حول تصور كلاوزفيتس لغايات الحرب المحدودة والحرب اليائسة – وسردية السابع من أكتوبر

قرأتُ للتو في دليل برنارد برودي لقراءة “عن الحرب” (ص 971 في النسخة العربية) فقرةً عن موقف كلاوزفيتز من تردد ملك بروسيا فريدريك وليم الثالث أمام نابليون، وهذا أعاد إلى ذهني سؤالي هنا.
يبدو أن كلاوزفيتز كان يرى أن للجدوى بُعدا غير مادي، حيث غضب من رفض الملك مساندة النمسا عام 1809، ثم من اختيار الملك بعد عامين ألا يقاتل نابليون وقبوله تحالفا معه، وكتب إلى صديق له: “قد يُجبر المرء على القيام بعملية ما، دون أية فرصة للنجاح، إن استحال عليه القيام بأي شيء آخر”.
اللافت أن برودي يرى أن “المستحيل” في نظر كلاوزفيتز هنا معنوي، بمعنى إنه أمر مخزي “dishonorable”، ويخطّئ كلاوزفيتز باعتبار أن موقفه لم يخلُ من عاطفة، وأن قرار الملك عُدّ في النهاية الأحكم لمصلحة الدولة، لأن بروسيا لم تكن تملك فرصة للصمود.
فما رأي حضرتك: هل الجدوى قد تكون معنوية رغم رجحان وربما التأكد من الهزيمة المادية، وهذا يبرر الحرب الاستباقية اليائسة؟
ولا يخفى على حضرتكم أن فكرة “أن تضرب أنت أولا طالما أنك لا محالة مضروب”، تُسقط مثلا على حالة 7 أكتوب رفما رأي حضرتك: هل ممكن تكون الجدوى “معنوية” رغم رجحان الهزيمة والدمار المادي؟ وهل ممكن شن حرب استباقية يائسة؛ لأسباب معنوية؟
—
لا أدري هل أجبتك على رسالتك السابقة أم لا، وأعتقد أنهما في ذات النقطة،
دعني أتناول ما قصده كلاوزفيتس في مسألة غايات الحرب المحدودة ورسالته لصديقه عن (أن نُجبر للقيام بعملية ما دون أي فرصة للنجاح)، ثم أتناول مسألة اعتبار البعد المعنوي في ظاهرة الحرب والاستراتيجية، ثم أختم بتناول موجز وحاد بعض الشيء لمسألة تطبيق ذلك على 7 أكتوبر والسردية المحيطة بها ، لأنه للأسف لا تزال تلك السردية حاضرة وبالأخص عند أصحاب الشأن ممن يُنتظر منهم المراجعة والتصحيح !
أولا) غايات الحرب المحدودة..
لئن الكتاب الأول لكلاوزفيتس هو أعمقه وأدقه في التعبير عن ظاهرة الحرب وهو من ضمن ما أعاد مراجعته وتكثيفه قبل أن يوافيه القدر ليعيد مراجعة بقية الكتاب، فإن الكتاب الثامن ( وفيه الفصل الرابع والخامس الخاصان بغايات الحرب المحدودة والذي جاء تعليق برودي الذي اقتبسته عليه) هو لُب نظريته في الاستراتيجية.
وكتاب (عن الحرب) – لاحظ ليس (عن الاستراتيجية) – تعامل مع الاستراتيجية بشكل متكرر على أنها تتضمن ما نعرفه في عصرنا بمستوى العمليات كذلك – وعلى هذا كما في المقدمة عرّف الاستراتيجية (قيادة العمليات العسكرية)، وكما تضمن فصل (الاستراتيجية) في الكتاب الأول أمورا مثل التفوق العددي، الدهاء، المباغتة، حشد القوات، العنصر المعنوي، الاحتياط والاقتصاد بالقوة …. وهذا مفهوم لأن مستوى العمليات كما نعرفه لم يترسخ كمستوى مستقل إلا بعد الحرب العالمية الأولى وبالأخص في الطرح السوفيتي لتوكاتشوفيكي و سيفيشين، وإن كان ظهر عمليا مع حروب نابليون لوجود الحاجة نظرا لاتساع الجيوش ومسارح العمليات وما يقتضي ذلك من توزيع شريط القيادة العسكرية والاتصال والأهم – نسق الجمع بين النثريات العسكرية في منتوجات المعارك للوصول لنتيجة عسكرية متماسكة على مستوى الجبهة والحرب ككل – دور الاستراتيجية الربط بينها وبين التأثير على إرادة الخصم السياسية في عملية شديدة التعقيد والتحوّل.
المهم – أن الكتاب الثامن – قصد لتوضيح هذا الجزء الصافي من الاستراتيجية – مُفرزا وصافيا من أي التباس بمستوى العمليات الذي دخل فيها بحكم غياب الفصل وشق مستوى مستقل (فكل ما هو فوق التكتيك أي المعارك كان يتم اعتباره استراتيجية). وكما عرّف كلاوزفيتس الانتصار العسكري (أنه مفهوم تكتيكي) ولكنه (أداة) الاستراتيجية. وفي أول الكتاب الثامن ذكر كلاوزفيتس بوضوح أنه يتحدث عن الاستراتيجية الصافية
Pure strategy
وأهم نقطة بارزة في مقاربة الاستراتيجية الصافية تلك هو التمييز بين نمطين من الحرب – الحرب ذات الأهداف الشاملة التي تقصد لتحطيم إرادة الخصم السياسية بحيث يكون مُذعنا بالكلية لأهدافنا السياسية وذلك عبر تحطيم مركز ثقله (أي المركز الذي تعتمد عليه إرادته السياسية وقدرته على المقاومة). وفي هذا الكتاب – أوضح بجلاء كلاوزفيتس حجم العبث والتشويه لنظريته والتي اتهمه بها الكثيرون (وعلى رأسهم ليدل هارت) أنه قصد تحطيم الجيش لأنه مركز الثقل الأساس في معركة فاصلة
Annihilation
وأن هذا السراب هو المسئول – كما أشار هارت – عن مأساة الحرب العالمية الأولى بالمخالفة حينها لمنطق القوة ومعطيات الأسلحة التي كانت شديدة المحاباة للدفاع لا الهجوم، مع تضخم الجيوش واتساع الجبهات والاستخدام الكثيف للمدفعية والألغام والأنساق الدفاعية المركبة في العمق.
