دراسة – الدور المصري في حروب غزة وإيران

—
—
–
جدليات الإرادة السياسية، أم القابلية والتخييل الاستراتيجي؟
الدور المصري في حروب غزة وإيران نموذجا
د. محمد بريك[1]
بطبيعة الحال، يبقى تناول الدور المصري في مساحة الأمن القومي وحركة الإقليم، وبالأخص حرب غزة وحاليا حرب إيران وأمن الخليج وقودا للتناحر والاصطفاف السياسي الحاد مع أو ضد. فإما أن يكون الموقف السياسي من النظام المصري داخليا، أو العنصرية الوطنية في الإطار الأوسع هي التي تحدد التقييم الإيجابي والسلبي، أو يكون هذا الموقف مبنيا على نسق أكثر موضوعية – وإن يبقى ذاتيا – بالقياس على ما يرغب أي طرف أن تتحرك مصر كنظام ودولة إليه. أي نقيم موقف مصر مقارنة بما يطمح له الناظر سواء في دعم هذا الطرف أو ذاك وحدود المشاركة في أي ملف.
وفي الحالتين – مع الفارق بينهما – هناك تغافل عن جدلية أساسية في العلاقة بين الرؤية والقدرة، وكذلك التغافل عن التمييز بين الملفات العميقة في بنية الدولة ورؤيتها لدورها بالإقليم – وهذا سؤال أيديولوجي وسياسي بامتياز – وبين ما يمكن أن تتحرك إليه قدراتها في سياق محدد ولحظة راهنة.
الحقيقة – لن ألتفت إلى مسألة التحزب مع النظام أو معارضته، وبالتأكيد سأتجاهل مسألة النزعة العنصرية والتحيز الأعمى لمصر أو الخليج أو ما يُعرف بمحور المقاومة (وَما أَنا إِلّا مِن غَزِيَّةَ إِن غَوَت … غَوَيْتُ وَإِن تَرشُدْ غَزِيَّةُُ أَرشُدِ) !.
ولكني سأُحاول أولا – من منظور نظري وتاريخي – تحرير الجدلية الخاصة بالرؤية والإرادة، أم القابلية والقدرة؛ أي هل يكون العائق أمام تغير مسار بلادنا هي أن النظام العربي هذا أو ذاك لايريد أم أنه لا يقدر !؟ ثم سأعرّج على توضيح مخروط صنع السياسة والاستراتيجية لنميّز فيه بين ما هو خيار سياسي وأيديولوجي وما هو منظور فني بحت، قبل أن أطرح ما أراه كتحليل وتوصيف استراتيجي لما كان يمكن أو لايزال ممكنا أن تقوم به مصر في هذا الظرف الإقليمي الحرج بعد استيعاب ما يقدمه من فرص وتهديدات لهذا الدور وخلخلة لفرضيات استقر عليها الوضع الإقليمي لعقود.
ويهمني هنا تعريف قاعدة أساسية ستتحرك معنا في هذه الدراسة – القابلية الاستراتيجية Strategic Ability لأي نظام هي قدرته على فهم ومأسسة وتطبيق الاستراتيجية (أي كيفية إدراة مصادر القوة العسكرية وغير العسكرية وصولا للنهايات السياسية). أما القدرة القتالية Military/fighting power– فهي قدرة جيشه على تحقيق الانتصار العسكري. النجاح في الحروب يعتمد على الأولى وليس الثانية، وإلا ما انتصرت أي قوة أضعف عسكريا. ولكن القابلية الاستراتيجية تقتضي تطوير وتحويرا للقدرة القتالية ضمن أمور أخرى – أي أن الجيش يمكنه تحديد المتطلب العسكري للنجاح الاستراتيجي وليس هدف مجرد ككسح عملياتي أو هزيمة وتدمير للعدو – قد يكون هذا الهدف صمودا دفاعيا، أو إشغالا، أو عمليات لها قيمة سياسية ضافية – وهكذا).
وهذه الدراسة الحقيقة تأخرت عن موعد إتمامها بعد الشروع فيها لشهرين لظروف خاصة وإصابة شخصية، ولكن كثير من مفرداتها تبقى صالحة لأنها منشغلة بمسائل منهجية وبنائية أكثر منها من ملاحقة الأحداث التفصيلية والتعامل معها. ولابد من التأكيد أنها دراسة في النظرية الاستراتيجية التطبيقية – مقصود بها الشرح والتفهيم، وليس بالأساس ورقة سياسات Policy paper، وإن كان الكثير من مفرداتها يصلح في هذا الإطار.
أولا) جدلية قصور الرؤية والإرادة، أم محدودية القابلية والقدرة؟
مظاهر اضطراب الرؤية وضعف الإرادة السياسية في بلادنا – سواء في عدم التحريك الكافي للموارد لغايات الحرب والسلم، أو ضعف الصلابة النفسية أمام الخطر وتكشّف ضغوطات الحرب واستبطان التبعية، أو في ضعف صدقية التحالف والقدرة على استدامته بين الدول العربية- هي حاضرة في معظم المحطات (سواء في حروب 48، مرورا ب 67 و 73، والموقف من الهيمنة الأمريكية على المنطقة والعدو الإسرائيلي والتوغل الإيراني، وحتى في الملفات الحرجة التي تشغل بالنا كعرب أو دول – أزمات المياه والسيادة). وبالتأكيد أن الحل الأهمّ لأزمة الإرادة والدور تلك هو في تغيير بنية وتوجهات الأنظمة السياسية، وهذا غالبا يحصل بتغير أيديولوجي لطبقة الأوليجاركي الحاكمة، أو حصول تحول ديمقراطي حقيقي وليس هذا فحسب بل أن يتطور الانحياز الشعبي العربي لأهداف وإرادات السيادة والوحدة العربية وتقوية منعتها الفكرية والاجتماعية في هذا المسار. لأنه بدون تطور الانحياز الشعبي هذا حتى التحول الديمقراطي لن يقود لتحول حقيقي في الرؤية ونزعة السيادة.
وهذا تصور مقبول أن مشكلة ضعف السيادة لأوطاننا وغياب حركتها الذاتية والمهيمنة بالإقليم والوقوف أمام تحكم الدول الخارجية والطرفية، هو مشكل إرادة ورؤية للدور vision of role في بنية الأنظمة ذاتها. فنظام السادات مثلا كانت له رؤية شديدة المغايرة لعبد الناصر وهذا ما قاده لهذا التحول الهائل في دور مصر الإقليمي؛ بعد كان قائدة لمشروع وحدة عربية وتحرر بكل ما في ذلك من مظاهر صحة أو قصور، أن تنحاز لمنطقة التبعية للأمريكي استعادة للأرض (المصرية). ونقيس على ذلك مجمل المواقف والمسارات التي تحركت فيها بلادنا في الأزمات المفصلية بالإقليم.
ولكن في ذات الوقت هناك نقطتان تكبحان هذه المُقاربة :
- أن الكثير مما يظهر كضعف إرادة أو تخلي عن رؤية قومية وللحركة بالإقليم هو نتاج ضعف القراءة والقابلية الاستراتيجيتين أكثر منه في الصدقية والمَنَعة النفسية للأنظمة. بمعنى – أن الأنظمة تخصي رؤيتها ذاتيا بسبب تصور استراتيجي مغلوط حول حدود قدرتها وماتحتمله من موارد وطبيعة الصراع!
مثلا – الجيوش العربية افتتحت حرب 48 بتشكيلات هزيلة (المصري والعراقي خمسة آلاف، والأردني والسوري أربعة) وهذا كان له أثر شديد السلبية في خسارة النافذة الزمنية للحسم الاستراتيجي قبل تضخم الجيش الإسرائيلي كما ونوعا وتقدمه الجيوعملياتي مابعد الهدنة الأولى.. وهذا كان نتاج قراءة شديدة القصور والسذاجة استراتيجيا لفهم طبيعة وقدرة العدو وما يقتضيه من خيارات استراتيجية وتحريك موارد (كما كان يحكي الملك فاروق أن الأمر أشبه بتظاهرة عسكرية وستهرب أمامها العصابات الصهيونية).
نعم شاهدنا مع استمرار الحرب كيف تضاعفت نفس الجيوش (لعشرين ألف لكل من الجيش المصري والعراقي، واثنى عشر ألفا للأردني)، ومعالم من الثبات الشديد ليس فقط عسكريا كما في حصار الفلوجة المشرف الذي واجه فيه لواء مصري واحد (عبد الناصر كان نائب قائد اللواء) حصار ستة ألوية إسرائيلية لعدة أشهر، بل حتى سياسيا في رفض مبادرات التفاوض وإن كان كذلك تبعا لقراءة استراتيجية منقوصة.
ولكن كان قد فات الوقت، فالمأزق لم يكن خللا أصيلا في رؤية الدور الإقليمي ولكن القراءة الاستراتيجية.
نعم – يبقى إشكال الرؤية ونزاهة التحالف ودور الملك عبد الله هو الأخطر في اقتضاء الهزيمة حيث لم يتحرك الجيشان الأردني والعراقي الذي يهيمن عليهما بعد سقوط اللد والرملة بشكل ملموس وتم الاستفراد بالجيش المصري لبقية الحرب، ولكن حتى عبد الله كان ينطلق من فرضية استراتيجية شديدة القصور في كل محطات تعامله مع الملف الصهيوني وحرب فلسطين أنه يمكنه إخضاع الدولة الصهيونية ضمن إطار سوريا كبرى يحكمها.
كذلك في حرب 67 – قد حصل العكس! تجاوزت الرؤية والإرادة كثيرا أبعاد القدرة وزاد الأمر سوءا ضعف القراءة الاستراتيجية واضطراب المنظومة السياسية والعسكرية، وحرب 73 ذات الأمر بشكل مختلف (توسيع السادات لنطاق الاستراتيجية العظمى للحرب – حرب متعددة الجبهات، بما يقتضي مطالب عسكرية في تطوير الهجوم تتناقض مع القدرة المصرية بل فرضيتها الاستراتيجية العسكرية في تحجيم تفوق العسكري في الجو والمدرعات عبر حرب محدودة بأنساق دفاع جوي وتمترس دفاعي ضد المدرعات).
في المقابل – قد يدفعنا النظر الاستراتيجي لأنماط في البناء والتحريك العسكري والسياسي تقلل كثيرا من مناطق القوة عند الخصم وتجبره لمسار تزيد فيه قدرتنا على الفعل والتأثير، وهذا حصل تاريخيا وليس فقط مانراه في حرب إيران الحالية. فالإيجابية في استراتيجية حرب 73 أنها تجنبت مصادمة السيادة الإسرائيلية في الجو والمدرعات وأجبرته على مسار تنكسر فيه هذه السيادة ويكون له أثر مزلزل على نظريته الأمنية والاستراتيجية، ولكن خطؤها مثلا أنها اختارت حرب الجبهتين كما أسلفت التي تتطلب بقاء الجبهة الجنوبية نشطة مما يُفسد المنطق السابق، إلا أن يحصل تحول نوعي في البنية الدفاعية والخيار الاستراتيجي العسكري.
