إعاشة لي وأسرتي، وكذلك – العودة لكثير من المهام المعطلة لخطط للكتابة العلمية في الاستراتيجية والفقه السياسي بالعربية والانجليزية، وهو واجب ثقيل، والتزام للأسف أخرته دوامات من المحن الخاصة والعامة السنين الفائتة.
أكيد أجد في نفسي قصورا شديدا، وصلت به الآن لشعور بالعجز، ولكني الحقيقة حاولت تقديم ما أستطيعه في حدود ما آتاني الله من سبل للتعلم والتطوير الأكاديمي في مجال حساس بالغرب ولسنين طويلة، والوقت والخبرة ضمانة الاحتراف والأهلية وليست قاطعة بالصواب في الاستراتيجية كما في الطب أو أي مجال – مما لا يفهمه المنبتّ. ولم أبخل بوقت أو جهد في مناصحة الكثير من الجهات نظما وحركات، مهما يكن عندي تحفظات تتسع أو تضيق قيمية أو سياسية أو احترافية.
وربما يظهر لي الآن صحة خياري القديم والذي حافظت عليه كل هذه السنين – أني لاينبغي أن أنخرط بشكل مباشر مع أي جهة سياسية نظما أو غير نظم – وأحمد الله على هذا، مع جعل النصح والتعليم والإرشاد – بما عندي من بضاعة متواضعة – مبذولا للكل مع محاولةإعمال الحساسية الأخلاقية لمآلات ما أقول. ومن أهم أسباب ذلك – أن معظم محاولات الاستفادة و(التوظيف) من طرف الأنظمة والحركات في بلادنا ليست في صلبها نزعة صادقة وجادة للاستفادة الحقيقية وأخذ الدرس وتصحيح المسار، ولكن التوظيف الدعائي أو حتى إراحة للضمير المتعب.
ونعم عندي منظوري القيمي والأخلاقي الذي له حساسية شديدة – سواء أصبت في مواضع أو أخطأت، ولكني كذلك لستُ أخرقا أو أبغي إثبات مواقف في مواقف تتطلب النصح الجاد وأمانة الكلمة والاحتراف، لأن التصدي الاحترافي هو بالأساس مسئولية اجتماعية فضلا عن كونها أمام الخالق كواجب عيني – وليس كفائيا – بحكم التصدي.
فقد كنت أخاطب الجهات بغرض نصحها صادقا وأقدّم لها بدائلا متاحة، وبلغة شديدة الموضوعية، وعندي الحقيقة أمثلة عديدة على هذا، ولكن سأعرض هنا ثلاث ورقات – وصلت لجهات شديدة الاختلاف. لا أدري حقيقة لأي مستوى وصلت في جميعها، وأي درجة من الجدية تم بذلها في الاطلاع عليها (وإن كان عدم مراجعتي في أي منها تاليا دالا على غياب تلك الجدية).
وهناك معضلة استوعبتها منذ صغري، نعم -ما دمت اخترت ألا أكون في بؤرة التنفيذ وفي هذا تحرير لنفسي من كثير من التبعات والصعوبات، فلا ينبغي أن أفرض طرحي – ولو كنت مستشارا – وإلا أحكم بالتخطئة على المقابل، ولكن في ذات الوقت فينبغي أن أفرض وأتوقع أن يتم أخذ طرحي بعين جادة واشتباك حقيقي. ولأن هذا الشرط لم يكن مضمونا أمامي مع أي جهة، كان خياري سالف الذكر، بالنصح من خارج أي جهة وليس بالتواجد داخلها..
وتضمين هذه الورقات الآن، يدندن حول ذات المعنى من قيمة الاستراتيجية وغيابها، وأن الانكسار والتراجع والتحرش البيني والاستباحة أمام العدو، وتصفية القضايا وهدر القدرات ومحن الشعوب ليست قدرا لازما!! وبالتأكيد كما ذكرت، ليس حل المسارات المعقدة بميراثها الثقيل يمكن حله في ورقة أو مبادرة! ، ولكن قد تبدو بعض الأفكار والالتفاتات شديدة الخطورة وهي بنت النظر الاستراتيجي السليم والبسيط في مادته، كما تحاول هذه الدورة تقديمه!