ولكن كلاوزفيتس بوضوح أشار أن مركز الثقل هذا متغير على حسب طبيعة النظام السياسي نفسه وبنية الصراع! فقد يكون الجيش في كثير من الأحوال، ولكنه قد يصبح العاصمة أو صيغة الحلف المضاد أو الروح المعنوية والفكرة المركزية عند الشعب.. وهكذا
ثم يأتي الفصل الرابع والخامس هنا عن الغايات المحدودة، حين لا يمكن امتلاك القدرة على تحقيق الدينامية السابقة، وأضيف – أو لا يكون الانتصار الساحق مطلوبا لأنه يُخل بتوازن إقليمي مثلا لمصلحتنا (ماذا أفاد تحطيم العراق مثلا في اتساع النفوذ الإقليمي لإيران)، وهكذا. وكلاوزفيتس الحقيقة لم يتناول في هذا الفصل بالتفصيل أي دينامية في هذه الحرب، ولكنه بشكل أساس حكى عن (قرار شن الحرب!) وهذا ما اقتبسه منه برودي. ولكنه الحقيقة تناول ديناميات ممكنة في هذا الخط في الكتاب الأول في مواضع – منها حين تحدث عن التأثير على الحساب السياسي للخصم أو إشعاره بعدم الأمان أو الخوف أو تكريس قناعته بعدم القدرة على تحقيق الانتصار – وقد يتم هذا باستهداف محدود لأي من مراكز الثقل أو عمليات لها طابع من الهزة السياسية
Political percussion
لأن المقصد كما أشرنا ليس في تحطيم إرادة الخصم وإزالة أدوات ممانعته، ولكن تحوير تفكيره وحسابه الاستراتيجي.
أما قرار شن الحرب فهو شأن سياسي بشكل أساس، ولكنه بالتأكيد من ضمن ما يعتمد عليه هو قراءة استراتيجية بتشخيص حجم التهديد والمصالح وإمكانية تحقيق أهداف سياسية عبر مسلك عسكري، تفتح الاستراتيجية للتفكير السياسي في هذه النقطة مسارات ممكنة للتخير بينها – أي الأقدر على تحقيق الهدف السياسي بأقل الموارد والأضرار! الاستراتيجية تعطي لصانع السياسي رؤية مجرد عن حدود القوة وجدوى المسارات الممكنة، ولكنه مسئوليته في الأخير تبعا لقناعته ومفهومه الأعلى للدولة والأيديولوجيا التي يحملها أن يأخذ هذا القرار من عدمه – لأن هذه العناصر كذلك تتحكم في القرار السياسي وليس فقط التقدير الاستراتيجي!! أتمنى أن تكون هذه النقطة واضحة.
فكلاوزفيس يقول مثلا أن الاستراتيجية تقول للسياسي أن هناك حالات ثلاث – أن يقود استشراف موازين القوى مستقبليا إلى أن الوضع لصالحنا فهنا يسمح لنا المنطق الاستراتيجي إما أن نقوم بحرب محدودة (هو ذكر احتلال جزء من أرض الخصم – ولكننا نعلم أن مخروط الأهداف العسكرية الممكنة ومتواليتها استراتيجيا على إرادة الخصم أوسع كثيرا من هذا) أو الانتظار دفاعيا. والحالة الثانية أن يقود المستقبل لوضع في صالح العدو فهنا يدفعنا المنطق للمسارعة في شن الحرب (أيضا هنا لم يتحدث كلاوزفيتس عن طبيعة الحرب وحجم الاستهداف ومتوالياته – ولكن اكتفي بتكريس مبدأ الفعل العسكري) وكما أشار برودي – فإن تصور إنجلز ولينين لهذه النقطة أكثر عمقا وثراء – أننا نقيس أصلا حدود محاباة المستقبل للخصم وهل هي تفوق حساب المصالح والخسائر لشننا لحرب استباقية. ثم الحالة الثالثة حين لا يشي النظر المستقبلي بأي ترجيح لأي طرف، حينها يجد الطرف ذو الأهداف الإيجابية (أي يريد تغيير الواقع لصالح وليس الحفاظ عليه) أن يتحرك عسكريا وليس ذلك الذي يريد الحفاظ عليه
Keep the status quo
(مثلا حرب 73 للمصري)
ولكن أختم هذه النقطة بالتوكيد على مسألتين:
- أن قرار شن الحرب يبقى سياسيا، وإن اعتمد على قراءة استراتيجية خاصة بالجدوى. إن قالت لك الاستراتيجية أن هناك تدمير لك وخسارة فادحة وعجز عن تحقيق الهدف السياسي، ولكنك اخترت لنزعة أيديولوجية أو مصلحة شخصية أو فصائلية أو بعد غيبي أو كرامة وطنية وشرف عسكري أن تخوضها، فهذا خيارك بالطبع الذي تُحاسب عليه وطنيا وشعبيا بعد ذلك، ولكنه ليس مسئولية القراءة الاستراتيجية التي لابد أن تكون موضوعية بشكل كامل واعتمادها فقط على مسألة الجدوى.
- قرار القيام بحرب أو عمل عسكري شأن، وتفصيل هذا واجتهادك في بناء مخروط استراتيجي من ارتباط بين الهدف العسكري وحجمه وطبيعته وشروط تحقيقه وبين متوالياته التأثيرية على بنية اتخاذ قرار الخصم وإرادته السياسي شأن آخر. نعم بينهما ارتباط، ولكن قد أتفق معك في ضرورة القيام بعمل عسكري ما، ولكنك قمت به بشكل كارثي استراتيجي ويخالف منطقها ذاته، أو تتحرك فيه وأنت لا تدري طبيعة الحرب التي تشنها أو تستبدلها بشيء آخر.