حتى سلما، كمثل الخطأ في تدشين مشروع صواريخ الكوندور العراقي- المصري – الأرجنتيني قبل التخفيف من مساحة تبعية المصري للأمريكي وتطوير قدر من الستار التحالفي الإقليمي للتحرك خلفه حتى لايتم إجهاضه، وهذا ما لم تحتاج له إيران الموجودة بالفعل تحت الحصار واندفاعها لتكريس الاكتفاء الذاتي علميا وتصنيعيا مع تطوير شبكة التحالف مع روسيا وكوريا الشمالية والصين. أوضرورة تبني استراتيجية اقتراب خشن تمزج بين تطوير الإطار الدفاعي والتفاوض مع صيغة ردعية أو عقابية منضبطة وتكريس خطوط حمر في أزمات كسد النهضة أو مع إيران والحوثي.
وتكرّس منطق التبعية للأمريكي أو الاستكانة أمام الإسرائيلي عند دول الطوق كان ولا يزال مبنيا على قراءة شبه موضوعية للتوازن العسكري (الحَرْفي) مما يدفع للإحجام عن التصعيد. لكن المشكلة هنا أن ضعف النظر الاستراتيجي ومخياله يحجبان إمكانية البحث عن بدائل استراتيجية تتجاوز هذا التوازن المعوج عبر مسارات تدمج بين التدرج والقفز بنمط مُناور يتحايل على مواطن القوة عند الخصم عبر دفعه لمسار صراع غير متناسق معها وبناء أدوات في التأثير ومقايضته بها، ولم ينتبه العرب للمحدودية الشديدة للقدرة العسكرية الأمريكية وحتى الإسرائيلية استراتيجيا في مجمل الحروب في العقدين ونصف الفائتين، بما فيها حربها الحالية مع إيران.
2- كثيرا في الحال العربي مايكون ضعف الإرادة والممانعة السياسية هو نتاج سلسلة طويلة من الهزائم الاستراتيجية ذاتها، وليس نبتا أيديولوجيا وبنيويا مستقلا. وهذا هو الإنهاك الاستراتيجي– Strategic Exhaustion كما أسماه قائد المخابرات الحربية الإسرائيلية أمان في الستينات (أشيفات هركابي في كتابه Arabs’ Strategies and Israeli Response ) وأشار له ضمنا بن جوريون قديما. وكذاك ما أشار له آفي كوبر ( في دراسته Coalition Defection) أن فشل التحالفات السابقة في السلم والحرب هو من أهم أسباب فقدان الإرادة السياسية للدول العربية أن تستمر في التحالف أو توفي شروطه بصدق ومايتطلبه ذلك من بذل الموارد البشرية والعسكرية لإنقاذ الطرف الآخر مثلا، لأنها لا تثق بالأساس في صدقية رفيق التحالف وبقائه؛ فيطلب السوري في حرب 73 من السوفيت التقدم بقرار لوقف إطلاق نار بعد يومين من الحرب، ويحكي السادات لكيسنجر أول الحرب عن عدم نيته لتطوير الهجوم، ثم سلوكه التفاوضي الثنائي بعد اضطراره لتطوير الهجوم بما يناقض الفرضيات والقدرة العسكرية. بوضوح – الفشل الوظيفي وعدم الوفاء بعقود التحالف قادا لإشكال بنيوي وهو تكرس نموذج فقدان الثقة بالذات وإمكان تحقيق النصر والثقة بالأطراف العربية الأخرى.
ولهذا – فخلخلة هذا النموذج الانهزامي وبناء آخر رشيد وبشكل موضوعي، أهم كثيرا من حسم ملف ما، ولكن لابد من وجود رؤية كلية ومسبقة في السعي الجاد لتعزيز أي إنجازات والبناء عليها بدأب، والمثالية في الوفاء التحالفي – إذ أنه يتعدى للمصلحة المباشرة في القضية إلى تغيير الذهنية السائدة – والحسم الشديد ضد أي مخالفة بسيطة لشروط التحالف. وغرض كل ماسبق هو تأسيس عقد ونموذج معرفي ونفسي ووظيفي مستجد أكثر منه التقدم نوعيا في أزمة محدودة. وهذا بالضبط كان حجم الخسارة في مرحلة مابعد حرب 73 ، أو تجربة حزب لله في 2006 ، أو حماس في محطات حروب 2009 ومابعدها خصوصا ما المرحلة التي تلت سيف القدس.
—–
ثانيا) مخروط رؤية الدور والسياسة، ثم الاستراتيجية العظمى والدفاعية/ عسكرية:
وهناك مخروط في فهم حركة الدول يقود غياب الإلمام به لاضطراب في مستوى التحليل؛ فالتصور الخاص بدورها ووضعها الجيوسياسي (ما يتيحه ويفرضه موقعها من أهداف سياسية للحركة والتأثير) هو عالة بشكل كبير على الإطار الأيديولوجي والخيار السياسي لنخبة الحكم. فالتصور الانعزالي لمصر الذي ساد ما قبل ثورة يوليو 1952، في مقابل التصور العروبي الوحدوي الذي ليس فقط مثلته تجربة عبدالناصر بل تأسس فكريا في كتابات ووعي الكثيرين (كما نص جمال حمدان مثلا في كتابه (شخصية مصر) أنه لايمكننا فهم المصرية إلا من خلال نافذة العروبة وقيادة مصر لأمتها، وأن هذا ليس ترفا أو رغبة في التمدد بل ضرورات ثقل الجغرافيا والتاريخ قبل أن يكون مركبا ثقافيا أو أيديولوجيا.
وحتى تصورات التيارات الإسلامية أو اليسارية عن أطر أكثر اتساعا للدور المصري وإن قد تشترك في ملمح جيوسياسي محدد (حتمية الصراع مع إسرائيل، والتصلب أمام الأمريكي). وفي تقديري الشخصي أن هناك فشلا كبيرا على مستوى الفكرة والتطبيق لكل هذه التيارات في مقاربة سؤال حدود الهوية والدور، ولي محاضرة قديمة (مقاربة في الهُوية والمشروع المصري) في هذا الشأن قدمتُ فيها تصورا سياسيا وحراكيا ودستوريا لها وشروط هذا التصور. الدستور المصري الحالي بالأخص ينص على (الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي، تنتمي للقارة الأفريقية وتعتز بانتمائها الآسيوي)
ولكن أن يُترجم هذا التصور الأعلى لحركة الدولة، لسياسات (أهداف سياسية محددة في إدارة صراعات أو أدوار)، واستراتيجيات (الخيارات الكلية لتحريك أدوات القوة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية وديبلومساسية و ثقافية…)، فهنا ننزل درجة في هذا المخروط.
يبقى ترجمة هذا وتطبيقها سؤالا سياسيا ونتاج التفاعل السياسي (Politics not policy)- مرتبط بشبكة الحكم وطروء تحولات وتدافعات بين أركانها، ولكن هناك دور للسؤال الاستراتيجي (ما قد تتيحه أدوات القوة وخيارات تحريكها من مساحة للفعل وتحقيق الهدف بالأساس!)
المشكل – أنه لضعف القابلية الاستراتيجية، أو القناعة بفرضيات خاطئة كما أسلفنا، أو غياب الخيال في شق مسارات غير خطية لإدارة الصراع، قد تصل دولة ما لخلاصة أنها مقصوصة الأذرع، وتقبل بصيغ استلاب في السياسة وتقزم في الدور.
والاستراتيجي، حتى وإن كان له انحياز سياسي وأيديولوجي محدد في فهم دائرة الدور والصراع، مُهمّ أن ينشغل بالأساس بدائرته لأننا نحتاج لقراءة شديدة الاحترافية ولا يفسدها الانحياز، وأن يتطوّع قليلا في النقاش السياسي (السياسي بمعنى أهداف حركة الدولة في الملفات المختلفة policy وليس السياسي بمعنى التنافس على مصادر الحكم والتأثير داخليا politics ) فيما يتعلق بسؤال الجدوى ؛ هل الأهداف السياسية المطروحة والممكنة قابلة للتحقق بأي خيارات وموارد موجودة أو يمكن توفيرها في سياق إدارة الأزمة؟
فيم يفيدنا كل هذا؟
أنه وإن كنا نقر أن هناك دورا كبيرا لمشكلة الإرادة السياسية ومدى الحضور الأيديولوجي للدور القومي والرسالي في الحركة بالإقليم، فإن هناك دوما مساحة لتطوير القراءة والأداء الاستراتيجيين دون حتى اشتراط تغيير جذري في ملف الإرادة والرؤية، قد تُحسِّن كثيرا من وضع بلادنا وأدوراها، بل حتى تعطي نافذة قد تتحسن معها الرؤية الذاتية دون تغيير سياسي وبنيوي حاد. فخلاصة الأمر أن هناك تبادلية شديدة التأثير بين مساحتَيْ الرؤية والقدرة.
وهذا ما يجعل لنا ممن يقترف النظر الاستراتيجي فرصة حقيقية للإفادة دون بالضرورة الانشغال بالسؤال السياسي الداخلي لاعتبارات أهمها غياب البديل والنوافذ. وفي الأخير ليس بالضرورة ثمة تعارض بين المسارين.
الحراك السياسي والاجتماعي في بلادنا فشل في محطاته التاريخية القريبة.. وهو بذاته ليس ضمانة على وجود رؤية وإرادة وحدوية وتحريرية. هذا لايعني أننا نحكم بانقطاع هذا المسار في بلادنا ولكن نقول أن سبيل استعادته وتطويره معروف وإشكاليته في غياب النخبة القائدة والتجديد الحقيقي في التيارات وخسارة الثقة الشعبية والقدرة، فمن يعافر فيه ألف مرة دون البدء بتصحيح ذلك لن يقوده مسعاه لشيء!
وفوق هذا، فإن انحيازنا بالأساس هو للأوطان والرسالة وحين تغيب فرص موضوعية للتغيير السياسي فلا تكون مناكفة الأنظمة من منطق دحضها هو الحل ولكن الدعم في مواطن الضغط وفتح مسارات للتصحيح.
نعم، حين تتقدم دائرة التفاعل السياسي يمكننا وقتها المفاضلة بين تغليب المعارضة لتطوير فرص التغيير أم الانطواء في معرض الطرح الإصلاحي، وفي معظم الأحيان حقيقة – ممكن الجمع بين هذه المساحات المختلفة بمسارات مخصوصة، ويجب تطوير الحس الأخلاقي من ناحية والوعي الاستراتيجي من ناحية أخرى وهذا يفيد جميع الأطراف.