الأولى نشرتها من قبل، ووصلت لقيادة المقاومة الفلسطينية
الثانية – كانت في أول أسابيع حرب غزة ووصلت لجهات مصرية – كذلك – لا أدري حقيقة لأي مستوى وصلت. ولكن كما يظهر،كان الحديث بشكل احترافي، واللغة خالية من أي قيمة ومناسبة للسياق والجهة ما أمكن وهذا بطبيعة الحال ما أتقنته حيث أني درست الماجستير والدكتوراة في الاستراتيجية بالغرب وحضرت في فعاليات استراتيجية ودفاعية أكاديمية وتطبيقية فيه لسنين طويلة، ولكن لا تخطيء العين الروح الصادقة في النصح للدولة لاعتبارات عملية بحتة لمصلحة بلادنا فضلا عن الواجب الديني .
ولم يكن طرحي الحقيقة راديكاليا أو يتطلب تغييرا جذريا في بوصلة السياسة المصرية وبنائها الداخلي والخارجي، ولكن في حدود المتاح. وهكذا ندرك أن كثيرا من مظاهر القصور ليس في سوء نية الأطراف ولكن في ضعف قابليتها الاستراتيجية وترهلها المؤسسي وضعف خيالها السياسي، وأنا أقصد جل التركيبات في بلادنا ولا أقصد دولة أو حركة. أما من يريد أن يشيطن أي طرف تبعا لقصور مواقفه، ويريد أن يركب موجة انتهازية سياسية في معرض أزمات عميقة تطال أوطاننا وشعوبنا، فهو خلي عن العدالة والضبط والتحقيق الذي يقتضي تنسيبا دقيقا للمحركات والمسارات ومآلاتها.
الثالثة – تعود لعام 2021، ووصلت كذلك لقيادة حزب الله، وكنت وعدت من قبل نشرها. وبعض الأصدقاء الذين اطلعوا عليها وقتها كادوا أن يجنوا.. تنصح حزب الله بهذا (منه مثلا إعادة ضبط علاقته مع الإيراني، والخليجي) بكل ما في هذا الارتباط من ميراث أيديولوجي وطائفي ثقيل؟! نعم – لم أكن أطرح انفصاما، بغض النظر عن موقفي المذهبي أو الأخلاقي من أي طرف، ولكن شيئا ممكنا وتفرضه الاستراتيجية. وللأسف – تقريبا كل ما ذُكر في تلك الورقة حصل تاليا، ولم تلاقي الورقة أفضل من التلطف في الاستلام مع بعض الامتعاض من النقد، وإهمال دفنها تاليا.
الحقيقة – ما هو متاح لبلادنا وشعوبنا الفترة المقبلة، وما أفرزه مسار حرب غزة من تغييرات دراماتيكية على مستوى المشاريع والبنية الجيوسياسية والاستراتيجية لمنطقتنا، وما قد تحمل بعض نتائج الهدم من بذور صالحة للبناء، وارتباط الإشكال الكبير في انهيار السيادة وتحطم المسارات من خلل معرفي وقيمي وحضاري في بنية الحركات والأنظمة وقبلها الشعوب، خصوصا مع غياب تيارات ونخب سياسية حقيقية وبدائل راشدة في كل بلادنا تقريبا، كل هذا ينبئنا أن ميراث التصحيح والتجديد ثقيل، وأنه ليس ثم حلا سحريا أو إجابة سهلة نجدها في الاستراتيجية مثلا، ولكن ما يمكنني تقديمه هنا هو تلك الجرعة المكثفة السهلة كما ذكرت في ملف محوري، قد يفتح الآفاق لما بعده.
والآن – أترككم مع حلقات الدورة