ولهذا أكد كلاوزفيتس في كتابه الثامن هذا
(أن أهم دور للقيادة السياسية والعسكرية أن تعرف طبيعة الحرب التي تشنها قبل شنها!!) أ
أي أهدافها وخيارها الاستراتيجي ومنطقها، وجدوى وتأثيرات استخدام القوة. ومن أفضل الفصول في هذا الباب كذلك الذي عنونه كلاوزفيتس (أثر الغاية السياسية على الهدف العسكري)
الحقيقة – أن قيمة الكتاب الثامن وفصوله ليس أن نأخذ تفسيرات ومقايسات كلاوزفيتس بشكل حرفي وتحكمي، وهناك كما أشار برو]ي تغييرات يفرضه حتى تغير الزمن، وكما نص كلاوزفيتس نفسه – أن لكل زمن نظريته في الحرب، ولكن هذه الروح الاستراتيجية في الاقتراب من ظاهرة الحرب بشكل مطرد.
وبتطبيق ما سبق على السابع من أكتوبر تظهر لنا إشكالات جوهرية:
- أن الإشكال الأول لم يكن في قرار شن عمل عسكري كبير، ولكن غياب المخروط الاستراتيجي السابق ذكره، وأهمه وضوح الأهداف السياسية ثم مناسبة القدرات والموارد اللازمة للخيارات الاستراتيجية (كيفية ترتيب الأدوات والمنتوجات العسكرية ومتوالياتها لتقود لأثر مناسب لتحقيق ذلك الهدف).. فهدف كتعطيل التطبيع السعودي، يختلف فيما يقتضيه من مخروط استراتيجي، عن هدف بناء زخم ضاغط لعملية تبادل أسرى لغرض وطني أو تدعيم شرعية فصيل في معرض التنافس على تمثيل المشروع الفلسطيني، على هدف ضغط على إسرائيل لتعديل سياستها في الضغة وتخفيف الحصار عن غزة، عن هدف تحريك لعجلة التفاوض السياسي إقليميا ودوليا في مفردات القضية الفلسطينية (الدولة، واللاجئين والقدس والأرض المحتلة)، عن هدف طوباوي ما للتحرير (يقتضي تغييرا تكتونيا في بنية الشعوب والأنظمة وقدراتها وشروط التحالف الاستراتيجي الشامل والترجيح بين نظريات متباينة في منطق التحريك الاستراتيجي اللازم لحرب التحرير تلك،
وعندنا صيغ مختلفة غائمة ولم يتم الترجيح بينها أو إدراك نسبية كل منها تبعا للسياق كما شرحت في سابقا في محاضرات الصراع العربي الإسرائيلي) - ثم حين تم شق خيار عسكري كيفما اتُّفِق – دون وضوح هذا المخروط – كان مصادما لبديهيات استراتيجيات الحرب المحدودة وتكييفها الخاص في حرب المقاومة والتي تعتمد على ضغط نمارسه على المحتل (القوة الأكبر) في مصالح تحسينية وحتى حيوية لندفعه للتنازل الطوعي تبعا لتغيير حسابات المكسب والخسارة ، وأننا لو قمنا بنشاط عسكري يهدد وجوديا أهم فرضيات بقائه حتى لو بشكل رمزي أو يمكن توظيفه (نظرية الأمن المطلق والحساسية الشعبية ومسئولية الجيش ) فنحن ندفع للحرب بمنطق الغاية الشاملة والتي لا تمتلك حركة مقاومة مهما تخيلت في ذاتها معايير القوة المادية والمعنوية مساحة للنصر فيها!
ثم إن بقاء غزة على هذا الوضع – ضمن حصار مستمر وإلقاء كلفة الاحتلال وإعاشة شعب غزة على حماس ودفعات من النشاط العسكري لتكريس الردع – هو خيار إسرائيلي بالأخص تبعا لسياسة التمييز، أي ضرب القضية الفلسطينية وإمكانية مسار الدولة بالفصل بين الضفة وغزة، وأنه في اللحظة التي تسفر هذه السياسة عن فشل فرضيات المصلحة الاستراتيجية من هكذا خيار وظهوره كتهديد (تم تصويره أنه تهديد وجودي) فإن الإسرائيل يشرع في احتلال غزة فورا وعدم السماح بأي سلطة لحماس مستقبلا – بغض النظر عن حجم المجزرة التي يتم ارتكابها شعبيا وأي تصور عن قدرة لرفع تكلفة الاحتلال بمسار من حرب العصابات ضمن صيغة التمايز العسكري الشعبي لا يمكن استمرارها عملياتيا. - كذلك – طبيعة العمل العسكري نفسه فيما يتعلق بأخلاق الحرب واستهداف المدنيين واختطافهم كان شديد الفجاجة على صورة القضية وتكريس لفرضية إسرائيل التدعيشية لحماس، وتتصادم مع قواعد القانون الدولي، ولا أناقش أي منطق عدالي أو فقهي يُصحح هذه الممارسات أو يجرمها، ولكن كيفية تسييق وتقييم ذلك استراتيجيا فيما يتعلق بإعطاء ذرائع للخصم أن يحشد سياسيا وشعبيا ودوليا لحربه ويزيد مساحة سقف مذبحته في شعبنا، وكذلك – تتغير جذريا معادلة حسابه الاستراتيجي وحساسيته البشرية للخسائر. وهذا مثلا نسف الفرضية الخاصة بتنازله أمام الرهائن المدنيين، أو حتى حساسيته للخسائر البشرية في العمل العسكري.
- والأخطر ، هو استشراف أثر كل هذه الإشكالات على الحاضنة الشعبية، ولا أحكي هنا من منظور المسئولية الوطنية والأخلاقية لأي قيادة أن تحفظ دماء شعبها فلا تهراق إلا بحسابات دقيقة واضطرارات استراتيجية وشرعية متيقنة وأن تتحسب كموارد ودعم إنساني ولوجستي وصحي للمذبحة المترقب حصولها لا محالة، ولكن لأن الحاضنة تلك هي مركز الثقل الاستراتيجي الأساس في مشروع المقاومة واستمراريتها بل المشروع الوطني الفلسطيني القائم على التجذر في وليس تكفير الناس في وطنها بضرب مستمر وبلا أفق في سلامتهم الإنسانية والأسرية، حتى لو كانت المقاومة قيادة وجنودا وعائلاتهم في طليعة المتقدمين لعتبة الشهادة والتضحية.
- أخيرا، تصوير أن البديل عن السابع من أكتوبر هو الاستسلام أو إبقاء الوضع كما هو عليه أو انتظار لمستقبل أسوأ على القضية الفلسطينية هو قصور إدراكي وفي الوعي الاستراتيجي بأحسن التقدير، وتزييف وتدليس متعمد بأسوئه.