- الاستراتيجي بالأخير لو أحب أن يكتفي بدوره الموصوف في مرحلة بعينها فأمامه طريق واسع. تطوير الوعي والإرشاد الاستراتيجي يفيد كل الأطراف كما أسلفت – الأنظمة والمعارضات الجادة لها – للصالح العام وينقل مستوى النقاش لنمط موضوعي ومنتج؛ بل يساهم في تحجيم النزعة الانتهازية والتوظيفية لأزمات بلادنا بما يناقض حتى الحس الوطني والديني الرشيد.
هو لابد أن يدرك حدود ما يطرح.. قد يشير لضرورة المراجعات الجذرية لحدود رؤية الدورة وتصليب الإدارة.. ولكن الحقيقة – عنده مساحة واسعة دون الوصول لهذا الحد..
بمعنى – أن ما تمتلكه الأنظمة حاليا من قدرات وأدوات قادرة على فتح مساحات للمناورة والفعل الاستراتيجية، وتحسين السياق الاستراتيجي العام من حيث المنتوج وتوسيع السيادة وتقليل التبعية. هذا دون أن نطلب منها أن تقوم بمراجعة جذرية لحدود السيادة وتغيير معادلتها. نعم – حين تفشل الفرضيات الأساسية لتلك المعادلة كوضع الخليج الآن لا يكون مفر أمامها من هذه المراجعة، ولكن في الحال المصري بالأخص – حدود الفرص والفعل المتاح كانت واسعة!
وهناك عبء أخلاقي بالتأكيد لابد أن يتحمله الاستراتيجي، وبالتأكيد هناك خطوط حمراء في عدم خدمة خيارات واستراتيجية غير رشيدة بمعيار الديانة والوطنية. ولكن هل يمكنه وضع تحسينات في سياق سياسي يحتاج لمراجعة جذرية؟ غالبا نعم. قد نحبذ الإشارة لضرورة المراجعة، قبل التوصية التفصيلية، ولكنه ليس شرطا. كذلك – فارق بين التحسين المكرّس للواقع البائس، وذاك الذي يفتح فرصا لحرية الحركة وتعزيز السياسة. وبالتأكيد – لو وصلنا بالتجربة لنتيجة خلاصتها تكريس الواقع السيء فالانكفاء أولى.
وأعطي مثالين تطبيقيين عن الدور المصري في حربي غزة وإيران. وما يهمني هنا – كما أسلفت في تقدمتي – ليس الانحياز مع أو ضد ، وليست غايتي حتى محاكمة السلوك المصري لما أراه صالحا كانحياز سياسي أو حتى كخيار استراتيجي، ولكن استكشاف حدود هذا الدور، وكيف كانت الفرص أمامه حتى دون تغيير مجمل الفرضيات الحاكمة للسياسة العليا ورؤية الدور، وبالأخص في حال الحرب الإيرانية – لأنها لا تزال سارية – ما يبقى فرصا ومساحات للحركة حاضرة.
الدور المصري في حرب غزة
لن أحكي هنا بشكل تنظيري أو ادعاء الحكمة بأثر رجعي، ولكني بالفعل تصديت لهذا السؤال بناء على طلب أحد المعارف من داخل الدولة أول الحرب، وقدمت تقديرا للموقف المصري (ملحق آخر الدراسة).
لا أعلم الحقيقة لأي مستوى وصل؛ بل هل وصل بالأساس لأي جهة! وكيف تم التعامل معه، ليس هذا ما يشغلنا هنا، إنما تبيان كيف حاولت تطبيق ما قررتُه منهجا لغرض التفهيم والتمثيل:
– أني لم أطلب أو أتخيل من الدولة المصرية تغييرا حادا في رؤيتها لدورها بالإقليم أو نسقها السياسي الأعلى وعلاقتها بالأمريكي والإسرائيلي (فوق ما هو مطروح داخلها في عالم ما بعد معاهدة السلام 1979)، بل هذا قريب من منطقي حين تعاملت مع ملف معاهدة السلام وتحوير استراتيجية الأمن القومي بعيد ثورة يناير، لأني كنت أرى ضرورة إنجاز ملف التحول الديمقراطي وضبط العلاقات المدنية العسكرية، وإن كنت رأيت أن درجة من الاستفادة مما حصل من تحول في الإرادة السياسية ونزعة الثورة المصرية للاستقلال الوطني مطلوبة ولكن دون خلخلة سريعة لترتيبات الإطار الدولي والإقليمي المنخرطة فيه مصر.
ولكني في ورقة حرب غزة – قدمت قراءة حاولت أن تكون موضوعية حول تقييمي الاستراتيجي لما حصل في عملية 7 أكتوبر وطبيعة الخلل الاستراتيجي الفادح في بنيتها وتصور مآلاتها والتي تنقض مفهوم الحرب غير النظامية والمتماثلة، وتجبر العدو على تجاوز هذه المفاضلة الاستراتيجية لصالح حركة المقاومة، وشنه لحرب دون تقييدات داخلية وخارجية – وبالأخص حساسيته للخسارة البشرية وغيرها، واحتلاله لغزة وهدم البنية العسكرية والحكم السياسي للمقاومة وإلغائه لسياسة التمايز بين غزة والضفة مع خسارة فادحة في دماء الشعب. ثم انتقلت لتحليل موقف أطراف الصراع وصولا لوضع السيناريوهات لتطور الحرب مع وضع مفاتح التحرك من سيناريو لآخر – بالأخص التوازن العملياتي بين جيش الاحتلال وحركة المقاومة، وآثارة الخسارة البشرية داخليا وخارجيا على إسرائيل، ومدى التدحرج الإقليمي، وكان الترجيح هو حركة محدودة بالأساس مع وجود مشاركات إسنادية وبنتيجة فادحة عسكريا وسياسيا لصالح إسرائيل.
ثم الأهم – شرعت في تحليل الإشكالات والانعكاسات على الدولة المصرية (بمفهومها الحالي ورؤيتها لموضعتها الإقليمي وأنها ليست طرفا حاليا في الصراع العربي الإسرائيلي – والذي استحال بشكل لصراع بين محور إيران والمقاومة وإسرائيل – بمعناه العسكري، ولكن بالتأكيد تبقى العقيدة السياسية للجيش المصري وكثيرا من بنيته وتراكيبه وعقيدته القتالية مرتبطة بالإرث التاريخي لهذا الصراع). وكان أكثر ما رأيته – وأزعم أنه حقيقي – هو مسألة التهجير والتوطين، وثانيا تحمل العبء الأمني والمدني عن القطاع تحت وصاية إسرائيلية، وثالثا الإشكال الداخلي تبعا للتوقع الشعبي لدور مصري أكثر قوة وحماية لشعب غزة وبالأخص حين يتلاقح مع خطوط الأزمة السياسية والاقتصادية الداخلية، وأخيرا توغل الإسرائيلي على البوابة الشرقية في حال إخصاء المقاومة الفلسطينية كمنطقة عازلة، وعلى مستوى الإقليم تبعا لخلخلة محور المقاومة ذاته.
وآتي هنا للخلاصة وعنوان ما نحكي عنه، أني في هذا السياق المتخصص في المنظور الاستراتيجي البحت لم أطلب تغيير حادا في رؤية الدور والإطار السياسي للصراع، وأقمت نفسي على الحديث في مساحة القابلية والخيارات والتخييل وليس الإرادة ورؤية الدور، وراعيت بالأساس الهواجس الموضوعية الموجودة عند الدولة والمؤسسة العسكرية، فما اقترحته كان ضمن مسارات اعتبرتها مُمكنة بل واجبة على الدور المصري، وبينها تكامل واعتمادية متبادلة. أهمها بالمناسبة، هو الضغط على الحركات الفلسطينية وبالأخص حماس لإحداث تحول جوهري في إدارة الحرب بتعديل الصورة بخصوص التبعات السلبية لقانون أخلاق الحرب وأسر المدنيين الذي صاحب العملية، والأهم – تشكيل رأس سياسي لا تكون حماس عنوانه لإدارة الحرب عبر مقايضة السماح لحماس بالتصلب الدفاعي بإدارة الملف التفاوضي وصيغة الحكم السياسي والمدني في غزة.
بخصوص النقطة الأولى، نلاحظ أن قيمتها خفتت مع الوقت وإن لم تختف بسبب حجم المجازر الإسرائيلي لعام تلى وإلا فإن وضع القضية الفلسطينية دوليا كان كارثيا بُعيد 7 أكتوبر، أما الثانية – فمع الاستهجان الشديد لها من أطراف منحازة للمقاومة وقتها فقد أصبحت أملا بعيد المنال بعد عام من الحرب. ليس من نافلة القول الحديث على نقطتين تؤثران بشكل فارق في طبيعة أي وصفة استراتيجية وصلاحيتها، فضلا أنه لا توجد معنا وصفة استراتيجية تبقى صالحة دون تعديل جزئي أو شامل لها، وأن العبرة هي في القابلية والقيادة الاستراتيجية والقدرة على التكيف وليس في وصفة ما:
أ. الوقت هو عنصر جوهري في بنية الخيار الاستراتيجي. Time is a strategic dimension كما كان يقول كولن جراي. فالعبرة في القيام بالشيء الصحيح في التوقيت الصحيح وإلا فقد قدرته على التأثير. وهذا يشمل كذلك التقييم لهذا التقدير والوصفة أن العِبرة فيه مثلا أن يقارنه الشخص أو الكيان بما كان سائدا حينها أو كيف كانت قراءته للسياق ومآلاته وكيف تكشفت مسارات الأحداث عنه لعامين تليا.
ب. العِبرة بمن سيطبق هذه الوصفة وكيف. People matter. فكثير من مساحات التواصل السياسي وترتيب الشأن الدفاعي والتفاوضي هي عالة على من سيقوم بها؛ ما يحتمله على مفردات النزاهة والثقة والمصداقية والقدرة والوعي والمرونة، وهذا يسري على الدول ومادون الدول معا.
وبعد هذا، تناولت ضرورة بناء زخم وإطار للتحرك العربي المكثف من نواة تشترك في الخطوط العامة لرؤية إقليمية تتعامل مع حرب غزة قبل أي تحرك دولي، وهذه الرؤية ترتكز على تجميع واستدامة أدوات الضغط العربي على الأمريكي بالأخص، ومقايضة مصالحه الإقليمية لصالح تخفيف معاناة شعب غزة، وتحجيم السلوك العسكري الإسرائيلي، والضغط لصالح أوراق التفاوض الفلسطيني في إدارة غزة بعد حماس. الحقيقة بدون تشكيل هذا الإطار المركّز وله ديمومية، فلا يمكن التعامل مع الظرف الدولي والإقليمي برؤية محددة وضاغطة. نأخذ مثالا إيجابيا وهو الدور السعودي الفرنسي لاحقا بتطوير منصة دولية ساهمت بشكل أساس في توسعة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فكيف إذا تشكل إطار عربي أكثر كثافة وديمومة وبمصالح وأعراف ومحركات أكثر رسوخا للتعامل مع ملفات الحرب والاستفادة مما قدمه الإسرائيلي لاحقا من انكسارات عسكرية وقانون دولية وتهييج شعبي وحكومي ضده.