أ) التناقض في سردية السابع من أكتوبر، هو في كيفية جمع الإسرائيلي بين مسار التطبيع مع السعودية، وفي ذات الوقت استعداده لعملية كبرى لتصفية القضية الفلسطينية بإعادة احتلال غزة وضم الضفة!! بل إن أهم أسباب الخداع الاستراتيجي والإنجاز العسكري الكبير في السابع من أكتوبر هو التعمية الإدراكية عند الإسرائيلي لقناعته بالمبدأ الاستخباراتي
concept
أن حماس تم ردعها، وبالأخص بسبب ضعف رد فعلها على عملية أغسطس 2023 في تصفية قيادات الجهاد.
وحين سألت بعض من التقيتهم من الفلسطينيين عن شواهد ما لهذه الفرضية التي تمت إشاعتها فلسيطينيا بعد السابع من أكتوبر، أخبرني عن خطة الحسم.. وأزعم أني قريب بشكل مستمر من متابعة الوضع الداخلي الإسرائيلي بكل مفرداته وحساسياته وبنية اتخاذ القرار عنده، ولم يضرب هذا عندي جرسا. وبعدها تذكرت أنه يقصد خطة الحسم التي طرحها سموتريتش في دعايته الانتخابية. هذا الشخص الأخرق الملفوظ حقيقة من بنية اتخاذ القرار (تم عزله عن المجلس الأمني لحكومة الطواريء التي أراد نيتنياهو تأسيسها أول الحرب وتعثرت بعد ذلك) والذي لا يتحرك إلا بمنطق المزايدة الانتخابية ونعلم جيدا كيف ولم تعامل معه نيتنياهو. بل حتى ندرك حدود التمايز بين تصورات نيتنياهو ودوافعه وما استقرت المؤسسة العسكرية والأمنية عليه من أعراف ومنطلقات في التعامل مع الملف الفلسطيني والإقليمي وأن المعادلة لا تسري هكذا في صنع الاستراتيجية الإسرائيلية.
ب) أن الخيار قطعا ليس بين الحرب غير محسوبة العواقب ولها آثار وخيمة على المشروع والإقليم، وبين الاستسلام – حتى بافتراض عدم حصول تهديد وجودي مترقب على غزة. فمسار مابعد (سيف القدس) كان يعطي فرصا حقيقية لتجديد المشروع الوطني الفلسطيني وبناء روافعه ومساراته الاستراتيجية، بإعادة المركزية للقدس والضفة، والتنويع بين أدوات المقاومة العسكرية والشعبية في الضفة وداخل الخط الأخطر، والتحريك المتقن لبؤرة الصراع وإحماءاتها مع السياق الإقليمي والدولي لتحصيل مكاسب تدريجية، والأهم – استغلال كل لذلك لتدعيم شرعية المقاومة ضمن مسار لبناء قيادة فلسطينية موحدة وجسد لمشروع وطني، بدون ذلك لا يمكن مراكمة وتحريك أي مكتسباب سياسية لا على مسار سيف القدس أو أي مسار آخر – حتى السابع من أكتوبر!
وقد تناولت بتفصيل بعد (سيف القدس) معالم تلك الاستراتيجية البديلة، وكنت مؤملا حقيقة أن تتحرك حماس، والسنوار تحديدا فيها وكان لذلك شواهد عندي، ولكن للأسف الشديد – حصلت مفارقة حادة لأي منطق رشيد وسياقي وربما هذا يرتبط بشخصية السنوار نفسه وتجربته في الأسر الطويل.
ومسألة القيادة الفلسطينية الموحدة، والتي بشكل أو بآخر تكون مقبولة في التحرك الإقليمي والدولي – مثلا كان من أهم بنود الاستراتيجية الإسعافية التي طرحتها مباشرة ثاني يوم للسابع من أكتنوبر، وحينها سخر وطعن في طرحي للأسف من تعوزه بديهيات الوعي الاستراتيجي أو الاستقامة الأخلاقية (إذ كيف تتخيل أن هذه الحركة المجاهدة تقعد مع العملاء والخونة!)
يا صاح! هذا شعب فلسطيني وليس مستودع تنظيمي لهذه الحركة بفرض رشدها المطلق ضميريا وقدراتيا، وهناك تعقيدات سياسية ودولية وإقليمية لا يمكنك التحرك للأمام دون مراعاتها. والنبي المرسل كان يراعي اعتبارات عديدة في هذا الشأن في كل مراحله في مكة مع كفار قريش، أو المدينة مع اليهود والمنافقين! وهو محل العصمة، وعدوه محل الخيانة والكفر دون شعرة من توهم أو شك!
وبالطبع – لعام تلى ذلك تمنت حركة المقاومة بناء صيغة توافق وطني وطارت لتقعد مع (هؤلاء الخونة) في الصين وروسيا وأي مكان.
وللأسف- الوقت كعامل يفرق، فبعيد السابع من أكتوبر كانت هناك هالة شديدة الإيجابية لحماس داخليا وشعبيا وكان أمامها حظوظ من القوة الوطنية، وأيضا الطريقة تفرق، فلسنا هنا في معرض إعادة صيغة المصالحة البائسة ودوامات مفردات بناء السلطة المشتركة ودولاب الانتخابات !! ولكن استغلال الظرف لبناء قيادة وطنية مؤقتة لإدارة الشأن السياسي والتفاوضي للحرب لكبح الكارثة عن الشعب ومحاولة الوصول لصيغ تفاوضية وسيطة، وبالتعامل الانتقائي مع أطراف في فتح والسلطة أفضل نسبيا من أخرياتها وفي لحظة مفصلية وليس الانغماس ثانية في ملهاة الحوار الفصائلي والتي ممكن الدخول لها في مراحل تالية.
ثانيا) آتي هنا لما قاله كلاوزفيتس لرسالته لصديقه في نقد لتصرف ملك بروسيا حين رفض شن الحرب ضد نابليون في الحملة التي انتهت بواجرام، تبعا للخسارة الفادحة المبكرة أمامه في جينا وأوسترليتز، بل وتحالفه الجزئي معه في غزو روسيا تاليا، وأن كلاوزفيتس نفسه انحاز للمعسكر الروسي حينها. وقول كلاوزفيتس (أننا نجبر على القيام على عملية عسكرية دون فرصة للنجاح) وتخطئة برودي ذلك أنه تصرف عاطفي.
الترجمة ليست دقيقة – فاللفظ هو
Romantic
أي عاطفي ولكن يشي بغياب التفكير الموضوعي. كذلك برودي لم يفسره فقط بأن الإجبار هو معنوي، ولكن تمديدا لرأي كلاوزفيتس حول عدم محاباة المستقبل فنتحرك (الآن أو أبدًا). وأنه كما قال برودي أن الواقع أثبت أن خيار ملك بروسيا كان صائبا في عدم مواجهة نابليون عسكريا في حملة واجرام. طبعا أنا لا أصحح خيار ملك بروسيا على إطلاقه وبالتأكيد أبقى ممتعضا من مشاركته في حملة روسيا 1812 وهنا قيمة الاستراتيجية أنها تعطي لك جملة من الخيارات وتراكيب النشاط العسكري والديبلوماسي بحيث لا يكون الخيار بين أن تخوض حربا مستحيلة أو الخضوع والانخراط في معسكر العدو!!
ولكن أقول – أن الجيش الذي حافظ عليه ملك بروسيا في 1809 هو نفسه الذي واجه نابليون وكسره في معركة واترلو في 1815!
كذلك – بتطبيق هذا على السابع من أكتوبر، لا أرى أن الأمر كما أسلفت في النقطة السابقة يمكننا أن نسميه (عملية يائسة نجد أنفسنا مضطرين للفعل أمامها)، فلم يكن الوضع ضاغطأ بشكل حرج، ولكن بالعكس، المأزق الحقيقي كان في تنويم القضية والدخول في مرحلة التطبيع، وهذه كانت تقتضي تصورا شاملا لمواجهتها وليس بتفجير الوضع دون حساب واضح. فهناك خيارات متعددة وليس خيار وحيد (يائس)، بل إن خطاب حماس لشهور كان بالعكس يستعلن أن العملية كان تحولا تاريخيا وللتحرير كما يشي عنوانها (طوفان الأقصى) وليس عملية يائسة.
وكمسئولية قيادية وأخلاقية، وحتى بالمعيار الديني، هذا النوع من العمليات بالطبع قد يجد القائد نفسه مضطرا أمامه، أن يضحي بنفسي ليحتفظ بشرفه الديني والوطني والعسكري، وهذا حصل في تاريخنا البعيد والقريب، ولكنه غالبا يكون في موطن الدفاع، ولا يفرض القائد على من معه أي التزام لا يختارونه بأنفسهم. وهذا عين ما فعله الإمام الحسين عليه السلام، حين أدرك فشل ثورته، وطلب أن يعود للمدينة، فرفض ابن زياد وجيشه طلبه إلا أن يذعن ويستسلم، فأبى. ولكن الحسين أحلّ من معه من بيعته وسمح لمن يرغب بالمغادرة، ولم يتبق معه غير سبعين من الأنجاد الشهداء. القصد – أن خيار الفناء في الحق دون ملاحظة أي جدوى يبقى خيارا شخصيا ولا يجب على القائد أن يُحمله جنوده فضلا عن شعبه.. وكما في الحديث (من ولي أمر عشرة ولم يجتهد لهم وينصح لم ترح أنفه رائحة الجنة)، وليس أقدس من دم المسلم أن نحافظ عليه وبما حتى يفوق جلالة الحرم كما في حديث آخر. أما خيار المرء في دمه وتصدقه به فهذا شيء آخر نقدره ولكنه ليس من وظيفة القائد.
ثالثا) كلمة عن البعد المعنوي في ظاهرتي الحرب والاستراتيجية.
من أهم ما يُميّز كتاب كلاوزفيتس هو إعلاء من شأن هذا البعد في معاكسة جوميني الذي استحالت الاستراتيجية في جلها عنده لمقاييس خططية وجغرافية وقواعد صماء للنجاح العسكري والاستراتيجي… وأهم ما تجلى في هذا البعد في نظرية كلاوزفيتس
- في ثلاثية الحرب المقدس، أنا ظاهرة الحرب كغايات وفواعل وممارسة تعتمد على ثلاثة أركان – النزعات العاطفية والغريزية المتفلتة، الجسارة في مواجهة الخطر والمغامرة أمام المجهول، والحساب الدقيق للأهداف والخيارات والآثار.. وأنه يمكننا افتراضا وليس تحكما واستقصاء أن نربط هذه الدوائر بالشعب والجيش والحكومة على الترتيب.. ونقول أغلبيا لأن الشعب والذي هو مادة القتال ليس هو فقط المقتصر على البعد العاطفي ولكنه يتمظهر بأشكال كذلك في القيادة العسكرية والقائد السياسي، ولكن في حقيهما تظهر فواعل الجسارة النفسية والدقة في الحساب على الترتيب.. وهكذا. ولقد ناقشت قديما قيمة هذا في التفكير الاستراتيجي وفهم طبيعة الخصم والذات كبيئات اتخاذ قرار وكيف يمكن تحريك هذه العناصر ومراعاتها في استراتيجية ما وتبعا لطبيعة الحرب التي نختارها ذاتها.
- وكذلك في فهم عنصر الثقل في الأداء القيادي والاستراتيجية وانحيازه للبعد المعنوي في الجاهزية والصلابة النفسية والإبداع الإدراكي والتخيلي للقائد
The Genius
وبالرغم من فجاجة طرحه في هذا الشأن عموما وبالأخص حين نضعه في مقابلة الفكر والنظرية الاستراتيجية، ولكنه بلاشك له قيمة وأننا يمكن أن نرى تخليق عبقري الحرب هذا عبر عملية مضنية تتزاوج فيها القابلية الذاتية والاستواء النفسي وحدة الإدراك مع بساطته والتصلب النفسي، مع التأهيل المعرفي والرياضة الذهنية والخبراتية في التحليل النقدي للتاريخ واختبار الفرضية النظرية تحت مجهر التجربة، وأن هناك معادلات من التركيب القيادي لابد لكل أمة ودولة أن تصنعها، وتتمايز على حسب الدور والوظيفي حتى في ذات المجال، فالقائد العسكري غير الاستراتيجي غير المُنظّر ولكل دوره في تكامل وتلاقح مستمر.