ثم اختتمت بتناول موجز للتعامل مع الإشكال الداخلي والذي يرتكز على أمرين، التقدم الحقيقي والجاد في ملفات حرب غزة وبالأخص الجانب الإنساني والتحرك ضد المذبحة الإسرائيلية، والتوصية بتخيف الاحتقان السياسي الداخلي دون تنازلات في الملف الأمني. والحقيقة – أنه مع الإقرار بقصور واضح للتعامل المصري فيما تم تناوله بالأعلى من ملفات، فإن سلوك التيارات القريبة من المقاومة كان سلبيا. هناك نفورمفهوم ومبرر فيما يتعلق بتقاصر السلوك المصري عما تراه الأطراف الداعمة للمقاومة واجبا دينيا وقوميا وإنسانيا، وقد نفهم أن يتغافل هذا الطرح عن الكثير من التقييدات السياسية والاستراتيجية على دوره، مع أنه كما سيأتي قد يتقبلها ويبررها في حال شركائه في الانتماء الأيديولوجي والسياسي، ولكن الخطيئة الكبيرة كانت أنه كثيرا ما تتخيل بعض التيارات أن سلوك النظام المصري في حرب غزة فرصة للتثوير الداخلي ضده. وهذه الحقيقة كارثة بالمنظور الاستراتيجي في خدمة القضية الفلسطينية وحتى التحول السياسي الداخلي، وأيضا بالمنظور الإنساني والأخلاقي كمحاولة الاستفادة من محنة شعبنا في غزة وعدم تقديمها على ملف التحول السياسي الداخلي بفرض وجود فرصة فيه وتوفية شروطه المنعدمة بالأساس. هذا السلوك بوضوح يربك سلوك النظام في لحظة صعبة بالأساس، وتتقابل فيها مساحات رؤية الدور والترتيب المستقر لعقود مع إلحاحات النظر الاستراتيجي المفترض، فأن تهدده بأمنه الذاتي وهو الملف الأكثر الإلحاحا عليه سيكون لسلوك سلبي في الملفات الخارجية والداخلية على السواء.
السلوك المصري في بعض المحطات – مثلا تعامله مع قوافل ومسيرات الصمود – كان سلبيا، ولكن لابد من تقييمه في ضوء ما سبق ذكره. وأعتقد أن التعامل كان سيختلف بشكل ملحوظ لو كان السلوك الداعم للمقاومة أكثر تفهما وأخلاقية. ولكن هذا لا يعني أن النظام المصري كان سيتجاوز في ملف الدعم الإنساني لغزة لمستوى مصادمة الإسرائيلي عسكريا على الحدود مثلا. من ناحية، نعم لا يمكن إدخال المساعدات عنوة لوتعاملت مع هذا الملف معزولا، ولكن لو كان ضمن إطار شامل للتحرك الإقليمي والدولي، وكذا تعديل السلوك الفلسطيني لحصل إجبار الإسرائيلي على تعديل سلوكه العسكري فيما يتعلق بالمحنة الإنسانية. لا يمكن وفق أي صيغة إبطال مسار الإسرائيلي لأهداف ضرب حماس عسكريا وإخضاع غزة، ولكن بالإمكان تحوير مساره استراتيجيا للمعطيات السابقة في كسر مستوى تصعيده ضد الشعب والمنتوج السياسي فيما يتعلق بإدارة غزة والأفق الأوسع للتعامل مع القضية الفلسطينية. وهذه النافذة هي التي كان من الممكن الدخول فيها وفق الخطوط الاستراتيجية سالفة الذكر واستفادة من الخلل الكبير في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية كمسار ومنتوجات على الداخل الإسرائيلي والوضعية الدولية.
ونعم الدور المصري نجح في وقف مسألة التهجير والتوطين، وكذلك كان داعما أكيدا للموقف الفلسطيني ووسيطا محابيا في مراحل الهدنة وتبادل الأسرى المختلفة ولا يمكن الحقيقة المزايدة على الموقف الفلسطيني المثمّن بدرجة ما للدور المصري في محطات مختلفة، وكذلك تجاوز الإشكال الداخلي. ولكن القصور الأكبر كان في إضاعة هذه الفرصة والواجب لإحسان إدارة ملف الحرب استراتيجيا وما نتج عن ذلك من تغوّل الهيمنة الإسرائيلية إقليميا والنتاج الوخيم على قطاع غزة ومستقبل القضية الفلسطينية عموما.
فنحن أمام تدويل إدارة القطاع تحت هيمنة أمنية إسرائيلية، والتهجير الطوعي شبه محتم بالنظر لحجم التدمير الإنساني والبنيوي وانهيار المنعة الشعبية في دعم الخط المقاوم والتصلب بالأرض ولأسباب يمكننا تفهمها دون أي مزايدة. ونزع سلاح المقاومة هو كذلك محتم بدرجات مختلفة ويتناسب معه استئناف النشاط العسكري الإسرائيلي ووجود حد من حرية الحركة له في كل الظروف ويرتبط بهذا انهيار المنطقة العازلة جيواستراتيجيا التي كان يمثلها القطاع buffer zone ، وفقدان الشرعية الوظيفية للحركة المقاومة الفلسطينية بالأساس والتي تشبه لحد ما الظرف الذي عانته منظمة التحرير بعد الخروج من لبنان حتى أعادت موضعتها استراتيجيا وشقت بدائلا هي بذاتها لها نمط خاص بمحدداته، وانعكاس ذلك على استباحة القضية الفلسطينية من قبل إسرائيل. والمسألة الفلسطينية للدولة المصرية – حتى في أكثر أوقاتها تغليبا للنظرة الانعزالية – لم تكن أبدا شأنا حدوديا؛ بل كانت في صميم المسئولية القومية وما تحمله من ثقل التاريخ والجغرافيا من دور واستحقاق بالضرورة وصورة للقوة!
وفوق ذلك – التعملق الإسرائيلي في كل البيئات تبعا لذلك سواء في لبنان وسوريا وحاليا في الحرب مع إيران، ولو لم تصح معالجة مصرية وعربية للوضع الخليجي – كما سيأتي – ففي ذلك تكريس للتطبيع ودرجات من الاعتمادية الدفاعية الخليجية على الإسرائيلي في مراحل مقبلة.
نعم – الخيارات الاستراتيجية لها ثمن يدفعها كل الأطراف تبعا لسلامتها أو قصورها!
وأختم بتناول المسألة المركزية هنا، هل كان القصور المصري – وفي ضميري أنه أقل كثيرا في تحمله المسئولية السياسية والأخلاقية عن المنتوج عما هو لحركة المقاومة الفلسطينية – نتاج إشكال في الرؤية والإرادة السياسية بالضرورة؟ الأمر نسبي.
المصري مثلا كانت عنده العزيمة Resort لتحدي الإسرائيلي بإدخال قوات مدرعة للحدود حين سيطر الأخير على محور فيلاديلفيا عسكريا، وهذا السلوك الإسرائيلي والرد المصري كانا مخالفين بشكل فج للملحق الأمني لمعاهدة السلام. لماذا إذن لم يتحرك المصري بهذه المنعة النفسية والتحدي مع ملف المحنة الإنسانية لغزة؟
بوضوح لأن هذا الملف في الرؤية المصرية ليس على ذات الدرجة من الأهمية في تعريف الوطنية المصرية ومحددات الدور والوظيفة للدولة المصرية، وليس مسنودا بتقرير جازم كغطاء قانوني مباشر مثل اختراق الإسرائيلي لاتفاقية دولية (أعلى مصادر التشريع الدولي، وبما تفوق حتى مقررات المحكمة الجنائية الدولية). هل هذا مقبول بالمعيار الديني والقومي والإنساني؟ بالتأكيد لا عند أغلبية شعوبنا، ولهذا فلا يمكن الحجر على رؤية سياسية تعارضه من هذا المنطلق ! ولكن، مهم التمييز بين هذه الدائرة وبين النظر الاستراتيجي الذي كان يتيح مسارات أوسع من الفعل دون الاشتباك على مستوى الرؤية تلك والدعوة لتغيير حاد في المنظور الأعلى للدولة المصرية وترتيب أولوياتها! ومع التأكيد كما أسلفت، أن سلوك الكثير من التيارات الداعمة للمقاومة كان يزيد الأمر سلبية واضطرابا.
وهذا عين مقصود حديثنا، أن استيعاب جدلية الإرادة والقدرة، وكذلك مستوى التحليل والتوصية بالتالي ما بين رؤية الدور والسياسة في جانب يرتبط بالتفاعل السياسي الداخلي، والاستراتيجية وهي بالأساس دائرة فنية، مع تعميق الحس الأخلاقي وكبح المزايدة والاستغلال العدمي والخاطيء لمحنة غزة وضمن رؤية استراتيجية للتحريك السياسي الداخلي فاقدة لأبسط شروط نجاحها، من شأن كل ذلك أن يحسن التعاطي العام مع أزمة الحرب ومحنتها على الأصعدة المختلفة؛ أكثرها إلحاحا كان بلاشك المحنة الإنسانية لشعبنا في غزة، ولكن كذلك بقية المفردات الخاصة بالأفق السياسي للقضية والقوام السياسي والعسكري والشعبي لحركة المقاومة الفلسطينية، ومن طرف الأنظمة والفعاليات الشعبية على السواء. وحتى لو غابت المزايدة والتوظيف الخاطيء وغير الأخلاقي، فعدم تقديم خطاب وسلوك يراعي ما سبق، لن يتجاوز حد إثبات الموقف والشعور الذاتي – صاب أم أخطأ – بتقديم المعذرة، ولكنه أبعد كثيرا عن المناسبة وإمكانية التأثير.
بل إن جزءا كبير من الخلل الاستراتيجي لعملية 7 أكتوبر هو غياب القراءة السليمة في حدها الأدني عند قيادة حركة المقاومة لمحددات حركة الأنظمة والشعوب العربية وما يمكن أن تصل إليه كحد أقصى، وليس فقط الشركاء في المحور! هذا ليس تصويبا لحركة الأنظمة تلك من منظور ديني وأخلاقي أوقومي، الأمر أبعد عن هذا ولكنه فهم منطق ومحددات حركتها استشرافا! وهذا واجب حركة المقاومة – من منظور استراتيجي وحتى شرعي –فهم السياق واعتبار المآل والمنتوج وعدم المقامرة بمصالح الأوطان والشعوب وحتى بقائها وقدراتها اعتمادا على فرضيات قاصرة، وعدم تصحيح المسار حين ظهر بشكل قاطع بطلانها.