- ثم في العنصر المعنوي في القتال نفسه، وهو بلاشك قريب من الطرح الديني (وكم من فئة قليلة غلبة فئة كثيرة بإذن الله)، فنعم يعلي الطرح الديني من حيّز الغيب والدعم الإلهي، ولكن تجريبيا يمكن تفسير هذه الظاهرة بما تقدمه الروح القتالية وجرأة القيادة ومثالية التضحية والتآلف المعنوي بين القادة والجنود والروح الأخوية بين فرق الجند، وكل هذه عناصر معنوية، لها قيمة ضافية وتعويضية حتى على نقص العدد والمعدات في مقابل العدو. ومن هذه الزاوية فهو ليس حصرا بالمؤمنين، بل هي خاصية ظهرت تاريخيا مع القادة الفاتحين مثل ألكسندر في معارك جرانيكوس و ايسوس وجواجيمالا أو هنبعل في قاآني وتريبيا أو صلاح الدين في حطين أو قطز وبيبرس في عين جالوت.. نعم – نؤمن كمؤمنين أن هناك يد غير بشرية فاعلة في مساندة الصف المؤمن، ولكن حتى القرآن جعل هناك مقايسة لحجم الأثر الإيماني في معايير التوازن العسكري ! وإلا لم يقل (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألفا يغلبوا ألفين بإذن الله). بل إن مرتكز العقائد القتالية الغربية على إطار كلي – القدرة القتالية
Fighting Power
ونجده يرتكز على 4 ركائز – مفاهيمي، وتنظيمي، ومادي، ومعنوي!
ونضيف على تناول كلاوزفيتس الصريح للشأن المعنوي للحرب، أمور ذكرها أيضا ولكن ليس بهذا الوضوح:
- على مستوى الاستراتيجية، فالشق غير المادي وغير المنظور – والمعنوي بالأساس حاضر بكثافة. الاستراتيجية ذاتها هي إطار ذهني ناظم وغير مرئي يعتمد على فرضيات في حصول النتائج العسكرية وآثارها على بيئات اتخاذ القرار ومراكز الثقل للأطراف الحاضرة بالصراع. بل هذه الآثار تحديدا ترتبط بشق معنوي وهي تحوير الإرادة السياسية والقدرة النفسية
The will of the enemy
على الممانعة العسكرية والسياسية معا
Resort
وهذا أصعب شيء في فهم الاستراتيجية وتنفيذها أن منتوجها يستحيل قياسه كميا ويصعب قياسه أصلا.
- كذلك – كما أشرت فيما يتعلق بالبيئات الاستراتيجية، نعم التقدير الاستراتيجي لابد أن يكون خاليا من أي تحيز عاطفي أو ديني أو نزعات معنوية، ولكن صنع الاستراتيجية ذاتها يدخل فيها كل ذلك، ونحن بإدراكنا للتحيزات تلك القائمة في بيئاتنا وبيئات الخصم يفتح ذلك لنا مساحات من التوظيف ومراكمة أوراق القوة تلك عندنا، والنفاذ من ثغرات الضعف للخصم، بل وتحوير خياراتنا العسكرية والاستراتيجية لتراعي ذلك إذا كان هناك صعوبة في تغييرها في الأمد المنظور..
فيعتمد فن العمليات الشرقي والذي يناسب صيغتنا الاجتماعتقنية والبشرية على كثافة التخطيط والنظرية، والتوسع في التعويض العددي وتلك الأنساق القتالية التي تعتمد على الروح المعنوية العالية، في مقابل اعتماد فن العمليات الغربي (الألماني تحديدا) والذي اقترب منه الإسرائيلي على الإبداع الذاتي والمبادأة التكتيكية وجرأة القادة والتضافر العلمي والتقني والواسع.. لا أقول أننا لا ينبغي أن نسعى لذلك أيضا، ولكنك حين تخوض حربا فأنت تخوضها بما هو عندك من قدرات وتحيزات وعناصر قوة أو ضعف والكثير منها معنوي.
——-
———
تعليق أخير على سردية- 7 أكتوبر
مما يثير التحسر أكثر من الاندهاش استمرار بعض السرديات التي حكم خط الزمن بفسادها جملة وتفصيلا بخصوص 7 أكتوبر وما قادت له، وحتى غياب المنطق الاستراتيجي خلفها بل ومصادمة بديهياته عموما وبالأخص في مساحة الحرب غير النظامية واستراتيجية المقاومة. من المقبول جدا أن يحصل هذا أول الحرب بسبب نشوة الشعور المصاحب للإنجاز العسكري خصوصا بالنسبة لشعوبنا الذي اجترعت الذل من هذا العدو، وكذلك بسبب ضمور الوعي والتأسس الاستراتيجي عموما في بلادنا نخبا وشعوبا، وبسبب ما يتخيله البعض أن تدعيم صورة الإنجاز هي من أدوات الصراع على السردية الأساسية في هذا النمط من الحروب – وهو صحيح ولكن بقدر كما أوضحت في مقال سابق، أو حتى لمنطق فصائلي وشخصي لتدعيم الشرعية الداخلية وتجنب المحاسبة.