الدور المصري في حرب إيران وما بعدها – حدوده وفرصه
حرب إيران وخلخلة النموذج الإقليمي المُعوج:
تناولت الحرب الحالية الأمريكية الإسرائيلية على إيران في مقالين، نعم كان هذا بدأ قبل مسيرة التفاوض الخشن والتي رجحتُ هذا السيناريو في خفض التصعيد عما سواه، ولكن كل ماكتبتُه يبقى صالحا للاستفادة منه في موضوعنا هنا ولن أعيده. ولكن كعنوان تقديمي، الحرب كان نتاجا لتبني ترامب للفرضية الإسرائيلية للحرب مع غموض واضطراب في بعد الأهداف السياسية ونهايات وخيارات استراتيجية مسكوت عنها ، ولكن مع تمايز بين الأمريكي والإسرائيلي هنا.
الأمريكي وضع أهدافا وسيطة كضرب المشروع النووي وتحجيم القدرة على التهديد الصاروخي وغلق المضيق مستبطنا مسارا خاصا بالتنعيم التفاوضي، ولكن مسلكه في تجريب استراتيجية اسقاط الرأس أول الحرب عقّد من إمكانية هذا المسار.
أما الإسرائيلي فتعامل مع الحرب ضمن مخروط تصعيدي ومستمر، لو فلحت سياسة قصف الرأس فنعم، وإلا – فيمكن قضم القدرة العسكرية الإيرانية ومكنة النظام على الضبط الداخلي ليُسهل العودة لسياسة التحريك الشعبي ودعمه واستغلاله في جولات تالية. ولكن سقف الحرب هو قدرة الأمريكي على استدامتها، وقدرة الإيراني على التصلب الدفاعي، ولما حصل توافق ضمني على تجاوز الطرفين لنقطة الذروة في الهجوم والدفاع، رأينا الدخول في مسار التهدئة والتفاوض الخشن تحت ظلال تجدد الإكراه.
المعلم الأساسي هنا، أن الحرب نعم امتداد للهيمنة الإسرائيلية على الإقليم بعيد حرب غزة وانفتاح شهيتها لإعادة تعيير قواعده لمصالحه بدعم أمريكي وتطوير لمسار التطبيع بالأخص مع الخليج وسوريا، ولكن استهداف الإيراني للخليج وهو أمر كان محقق حصوله بمجرد دخول الأمريكي وقيادته للحرب، أحدث شرخا هائلة في التيمة الدفاعية التي انبنى عليها الأمن الخليجي لعقود، وقام عليها نموذجه في الرفاه والتطور والاستثمار والرصيف للاقتصاد الدولي (بالأخص نموذج دبي). فاعتماده على الأمريكي وما يشمل استضافة قواعده استدعى حربا وتهديدا أمنيا ولم يدفعها!
هذا النموذج، والذي بدأ من وراثة الأمريكي تدريجيا للبريطاني في هيمنته ورعايته للخليج بعيد الحرب الثانية، وتكرّس بشكل كبير في سياسة شرق السويس ثم استقلال الإمارات الخليجية الصغري أوائل السبعينات، ثم تطوره لما يُعرف باستراتيجي الحضور في الأفق On the Horizon مع نشوب الحرب العراقية الإيرانية (أي الاستعداد وبناء القدرة للانتشار السريع حين تظهر دواعيه)، ثم التواجد العسكري الكثيف في ست قواعد أساسية مستدامة بعد حرب الكويت.
وحتى الفترة التي تراجع فيها التعهد والاستعداد الأمريكي في الهيمنة والحماية الدفاعية عن المنطقة، والتي أعقبت عقيدة أوباما Obama Doctrine والانشغال الأمريكي بجنوب شرق آسيا Asia Pivot بعد الانتكاسات الاستراتيجية في حروب العراق وأفغانستان والتي استدعتها سياسة المحافظين الجدد الحمقاء، ثم الاضطراب الذي حصل في مرحلة الربيع العربي، وحتى تطور أطروحات تقلل من قيمة البترول الخليجي كمنظور أمريكي اقتصادي و great power politics ودعت بشكل ما للعودة لسياسة التدخل في الأفق (من أفضل الكتب التي تعبر عن هذا الاتجاه Crude Strategy).
وحتى موقف إدارة بايدن شديدة النفور من السعودية بعد اغتيال خاشقجي والمغامرات الإقليمي، وفي المقابل بدأ الخليجي خصوصا السعودية تفتح مسارات في التعامل الدفاعي والتسليحي مع أطراف خارج المظلة الأمريكية بل مستفزة لها (كروسيا والصين)، ولكن بقيت الفرضية الخليجية الأساسية هي في الاعتماد الدفاعي على الأمريكي وأن هذا صك الضمان الوحيد لها، وعلى هذا كانت بنيتها الدفاعية كأرصفة تسليح، ودعم فني وحتى مركبات قيادية وتنظيمية وتعليم عسكري أعلى أمريكية مع تطعيم بريطاني في بعض الدول كالكويت وعمان وبعض الملفات. أقول هذا، وعندي بعض الخبرة في هذه البيئة الخليجية حيث كنت محاضرا زائرا في كلية القادة والأركان السعودية لأكثر من مرة، وعشتُ في هذه البيئة لعامين وأنا مُرحبٌ بي. ونعم، عندي أصدقاء خليجيون عسكريون في غاية اللطف والروح الإيجابية بالمعنى الوطني والقومي والديني، ولكن النسق الدفاعي ليس وضع حدوده ومساراته من مسئولية أي مؤسسة عسكرية خليجية ولكنه خاضع بشكل حصري للأسر الحاكمة.
- مشكلة الاعتمادية الدفاعية للخليج
بمنظور استراتيجي وعسكري صرف، يمكنني القول أن الاعتمادية الدفاعية الخليجية على الأمريكي أخصت بشكل كبير القدرة العسكرية الخليجية وأفقدتها أي فرصة لتطور حقيقي فيها كأداة احترافية صلبة، أو امتلاك القدرة الاستراتيجية على بنائها واستدامتها وتوظيفها! وهذا قبل حتى حرب إيران التي خلخلت هذا الأنموذج، بل أن ذلك الإخصاء ظهر أوضح ما يظهر في تلك الحرب بالأساس ومحطات أخرى قبلها خصوصا في حرب اليمن.
أعلم أن هذه الخلاصة تبقى صادمة، وشديدة التناقض مع ما هو سائد في الوعي الخليجي، حيثُ يُنظر للأمريكي أنه كلي القدرة القتالية والاستراتيجية (وبالطبع هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة وهذا ظهر في الحرب الحالية كذلك وقبلها حروب العراق وأفغانستان)، وأنه يحوز على أرفع مستويات التسليح والعلم والخبرة العسكريين – وهذا صواب لحد ما ولكن مدّ ذلك للاستنتاج أن الاعتمادية عليه سترفع من القدرة الذاتية هو الخاطيء، وسأدلل على ذلك بشواهد وليس هنا مجال استقصاء الموضوع وعندي فيه الكثير لمعايشتي المباشرة له، ولكن فقط بما يخدم موضوعنا الأساسي الخاص بخلخلة الأنموذج الدفاعي والدور المصري تقييمه ودوره:
- الخليجي استسنسخ المنهاج الاستراتيجي والعسكري الأمريكي في البنى والتراكيب والمأسسة وال process وحتى المناهج للتعليم العسكري الأعلى والاستراتيجي، والعقائد القتالية. هذا يبدو شيء مبهر وبراق. وأنا احتككت بشكل مباشر بهذه المساحة ويمكنني القول، أنه بالرغم من الإرث التاريخي العسكري للجيش المصري وتعليمه العسكري (كلية القادة والأركان تم تأسيسها 1938/ 1821، وأكاديمية ناصر بكليتيها الحرب العليا والدفاع الوطني 1964) إلا أنه للأسف الشديد، فقط في الخليج وبدرجة ما الأردن ستجد العناوين الطبيعية والمعاصرة في العلم العسكري والاستراتيجية مبثوثة في المناهج التعليمية والعقائد القتالية والاستراتيجيات الدفاعية. ليس لي احتكاك مباشر بالوضع المصري في هذه المساحات إلا من خلال النظرة الخارجية، وبالعسكريين الخليجيين الذي درسوا في مصر وأتموا رسالاتهم للدكتوراة أو الزمالات في أكاديمية ناصر ورأيت أن البون شاسع للأسف.
أين المشكلة إذن؟ أنه لا يمكنك استنساخ كل هذا، واجب عليك الاستفاده منه قطعا، ولكن كارثة أن تترجمه وتتبناه هكذا لأن كل ماسبق من تراكيب وعقائد ومأسسة ومناهج تعليمية هو بالأساس إجابة على أسئلة وبيئة استراتيجية خاصة ومغايرة ويحتاج لتسييق قد يدفعك لتغير في الكثير من مضامينه (نسميه contextualization )، وأيضا لابد من مراعاة اعتبارات عديدة ثقافية وسياسية واجتماعية تدخل في كل شيء تقريبا (نسميه culturalization ). - والأخطر، أنك لابد أن تُكوِّن عندك بتدرج ودأب القدرات البشرية والمعرفية والفنية التي تسمح لك بهضم كل مستوى تعليمي ومهاري وتنظيمي في هذه البيئات حتى تصل لما بعده، وأن يكون هذا مستنبتا ذاتيا عندك. نعم ، قد تستعين بالحليف أو حتى الراعي الأجنبي، كما فعل الجيش المصري مع السوفيت، ولكنك لا تستنسخه أو تجعله – وشركاته مثلا – هو من يصنع لك بنيتك الدفاعية بكل مضامينها وبما له من تحيزات تسويقية فضلا عن سياسية، لأنك في هذه الحال، لن تمتلك أبدا هذه القدرة الذاتية في صناعة البيئة الدفاعية أو صنع استراتيجية حقيقية، وتدشين تعليم عسكري واستراتيجي خاص بك فضلا عن مناقضة ذلك لمعنى الاستقلال والسيادة! ولهذا – فتجد مع وجود التقدم الشديد في تلك المستندات والتراكيب، إلا أنه تغيب أبسط التعاريف والملكات عند الكتلة البشرية المنخرطة فيه!
- وهناك ملمح آخر، ليس فقط مرتبطا بالاعتمادية الدفاعية ولكن كذلك طبيعة النظم الخليجية سياسيا وعلاقتها بجيوشها وملحقات ذلك فيما يُعرف بالاجتماع العسكري. النظم الخليجية لا تريد جيوشا قوية تاريخيا وواقعا لأنها تخشى منها، ولا تحتاجها (هكذا تحسب). وهذا ما يجعلها بالأخير صيغ أشبه بنواد اجتماعية لتدوير ملفات بناء الولاء الداخلي والقبلي أبعد ما تكون عن الروح القتالية وال aggressiveness وتجذر البناء الاحترافي. ولهذا، حين يظهر مسلك مغامر في حرب اليمن مثلا، وبكل إشكالاتها السياسية والاستراتيجية الهائلة، فأنت تطلب من الجيش أن يقوم بما لم تصنعه له أصلا، ولا تزيده اعتماديتك الدفاعية على الأمريكي إلا تقليلا من دوره وقيمته!
هذا الجانب ليس موجودا في جيوش الجمهوريات لأسباب معقدة لأنها دوما أداة مركزية في الحكم أو ضامنة له، وكذلك لأنها خاضت بالفعل حروب كبرى وإن سكنت لعقود بعدها. نعم، هناك تجليات كارثية على بنيتها وجودتها وتسليحها وقدرتها القتالية تبعا للإشكالات السياسية في هذه الجمهوريات ( هناك دراستان رائعتان لكينيث بولاك في هذا الأمر– مع تحفظات لي عليهما – Armies of Sand، وكذلك Arabs At Wars)، ولكن هذه الجيوش ، وبالأخص المصري وكذلك الباكستاني، هي جيوش قتالية حقيقية فيها عنصر احترافي واسع حتى لو شابته في محطات تاريخية مختلفة عوارض ترهل و dilutions – أبعد كثيرا عن الجيوش الخليجية، وهذا أهم ما سيفيدنا في حديثنا عن الدور المصري.
- حرب المحاور وتقدم التطبيع، وانتكاسة البعد القومي تحديدا في دول بعينها.
في الفترة التي استمرت معنا لعقدين، خصوصا بعيد حسم غزة وسيطرة حماس عليها، تمظهرت سياسة المحاور ولأسباب عديدة. وهذه كانت شديدة الضرر على ملفات التناحر الإقليمي، والتوظيف المعوج لسلاسل من الأزمات والحروب بالوكالة التي فاقمها الربيع العربي وأزمة الفراغ السيادي– سواء في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتى بعض الانعكاسات في أماكن أخرى.
وكما تناولت في مقالي عن (المسألة الإيرانية ) على صفحة المدونة، سلوك إيراني الإقليمي والتصفوي بالتأكيد فيه عنصر هيمنة جيوسياسية ومذهبية، ولكن السلوك العربي والخليجي تحديدا يتحمل مسئولية كبيرة كذلك في التهييج والنزوع لمغامرات في سوريا واليمن، ليس فقط أشعلت من وتيرة الصراع، ولكن أعطت للإيراني فرصة لمزيد تدخل وتوريط بسبب فشلها الواضح في السبك الاستراتيجي لهذه المغامرات وتراجع دعم مشروع المقاومة الفلسطينية والذي نفذ منه الإيراني، وسألحق بالدراسة مقاربة قدمتها أول (عاصفة الحزم) نقدت فيها بوضوح أي منطق استراتيجي فيها، أو بينت غيابه بشكل أدق.
ومع تراجع الأمريكي عن استدامة هيمنته الدفاعية في المنطقة، وظهر هذا حتى في جبهات الربيع العربي وخصوصا سوريا، بدأ العنصر الإسرائيلي يتقدم في المخيال الدفاعي الخليجي، وصولا إلى كارثة موجة التطبيع الإبراهيمي، والذي تجاوز كثيرا منحى التطبيع المصري والأردني والذي كان نتاج حساب ضرورة استراتيجية (بغض النظر عن صحته أو بطلانه) وبقي قاصرا على الحكومات وبعض الملفات التي حاصرتها الحمية الشعبية وليس في معزل حتى عن ملاحظة الجهاز الأمني والمعلوماتي، وبقيت المؤسسة العسكرية ليس فقط في صلب عقيدتها الوطنية العداء الإسرائيلي، بل حتى كثير من عقيدتها القتالية وأنموذجها التسليح (كذلك بغض النظر عن تقييمنا لنجاعة ذلك)، وليس هذا الانهيار الكامل للبوصلة القومية والوطنية في موجة التطبيع الإبراهيمي (للإمارات والبحرين، والمغرب تحت حكومة لتيار إسلامي بالمفارقة!) ودخول قطاعات شعبية فيه.
حتى في السعودية، للأسف توسعت هذه المساحات من التواصل السري، والتضعضع القومي حتى في إطار شعبي وديني، ونفور حتى من الحركة المقاومة الفلسطينية، وبالأخص بسبب المسألة الإيراني، ولكن حجزت رمزية المملكة الدينية وإرثها، وطبيعة سياستها الأصيلة المتحفظة أن يحصل التقدم العلني في هكذا ملف. وحتى أكون منصفا، للأسف – تجاوزت الحركة المقاومة الفلسطينية (حماس، وبشكل أكثر اطرادا الجهاد الإسلامي) كثيرا في انحيازها لإيران في ظرف حرج. وأعلم أن في حماس مشارب مختلفة تجاه هذا الأمر, وأذكر حوارا لي مع أحد أبرز قيادييها منذ سنوات، وكنا متفقين لساعات على كل شيء تقريبا وحتى على نفَس نقدي لسلوك الحركة ذاتها وبنيتها، ولكن حين أتينا لإيران، كان مطلبي هو حاجة المقاومة ليس لإنهاء التحالف الاستراتيجي مع إيران ولكن إعادة تعييره وموضعة نفسها، وبالأخص – القيام بدور إيجابي في التقريب بين إيران والخليج وتحسين العلاقات المقاوِمة مع الأخير؛ دور قريب من الحالة العراقية، فوجدت الأخير ينفعل ويستنكر حتى قولي أن ثمة تهديد إيراني لدول الخليج!
الخلاصة – للأسف الإسرائيلي استغل هذه الحساسيات، والتي نعم الخليجي بسلوكه مسئول عن كثير منها، ولكننا أمام واقع واحتياج دفاعي وهاجس أمني صلب استغله الأول، وأي طرف إقليمي سواء نظام أو حركة لابد أن يراعيه.
وحتى تكتمل الصورة ونفهم امتدادها وما يحمل ذلك من فرص، أذكر أنه طُلِب مني بشكل غير رسمي في 2021 أن أقدم طرحا حول استراتيجية خروج من حرب اليمن (مرفقة). والحقيقة أني حين زرت الرياض وقدمت محاضرة عن كتاب أستاذي الراحل في ذكراه (جسر الاستراتيجية) وكان حاضرا العديد من العسكريين، وجدت نفسية وإدراكا شديد السلبية تجاه الحرب وبشكل أثار استغرابي للحساسية المعتادة تجاه هذه الأمور في المملكة. ولكن كان المنظور العام للدولة فعلا يقر بالإشكال الاستراتيجي في هذه الحرب والخسارة في استمرارها، وضرورة السعي لوقفها. المهم – أني طرحت مستويين للخروج؛ الأول في تخفيف التوتر الإقليمي وتحسين العلاقات مع إيران، والثاني يرتكز على تبني مفهوم واستراتيجية الردع التقليدي conventional deterrence تجاه الحوثي برسم خطوط حمر وحزم من الردع الإنكاري والعقابي المصاحب لها، ويتكامل مع هذا استراتيجية استيعابية للداخل اليمني وتقبل يمن بهيمنة حوثية مما يقلل من مستوى التهديد الأمني وفرص استدعاء الإيراني للتدخل. وواقع الأمر أنه بعد عام أو اثنين حصل تحسن واضح بالفعل في سياسة المملكة في إنهاء الحرب وتخفيف الاحتقان مع الإيراني ومزيد تقارب. لا أعتقد أن ورقتي تجاوزت مجموعة خاصة اطلعت عليها، ولكنه منطق المراجعة الطبيعي الذي حصل. وهذا يفيدنا، أن الكثير من الأمور التي نتخيل أنها قواعد جازمة في طبيعة العداء الإيراني الخليجي مثلا تتغير!
- إشكالات حرب إيران وخلخلة النموذج الخليجي–
من منظور استراتيجي، فالحرب أحدثت انهيارا فعليا فيما يسمى بمحور المقاومة بعد تداعي محطاته في غزة ولبنان وسوريا، وسيكون أمام إيران تحديا كبيرا في إدارة شأنها الداخلي بعد توقف الحرب في ملفات عديدة تتداخل مع استعادة بنية الدولة واستمرارية النظام، وهذا نظريا يقود لتخفيف الكثير من قدرتها على تمثيلها لعدائيات على دول الخليج. ولكن للأسف – تجربة الحرب وضرب الأنموذج الخليجي في الرفاه والدعة الذي عاشته شعوبها فضلا عن تبعاته الاقتصادية سواء في النفظ أو الرصيف Hub الحاضن لاقتصادات دولية يفاقم الكثير من الهاجس الأمني الخليجي، فتلك الهواجس ليست بالضرورة تقوم على شروط موضوعية.
- سلوك الإيراني في طبيعة الاستهداف الصاروخي والمسيرات لما يتجاوز كثيرا القواعد الأمريكية أظهرنا الضرر الكبير الكامن فيه ومن هذه النقطة تحديدا – أنه بالرغم من مسئولية الأمريكي عن هذه التجربة المريرة بحماقته وانزلاقه خلف الإسرائيلي، وأنه ليس أمينا ولا مسئولا كراع أمني، ولكن للأسف – إذا بقي السياق على عاهنه دون مراجعة خليجية وظهور بدائل موضوعية في هذه المراجعة، فالأوضح هو تكريس لمعادلة التبعية والاعتماد الدفاعي على الأمريكي، واتساع مساحة النفاذ الإسرائيلي لهذه الدائرة. وبالنظر لتعملق الإسرائيلي إقليميا وانهيار المحور المكافيء، فهذا سيقدم للإسرائيلي جرعات ضافية في حرية الحركة والهيمنة الإقليمية!
- هل هذا له انعكاسات على الدولة المصرية؟ بالتأكيد، ولمستويات أبعد كثيرا عن التخيل:
- اتساع الهيمنة الإسرائيلية إقليميا سيعطي لها درجة أوسع في الابتزاز والتحكم في كثير من المسائل البينية، وأخطرها القضية الفلسطينية والأمن السيناوي والانتشار العسكري على الحدود.