ولكن الآن! وبعد ثلاثة أعوام تم تصفية كثير من بنى القضية – سواء في البنية العسكرية والقيادية لحركات المقاومة، والمحرقة الشعبية الكاملة، والأخطر – نفور القاعدة الشعبية الأوسع من فكرة المقاومة وخطها، بحيث إذا تم فتح مغاليق الهجرة الطوعية – وهو حاصل للأسف – فستنخرط فيه جموع لم يكن متصورا أصلا إقدامها على ذلك قبل 7 أكتوبر، ولا يمكننا بأي معيار ديني أو إنساني أن نُزايد عليها، فضلا عن متواليات الحرب في هدم محورا بأكمله وتكريس مطبات جيواستراتيجية لا يتصور أن يكون ثمة مستفيد لها غير الإسرائيلي،
وأن المكاسب التي حصلت في ضرب سمعة إسرائيل الدولية وبالأخص في المساحة الشعبية لابُد أن تُقاس بما حصل، وأنه لم تكن لتحدث لولا غباء الإسرائيلي وغلبة نزعات غير استراتيجية لحكومة نيتنياهو على مساره وحتى بالمخالفة لما أوصى به الأمريكي أول الحرب، وأن هذا لم يكن نتاجا مباشرا ل 7 أكتوبر، بل العكس هو الصحيح !! والذي يعيش بالغرب يدرك جيدا كيف كان التصور الغربي نظما وحتى شعوبا للقضية الفلسطينية في الأسابيع القليلة بعيد 7 أكتوبر، وأن هذا الإنجاز المعنوي في خط الصراع ليس شيئا مؤبدا وثابتا ولكن بدون خط ومشروع فلسطيني وعربي داعم سيهت ويضيع أثره مع الوقت ونرى ذلك الآن، وهو في كل حال لم يشتمل على تبييض حركة حماس بل هي لا تزال مُجرّمة كقانون دولي وسياق دولي وإقليمي من حيث حتى اعتبارها كعنصر مسئول ضمن أي صيغة مستقرة لمقاربة الشأن الفلسطيني، ليس القصد أن ذلك مرهونا بقول العدو والأطراف الخارجية ولكن عنصر المسئولية له قيمة أساسية في تعامل العدو والصديق والمراقب مع الملف..
أقول – أن التمسك بهذه السردية للأسف هو إشكال يتجاوز المساحة الإدراكية للجانب الإخلاقي ويصيبنا بالحسرة لأنه يقطع أمام تخيلاتنا حتى فرص التصحيح وإعادة البناء الحقيقي. والحقيقة – أن الدوافع الممكنة لاستمرارية هذه السردية سواء في الحفاظ على وضع قيادي داخل حركة حماس (وهناك بالفعل إشكالات بين تيارات داخلها) أو الحفاظ على وضعية في منسوب التأييد الشعبي لها داخل الحالة الفلسطينية هو الحقيقة لا يعنينا في شيء سلبا أو إيجابا – هذه تخص أبناء هذه الحركة، وكذا أبناء الشعب الفلسطينية ليحاسبوا قياداتهم – فيخصموا من رصيدها أو يمجدوها، ما شأننا نحن؟!
شأننا فقط هو بوازع الهم الديني والقومي، أننا ننحاز لقضية بلادنا وشعبنا، ونؤمن أن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع واقع أمتنا ومستقبلها ومقاصد ديننا وليس فقط حول فلسطين أو الأقصى !، وبالتأكيد هذا محط تكليفنا الشرعي ومنطق الإعذار، فهل نحافظ على مصالح أمتنا؟ هل نحفظ دماء شعوبنا؟ فقط لا غير
ويزيد عليه شأننا التخصصي الذي هو فرض عيني علينا بحكم التصدي والتخصص، وغيرة المتخصص على جناب تخصصه، لأنه يعتبر نفسه مسئولا عن حصول الوعي الكافي بمفرداته عموما، و أن يلاقي هذا العلم والخبرة حظه من الاهتمام وسط الناس بالدراسة والتأهيل خصوصا المتصدر منهم لمهام القيادة السياسية والعسكرية، بالأخص – لأن الخلل في الجانب الاستراتيجي يهدم أمما ودولا – كما حكى ميكافيللي قديما، (لا يُعرف أثره إلا على أنقاض ورماد الامبراطوريات)، في حين أن الخلل في الجوانب الأخرى في ظاهرة الحرب من السهل إدراكها وتصحيحها نسبيا..
وهذه الجملة الشهيرة التي دوما أقتسبها من كولن جراي في كتاب حياته (جسر الاستراتيجية)
Tactical superiority is likely to prove disastrous when strategy is weak or policy is ill judged: soldiers will be doing the wrong things well, and for the wrong reasons!
وبصراحة، هناك جرح شخصي – لا أريد أن أقول ثأرا – في هذه المسألة، أني منذ عقدين وأنا مشغول بهذا الملف بحكم التخصص، والذي لم يدفعني له غير واجبي الديني والقومي، فالحمد لله، كانت ولا تزال عندي مهنة راقية وصلت فيها لأعلى الدرجات وتكفيني رزقي بفضل الله. وبالأخص في آخر عقد – كتاباتي كانت كثيفة ومركزة على مساحة وضع الحلول والخيارات،
وزاد عليها أن قمت بمهمة تدريسية وفي ظروف شخصية وأسرية وحتى أمنية وسياسية شديدة الصعوبة، أبسطها أني كنت بانجلترا ومن كنت أدرّسهم تم تصنيهم ضمن حركات الإرهاب في الغرب! وللأسف الشديد – هذا المنتج التدريسي، مع قيمته دون مغالاة أو بخس، تم دفنه أن يقدم أي فائدة للإطار الأوسع للمقاومة لغلبة ذات العقلية البائسة التي حكمت الحركات الإسلامية (وحماس ليس في منجى عنها وإن كانت أفضل من أخواتها) في الضيق بأي مسحة نقد، والهاجس في فتح مساحات التأهل المعرفي والمشتبك مع ظروف شق المسارات أن يفرض مراجعات وتصحيحات لازمة.
وحتى أول الحرب، كنتُ صبورا جدا في طريقة ولهجة نصحي الرفيقة، مع إني منذ أول ساعة كنتُ أرى فصول المأساة والكارثة.
وكذلك مع حساسية وضعي الشخصي والأسري والأمني، وكنتُ الأب والأم لصغاري، تركتهم في بلد غريب لأسافر قياما بواجب النصح، حتى مع إدراكي بتواضع الجدوى من ذلك، وكنتُ مستعدا للمزيد لولا غلبة التجاهل والزهد فيما أطرح كذلك. وكنتُ أقول لمن عاتبني في هذه المغامرة بأولادي، أنهم ليسوا أكرم عليا وعلى خالقهم من آلاف الأطفال الذي يحرقون وتهشم رءوسهم في غزة دون ناصر أو سند.
وفي كل هذه المحطات، لم أتأفف من وضع صياغات أرى صحتها دون أن أقطع بها، وللأسف- ما لا يدركه الكثيرون أن الخيارات الخاطئة والباطلة في الاستراتيجية لها ثمن!! في تضييق الخيارات وتصعيبها بعد ذلك..