- الخليج بالنسبة لمصر هو مسئولية قومية، تتجاوز الإشارات الأولية لدور مصري في دعم الأمن الخليجي، وتؤكدها حجم الانخراط الخليجي في الاقتصاد المصري، مما يجعل أي اهتزازات حادة فيه شديد الضرر على وضع اقتصادي مصري مأزوم بطبيعة الحال. نعم، الخليجي دعم مصر كدولة ونظام في لحظات الأخير الحرجة ما بعد يوليو 2013 على أمل أن يقدم بديلا دفاعيا عن التراجع الأمريكي وحين كانت الوعود المصرية فجة في هذا الشأن، ولكن اختبار حرب اليمن للأسف تراجعت مصر فيه كثيرا. موقف مصر من عدم الاستجابة لطلب السعودية والإمارات الانخراط في عاصفة الحزم هو سليم استراتيجيا بشكل كامل، بل هو النقاط المضيئة في الاستراتيجية المصرية في العقد الفائت، وهذا لأن هذه الحرب هي خبل استراتيجي وعسكري فضلا عن تقييمها الأخلاقي سلبيا، وأيضا لإدراك النظام المصري محدودية قدرته العسكرية على التوظيف الخارجي بغض النظر عن السياق الدعائي، ولكن كان من الواجب الانتباه أن هناك كسرا حقيقية في فرضية الدعم الخليجي لمصر وفرصتها أن تطور علاقتها كشريك أكبر إن لم يكن راع دفاعي. هل كانت أمام مصر فرصة للتعويض؛ بل لإعادة بناء مسئوليتها الدفاعية إقليميا مع ماتحمله من فرص حقيقية لاتساع الدور وفوائده استراتيجيا واقتصاديا وقوميا وسياسيا؟ نعم، بأن تسلك المسار الموضوعي في تطوير قدرتها الاستراتيجية والدفاعية، بحيث أن تقدم رؤية متماسكة ومسارا ناجعا في بناء إطار تحالفي عربي تحت دورها البارز إن لم يكن القائد. وهذا سنتناوله لاحقا لأنه ذات المسار الممكن حاليا.
والخلخلة الحالية بالخليج تقدم فرصة حقيقية لمصر على ناحيتين: الأولى هو شق ترتيب إقليمي أكثر استقرارا وانحيازا للمصلحة العربية كعنوان سياسي، ويقلل بشكل ملحوظ – دون بالضرورة تغيير راديكالي – في حجم التبعية للأمريكي وهيمنته، وإعادة تعريف وبناء علاقة صحية مع الأطراف إيران وتركيا وتحجيم التوغل الإسرائيلي، والثاني – تحمل مصر بالضرورة والتبعية لشق معتبر في الأمن الخليجي كما أسلفت.
معطيات وفرص الدور المصري في أزمة حرب إيران ومتوالياتها:
من المزعج حقيقة أن ما كان يسود الفضاء المصري أثناء الحرب شعور بالامتنان والاكتفاء حيث لم تتورط مصر في الحرب، كأن هذه الحرب ومتوالياتها لن تفرض على مصر تهديدات حقيقية بشكل مباشر وغير مباشر (وكأن معنى التهديد هو التعرض للتبادل الصاروخي والمسيرات بين طرفي النزاع!!)، وكأن الحرب لا تقدم فرصا حقيقية لإحداث نقلة نوعية في دور مصر الإقليمي وما يحمله من حزم كبيرة في المكاسب الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية، وأن هدر هذه الفرص على نفس درجة النكارة مثل استدعاء التهديدات !
باختصار، في تقديري مصر بما عندها من معطيات وموارد حالية كانت قادرة على القيام ب 50 % من حزمة التدخل الاستراتيجي في الإقليم والتعامل التوظيفي الإيجابي للحرب وفيها، وال 50 % الأخرى يسهل تحصيلها في فترة وجيزة نسبية بتحول نوعي في ملف محدد (التحول في القابلية الاستراتيجية والدفاعية Strategic and Defence Transformation). وهناك ثلاثة مرتكزات وخطوط عامة سأذكرها بإجمال مع التمييز بين ما ضاع منها كفرص وما هو باق، ماهو حاضر للشروع فيه بما اتفق حضوره من موارد، وما هو عالة على قرار سياسي بتحول استراتيجي ودفاعي.
نحو استراتيجية مصرية:
بناء الاستراتيجية المصرية للتعامل مع الحرب على إيران لا يقتصر على تصدير خطاب سياسي، وليس فقط أن يكون مرفودا بمواقف ديبلوماسية أو حتى عسكرية، ولكن أن تُصنع رؤية استراتيجية للتعامل مع الحالة ككل، الأهداف السياسية للحركة في الإقليم بما فيها وبالتوظيف لأزمة الحرب، ثم الخطوط الاستراتيجية المتناغمة في النشاط الديبلوماسي والعسكري- الدفاعي، ومفردة فقط من كل ذلك يكون الموقف السياسي والخطابي من الحرب!
التحليل المقتصر مع الخطاب المصري من العدوان الأمريكي على إسرائيل سيتفاجأ مثلا بتغيره عن الموقف من هجمات مايو 2025. في الأولى كان هناك رفض مصري حاد وقاطع لما حصل ووصفه بالعدوان، ولكنه هذه المرة نعم أدان التصعيد ولكنه لم يوصفه كعدوان جلي ليس فقط مخالفا للقانون الدولي ولكن يضرب أعراف الديبلوماسية الدولية (إذ أنه حصل تحت ستار من التفاوضات) ومن الدولة العظمى الأولى بما لها من مسئولية. وبالطبع شرع في إدانة الهجمات الإيرانية فقط على أمن الخليج، وصولا إلى اللقطة الدعائية في مفرزة طائرة الرافال بعد توقف الحرب فعليا.
الخطاب ملتبس، ولكنه هل هو جزء من خط استراتيجي ديبلوماسي مثلا يخدم استراتيجية شاملة ولأهداف محددة؟ لا يظهر، ولكنه اختزال الاستراتيجية في موقف، والموقف في خطاب.
وفي ذات الوقت، لم يؤيد المصري بالقطع العدوان على إيران وينساق في دعمه للخليجي لنشاط عسكري حقيقي، ولأنه يدرك بوضوح ماهية العدوان، والإشكال الحاصل في وجود القواعد الأمريكية المنخرطة فيه على أراضي الخليج العربي، وأن ما حصل هو خرق كبير في الأعراف الدولية باغتيال القيادة السياسية والروحية دون أي تبرير من القانون الدولي، وأنه جزء من استراتيجية التعملق الإسرائيلي وله مابعده. ومعظم الشعب المصري كان في خانة التأييد الضمني لإيران كما وصف ذلك بعض الأصوات القريبة من النظام المصري.
وكانت هناك بعض الأنشطة المصرية في المساحة الديبلوماسية الخاصة بمسعى تفاوضي بالاشتراك مع باكستان وتركيا، وبدأت إرهاصات ما وإن لم تتبلور كاستراتيجية واضحة في بناء تكتل إقليمي له درجة من التمايز والقلق ليس فقط من العدوان الأمريكي والإسرائيلي، ولكن من متوالياته بعد انهيار محور إيران وتعملق الإسرائيلي وانخراط الأمريكي في خدمة مسار الأخير. وكل هذا كان مثمنا من إيران، ولم تضع أبدا مصر في خانة العدو أو داعميه، وتفهمت لحد كبير اضطرار مصر لحركة الصورة (كمثل مفرزة الرفاة) تبعا للاستحقاق الخليجي.
ولكن الحقيقة – هذا أبعد كثيرا عن استراتيجية شاملة وجادة، فضلا أن تكون على قدر ضرورات هذه المرحلة الإقليمية وما تقدمه من فرص وتهديدات.
كذلك – نحن لا نحكي هنا عن تغيير راديكالي في بوصلة السياسة المصرية، أو نعطي لها أهداف أو نخلق مسارات فعل ليست حاضرة عند النظام، ولكن نؤكد أن إنضاج رؤية استراتيجية حقيقية، والتخييل غير المقيد بأعراف الروتين الديبلوماسي والنفس البارد، كان يمكنه أن يكون على قدر اللحظة ونكون أمام استراتيجية مصرية مختلفة.
هذه الاستراتيجية لها مرتكزات ثلاثة:
أولا) إعادة تمحيص الفرضيات وبناء سياق إقليمي منحاز للمصلحة العربية:
بناء السياق الإقليمي المستجد، معزولا عن الهيمنة الأمريكية، وحاجزا أمام التغول الإسرائيلي، ومنبتا لعناصر الاستقرار الإقليمي والسلم والتفاوض الإيجابي لحل المنازعات لابد أن يكون الهدف الأساس لهذه الاستراتيجية. وهذا يقتضي على الترتيب ثلاثة مسارات:
- صياغة خط حقيقي من التقارب الإيراني الخليجي لصيغة خفض التصعيد وضبطه، دون أن يشوش على حق إيران في رد العدوان، ويقلل حجم الخسائر والاستهداف على دول الخليج (وصيغة قصر الاستهداف على القواعد الأمريكية، مع تعهد الخليجي بمراجعة هذا الملف بعد الحرب هو مفتاح الأمر). وفي سياق أوسع التوسط الجاد بين الأمريكي والإيراني استغلالا لما حكينا عنه من الجمود الاستراتيجي تبعا للوصول لنقطة الذروة.
- ثم يساعد الطرفين بالأخص الخليجي لمراجعة الفرضيات الأساسية التي حكمت مسارهما السابق (الاعتمادية الأمريكية عند دول الخليج، ونزعة الهيمنة غير المنضبطة عند الإيراني)، ولكن هذا لن يحصل قبل إنجاز النقطة الأولى لأن المراجعة تقتضي الخروج من حالة الذعر والتهيب.
- التقدم برؤية وحافز الإطار الإقليمي والذي تكون مصر الحاث الأساسي فيه، بالاشتراك مع تركيا وباكستان. وكذلك لا يمكن التحرك في ذلك قبل النقطتين السابقتين، لأن مصر كانت تحتاج لبناء صورة (حقيقية وليست دعائية) أنها الطرق الإقليمي الأكثر موثوقية من حيث العدالة والتوازن، وقدرة في ذات الوقت أن تقود هذا المشروع.
لنتفكر، هل في هذه المسارات ما يفوق القدرة المصرية على الفعل؛ المنتوج شأن آخر ويرتبط بجملة من العناصر والاحتمالات الأخرى، أو يفرض عليها تغييرا راديكاليا أو يوصيها بأمور مجافية بشكل واضح لما تفكر فيه؟ لا. ولكنه إنضاج رؤية وصياغة استراتيجيات ومفردات منها، ودرجة من التخييل، بحيث لا تبقى المفردات وبعض الأنشطة المصرية مجرد نثريات خاملة لا تقود لشيئ حقيقي. ونظرة إلى باكستان مثلا، نجدها أنجزت حقيقة في ملف التوسط بين إيران والأمريكي، وتعامل الإيراني معها بشكل شديد الإيجابية مع أنها رقم أساس في البنية الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. لماذا؟ لأنها شقت من أول الحرب موقفا يدعمه خطاب يقوم على الحياد الإيجابي – هو نفس الموقف المصري ولكن يزيد عليه مفردة شديدة الأهمية: إدانة واضحة للعدوان الأمريكي الإسرائيلي ودعم إيران سياسيا وديبلوماسيا مع النقد الحاد لها في استهداف البنية التحتية الخليجية. بل أقول – مصر أو باكستان لو تبنيا هذا الموقف وأضافا له حتى الاشتراك الفعلي في الدفاع الخليجي ولكن خارج دائرة الأمريكي، وخارج مساحة القواعد الأمريكية – ستحتمله إيران وبالعكس تزداد الموثوقية.