فما كنتُ أطرحه بُعيد سيف القدس عن خطوط الاستراتيجية البديلة التي بدأت عناصرها تتكشف وكنتُ أشجع على المضي فيها وتطويرها،
يختلف بشكل ما عما كنت أطرحه في الدورة الخاصة للاستراتيجية (منشورةـ فضلا أنها كانت معنية بالتأسيس الخبراتي والمعرفي)،
ويختلف تماما عن اليوم الثاني للسابع من أكتوبر وما طرحته من فهم وتقدير رأيت صوابه وما يفرضه من استراتيجية إسعافية،،
ثم اختلف عن تصوري الذي وصل لقيادة حركة المقاومة (لا أدري بأي صيغة أو جدية) في مايو 2024، ونشرته لاحقا،
ثم اختلف بالتأكيد عما طرحته العام الماضي بعد أن انهارت كل السبل وحتى الأعمى ولكن حسن النية كان يرى ما وصلنا إليه، ووقتها استهجن الكثيرون ما طرحت من تأسيس إطار عربي والاتكاء على المصري، وتأسيس خطاب مراجعة وإعادة انفتاح على الشعب في غزة، وتنازلات محددة لمنع استفراد الإسرائيلي بالقطاع وقطع أي سبيل للهجرة الطوعية، وعدم تسليم السلاح (ما قبلته حماس بعد ذلك).
ودعني أقول لك، أن الصيغة المشتركة بين كل ما سبق هو غلبة التجاهل وغياب أي تفاعل حقيقي ولو في الاستفهام والمناقشة من الطرف الأساس المعني، وكذلك غلبة الاستهجان من الأبواق والنادبات المنتشرة على الفضاء الاجتماعي والتي يغيب عنها أدنى درجة التأهل التخصصي ولا إدراك حساسية الواقع ومفاصله ولا حتى طبيعة وخلفية من يقدم هذه الطروحات، وأنه قد يخطيء بالتأكيد لأننا لسنا معصومين وأن التوغل في العلم والرسوخ يكشف لصاحبه مساحات التردد وغياب الجزم، ولكنه خطأ المتخصص وليس العامي، والمشفق وليس المعادي، وأن أي أمة لا تفلح إن وطئتها الخطوب إلا أن تهزّ عيدانها وتخرج من جعبتها هؤلاء، أما المنتحل والهاوي والضارب ببوق فكثر هم وليس على قولهم حرج أو ثمن.
والعالم في علم هو عامي فيما سواه، فعالم الشريعة بفرض تحققه ورسوخه وعدم تحيزه وهوسه بتنظيم أو أيديولوجيا أو حتى غلبة العاطفة، أين هو من مسالك الاستراتيجية وفن الحرب وتدقيق السياسة، وقد أقرّ النبي المعصوم ذاته وهو من يأته الوحي تترا أن ليس له فيها نصيب فوق حظ الجبلة والخبرة البشرية (أمنزل أنزلكه الله أم هي الرأي والحرب والمكيدة – ليس هذا برأي).. وأن عالم الشريعة ذاته ضرره ووزره أشد من الجاهل لأنه يدلس على نفسه وغيره بظاهر عالميته في شأن لايجيز له أن يصرح بقول في شأن آخر.. بل كما شرح الإمام الغزالي نفسه في (المنقذ من الضلال) أن الخلط بين ما هو ديني وما هو نصيب العلم البشري والتجربة مفسد لكليهما،!
والأمر أوضح حتى في تخصصات الطب، وإني استشاري في تخصص دقيق في العيون لخمسة عشر عاما، وتخصصي يحجزني عن التصدي بوثوق لأمراض في تخصصات دقيقة مغايرة (وإن تكن في نفس التخصص العام الذي درسته ومارسته قديما!)، والمرضى أيضا وعيهم وصل لذلك. هذا فيما تعتمد عليه صحة مريض واحد أو بضعة مرضى، ولكن مسائل للأسف تقوم عليها صحة دول وشعوب بأكملها هي محط الافتئات والرعونة.
والأمر عندنا ليس كهنوتا وطبقة خاصة
elitism
لا في علوم الشريعة أو علوم الدنيا، فقد يجمع أحدهم كما جمع أسلافنا بين أكثر من علم، وكما قد يكون المحدث فقيها وأصوليا، ولكن العبرة أنه لا يتصدى لأمر لم يتحقق فيه وينفق فيه السنون في تحصيل فنونه وطرائقه!
—-
قد ينصحني البعض وأنصح نفسي، أننا فقط ستار القدرة ونأخذ الأجرة، وأنه يكفينا الإعذار، وهذا حق ! ولكن الطبيعة البشرية في الأسى والحسرة حاكمة حتى على الأنبياء، فكيف نحن؟!
(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، (وإنا لنعلم أنه ليحزنك الذي يقولون)،
حتى يصل الحديث للزجر (ليس لك من الأمر شيء)
نجاهد أنفسنا في ذلك، وكدنا أن وصلنا لعتبة (اليأسُ إحدى الراحتين) للأسف، وما حصل قد حصل، ونعم، هناك جرح مفتوح الآن ليس فقط في بنية القضية ومآلاتها، ومحنة شعبنا في غزة والضفة، ولكنه أيضا – أن بقاء هذه السردية البائسة لأنها تقود فيما نرى لغياب أي مكاشفة وتقييم ومحاسبة حقيقية تقدمة لمراجعة جذرية وإعادة البناء وتضميد الجراح – وهذا الغياب داخل أي حركة أو الشعب الفلسطيني ذاته للمسار الفائت من شأنه أن يقطع أمام أمتنا ذكر الغد وسبل الإصلاح. والحقيقة، لا أحب العودة ثانية لهذا الملف مع بقاء ذات السياق الحالي.
والله المستعان
على امتداد الخط الزمني
دورة خاصة في الاستراتيجية – مع تقديم وأوراق هامة، وحديث ذاتي – دراسات استراتيجية
–
سادسا) ورقة خاصة غير منشورة – أفكار أولية حول استراتيجية المقاومة… 18 مايو 2024
–
–
–
–
–
–
حوارات حول الخيارات المتبقية للمقاومة في غزة، والتفسير الطائفي للصراع – د.بريك
–
تسجيلات حول المنطق الاستراتيجي للبدائل في حرب غزة، ومأزق بلادنا – د.بريك