الدول لن تنسحب خلف دول أخرى إلا بمصداقية حقيقية في مساحتين: العدالة والتميز الأخلاقي، والقدرة على الدفاع والإيذاء معا (قدرة من حيث الموارد والعزم resort/ credibility) !
ثانيا) الدور في المصري في الترتيب الأمني الخليجي.
والحقيقة هذه مسألة جوهرية وتخدم استراتيجية السعي لإنشاء إطار إقليمي حقيقي ودعم الخليجي في مراجعة فرضياته الأساسية بخصوص الاعتماد الدفاعي، لأنه البديل الوحيد مع تنويع البنية التسليحية الخليجية خارج المظلة الأمريكية وسآتي لهذه النقطة تاليا.
بخصوص مراجعة الاعتمادية الدفاعية – من ناحية، التقدم في بناء توافق خليجي وإيراني، والنجاح فعليا في تغيير السلوك العسكري والسياسي لإيران بالأساس وكذلك الخليج كان من شأنه أن يقدم دعما كبيرا booster ، لفكرة الإطار الإقليمي من حيث بناء الثقة وتقليل هاجس الاعتداء والخطر الذي يشعر به الطرفان (الخليج من تعديات إيران العسكرية وحتى اللعب بوتر الأقليات الشيعية في الخليج، وكذلك إيران أن الخليج هو رصيف عسكري platform أمريكي!)، وحينها فإن تقديم مصر رؤية واستعدادا حقيقيا ولكن بدوافع وشروط موضوعية كأخ أكبر بحجمه تاريخه وجغرافيته وكتلته البشرية العددية والنوعية (وليس تابعا لتوفية أثمان الأرز والتضعضع تبعا للوهدة الاقتصادية التي تعانيها مصر!!) سيكون له أثر تعاضدي مع تغيير الإطار الإقليمي ومراجعة الخليجي للتبعية الأمريكية ولو ليس بشكل كامل.
وبخصوص تنويع مصادر التسليح فهو متابعة للتجربة المصرية الجيدة حتى الآن وإن ينقصها الكثير. مصر لا تزال للأسف أسيرة منظومات التسليح الأمريكية ولكن المسار الذي بدأه النظام تحت ضغط الابتزاز وموقف الإدارة الأمريكية من إسقاط حكم الإخوان في 2013، تحول بعد ذلك لتحول أصيل حين أدرك المصري قيمته. والأمر هنا نسبي ولا نحكي كذلك عن تغييرات راديكالية، فأي تقليل من مستوى الاعتماد التسليحي وتنويع مصادره لأطراف غربية وشرقية سيعطي مساحة للمناورة الدفاعية والجيواستراتيجية على السواء وزيادة مخزون السيادة والاستقلال.
ما هو شكل التدخل المصري في البنية الدفاعية الخليجية؟ وهل عندها موارد وقدرة عليه الآن؟
الأمر أقل كثيرا من الانخراط العسكري والتواجد المباشر، ولكنه إعادة تفعيل للدفاع العربي المشترك، وإن بشكل أكثر تركيزا على بيئة الخليج وضمن منظومة أوسع كما ذكرت في شبكة الترتيب والأمان الإقليمي. ولكنه على ثلاثة مستويات:
1 ) التطوير والتحول الدفاعي؛ ذات الدور الذي يقوم به الأمريكي بشكل مغرض وخاصم من القدرة الحقيقية في هذا السياق. وأحكي عن البنية الدفاعية بكل مفرداتها – الاستراتيجية الدفاعية ووضع الأدوار، العقائد، استراتيجيات الاستحواذ والهيكلة العسكرية والقيادية، التعبيئة وأنماط التجنيد، وأخطر شيء الروح القتالية والمسحة الاحترافية للجيش.
2 ) التحالف الدفاعي في إطار عربي خليجي، وبتواجد تركي باكستاني. وأنا لا أقلل من قيمة هذا الأمر ولا صعوبته في ذات الوقت. والدارس لإنشاء الناتو وتطوره يدرك مدى تعقيد وتنوع هذه الملفات التحالفية، وحجم العقبات البينية والذاتية الواجب تجاوزها، وحتمية التدرج فيه، ولا يمكن الانتقال لمرحلة دون الأخرى، ولكن المرحلة الأولى الخاص بوضع الأطر المشتركة للدفاع والتدريبات وتقريب العقائد والتكاملية بين استراتيجيات الاستحواذ والتصنيع العسكري هي نقطة البدء. هذا (الناتو العربي – إسلامي) سيكون ممكنا بهذا الشكل وليس استحقاقا يفرضه الأمريكي ضمن استراتيجيته الإقليمية كما كان من قبل.
3) قبل الوصول لمراحل متقدمة من التحالف الدفاعي والتراكب الهيكلي وال interoperability مسنودا بميثاق واضح تدعمها التجربة، وخريطة واضحة للانتشار والتوظيف العسكري deployment/employment، فهناك ملفات لابد أن تنخرط فيها مصر كانتشار عسكرية ضمن طاقتها الحالية حتى لو رمزية. حينها يكون انتشار محدود لبعض مجاميع القوات الجوية والدفاع الجوي مثلا (بعد تحصيل الموافقة الدستورية عليها !!!) أمر مطلوب وممكن ويخدم عناصر الاستراتيجية الشاملة السابق ذكرها.
هل مصر تمتلك القدرة للقيام بما سبق؟ لو نحكي عن القدرة ككم بشري وتسليحي نعم، ولكنها لا تزال أبعد بشكل ملحوظ عن القدرة الفنية والمفاهيمية وهذا ما قصدناه بضرورة الشروع في تحول وتطوير للبنية الاستراتيجية والدفاعية.
بوضوح – ذات الملفات التي تقوم عليها الاعتمادية الدفاعية، هي ذاتها بشكل كبير قصورا مصريا! (بالأخص في جوانب مأسسة الاستراتيجية، وصنع الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، وتطوير العقائد القتالية والتعليم العسكري الأعلى والاستراتيجي، وملفات العلاقات المدنية العسكرية، والنسق القيادي العسكري، ومنظومة التجنيد والتعبئة، وما يسندها من ضبط استراتيجيات الاستحواذ والتصنيع، ودائرة البحوث العسكرية والاستراتيجية).
كما نلاحظ – فما سبق معظمه عالة على الإطار المفاهيمي conceptual لما يُعرف في العقائد الغربية بالقوة القتالية fighting power وانعكاساته على الأطر الأخرى: المعنوية، والتنظيمية والمادية. مصر عندها مادة الأطر الأخرى بشكل وافر، وعندها من التجربة التاريخية وأزعم الموارد البشرية (وإن كانت ليس بالضرورة ضمن صيغة الحوكمة السياسية والعسكرية للنظام حاليا) ما يتيح لها في ظرف أعوام قليلة أن تحدث طفرة فيما ينقصها.
لشخص مثلي قضى شطرا من حياته وهو يحضر في الدكتوراة مشغولا بوضع إطار القابلية الاستراتيجية وتتبعها نظريا وتطبيقيا في الحروب العربية الإسرائيلية، فيمكنني القول أن البون في كل مساحات القابلية الاستراتيجية (كمفاهيم ومأسسة وتطبيق) والقدرة القتالية على السواء كان شاسعا بين 73 و67 – ويمكنني أن أعطي مثالا يفيدنا حتى في فهم حدود الاعتمادية الدفاعية. فكما تتبع داني آشر بالتفصيل في دراسته Egyptian Strategy for Yom Kippur War، وبالرغم من الاعتمادية الدفاعية للجيش المصري على السوفيت في كل شيء تقريبا، ولكن المصري مثلا نجح أن يصيغ لنفسه عقيدة قتالية شديدة المفارقة في مسائل مفصلية عن العقيدة السوفيتية؛ ووجه الاختلاف ليس اختلاف البيئة والظروف البيئية – هذا سهل، ولكن اختلاف السؤال الاستراتيجي الذي تخدمه الاستراتيجية العسكرية وتُصاغ العقيدة القتالية كإطار مفاهيمي لتهيئة الجيش أن يقوم باستحقاقاتها.
والصدمة التي سأقولها – أن الفرق يبقى على ذات درجة الاتساع في مساحة القابلية الاستراتيجية والإطار المفاهيمي للقدرة القتالية بين 73 واليوم! ولن أوسع في الأمر فوق ذلك، ولكن الفكرة وصلت – أنها مهمة ممكنة وفي وقت قياسي.
ثالثا) الشروع في النافذة الوحيدة للتعامل الإسعافي مع القضية الفلسطينة.
أخيرا، دون تفصيل، فذات الأمر الذي قلناه عن الدور المصري في حرب غزة، واحتياجه أن يحشد رصيفا إقليميا عربيا ليستخدم قوته وموارده الضافية للتعامل مع مفردات الحرب الاستراتيجية والإنسانية، فهو قائم الآن. ولكن هناك تعقيد في السياق حصل لأن هناك تغول استراتيجي واسع وانهيار للإمكانية الحقيقية في استعادة ما كان ممكنا من عامين! مع ملاحظة متغيرين أساسيين.
- العديد مع الملفات يمكن التحوير النسبي في منتوجها، بالأخص إعادة بناء غزة، وقفل باب التهجير الطوعي، وتحجيم الهيمنة الإسرائيلية على غزة وكذا الضفة والقدس، وإعادة فتح ملف المسار السياسي دوليا (لأنه حتى الآن – النكسة الإسرائيلية دوليا لا تزال حاضرة وإن لا يمكن افتراض بقائها لفترة طويلة.
- عتبة الحشد الإقليمي كبناء وتحريك واستثمار (قيمته الضاغطة) صارت أعلى كثيرا، ولهذا فلايكفي فيه الاستنفار الطبيعي تحت وطئة الحرب على غزة والتراجيديا التاريخية إنسانيا، ولكن الأمر تحول لملف سياسي وإنساني (عادي) يتطلب درجة أعلى من قوة إطار إقليمي لفرضه على إسرائيل والأمريكي بالمقايضة مع ملفات وأوراق قوة حاضرة بالفعل.
30 مايو 2026
————-
ملحقات:
1 ورقة تقدير موقف لحرب غزة مصريا
https://drive.google.com/file/d/1ZtTRzEknnLciZ9mIj–EOYCkXmZJo8xW/view?usp=drive_link
2 مقال عن تقويم استراتيجي لعاصفة الحزم
3 ورقة عن استراتيجية الخروج من حرب اليمن
https://drive.google.com/file/d/1y6pAjtl1GretfZR5Rx76D8V55O8ZBG4X/view?usp=drive_link
4 مقالان في مرحلة ثورة يناير – 2011، عن – التعامل مع معاهدة السلام، واستراتيجية تثويرية للأمن القومي
[1] ماجستير ودكتوراة في الدراسات الاستراتيجية – جامعة ريدنج (انجلترا)




تعليق واحد