تحليل استراتيجي

تفهيمات استراتيجية حول التصعيد العسكري الحالي ضد إيران

ملاحظات منهجية:

1  –  من المهم ابتداء التمييز بين أشكال متعددة في مستوى وحجم الأهداف السياسية والتكييف الاستراتيجي للنشاط العسكري. هذا أمر يتعدى التأسيس النظري لفهم وتفسير طبيعة ما يحصل ومآلاته. لأنه كثيرا ما تضيع البوصلة السياسية و(الغائية) تلك للعمل العسكري، ليس فقط عند المحللين والمتابعين، ولكن القائمين بذلك العمل وأطراف الصراع.

قد يبدو التأكيد على هذه القاعدة المنهجية مستهجنا أو حتى زائدا عن الحاجة عند البعض، ولكنها الحقيقة – تحديد الهدف السياسي للحرب والنشاط العسكري، ثم رسم الوصف الاستراتيجي الأساس / الخيارات الكلية للحرب والنشاط العسكري،  هي أمور شديدة التعقيد والمراوغة وتقتضي مقايسات وتمحيص جاد ومراجعة مستمرة. هذا يدركه أي متخصص في الاستراتيجية ودراسات الحرب؛ بل هو شيء بدهي حقيقة، في حين يراه غير المتخصص أو الطاريء على المجال مستهجنا والغفلة عنه بعيدة الاحتمال. ولعل هذا من أوضح ما ظهر في نقدنا الحاد لعملية طوفان الأقصى وما تلاها. وقبله كان تيمة أساسية في النقد الاستراتيجيي برسالتي للدكتوراة للأداء الإسرائيلي في حروبها مع العرب. البعض حين ظهر نقدنا الحاد ذلك استغربوا كيف أن يغيب عن فصيل مقاوم الوضوح في السياسة وتمحيص الخيار الاسراتيجي. هل يعقل هذا؟

صديق.. حتى بعيدا عن التنظير الاستراتيجيي وما نص عليه كلاوزفيتس (أن الدور الأسمى للقيادة السياسية والعسكرية أن تعرف أي حرب تريد أن تشنها، فلا تخلطها بغيرها)، فهذا هو الأصل في حكاية التاريخ الاستراتيجي والعسكري وبالأخص في القرن الفائت.  وهذا كان نقاش حاد في الدوائر الأمريكية في النصف الأول للثمانينات تبعا لسلسال من التدخلات العسكرية في فيتنام ونيكاراجوا وللمفارقة (إيران 1979)، وأسفرت عما عُرف بعقيدة وينبرجر (مستشار الأمن القومي) حينها  Wienberger Doctrine ، وأهمها عناصرها وضوح الهدف السياسي، وتحقيق شروط النصر، وتأمين الدعم الشعبي. ثم تطويره على يد كولن باول (وقت أن كان قائد الأركان المشتركة) في 1991 باشتراط القوة العسكرية القاهرة والنصر الحاسم، وفي ذات الوقت وضوح استراتيجية الخروج. وحين أتى كلينتون بحزمة تدخلات عسكرية دون هذا الخط كمثل التدخل في البوسنة، وصل معه كولن باول لصيغة تفاهمية، أنه سيتدخل ولكن بأن تكون له الاستقلالية الكاملة في إدارة النشاط العسكري.

 2 – العمليات العسكرية قد تكون ضمن حرب ذات أهداف شاملة War with total aims وتقصد لسحق الإرادة السياسية الخصم وصولا لوجوده السياسي ذاته عبر تدمير مراكز الثقل عنده Centers of Gravity  (باصطلاح كلاوزفيتس)، وحرب ذات أهداف محدودة War with Limited Aims– وهو أغلب أنواع الحروب، وفيه تستخدم القوة العسكرية غالبا للتعرض لمراكز الثقل أو الملفات ذات الحساسية عند صانع القرار لتغيير حساباته السياسية للمكسب والخسارة وزيادة معدل خوفه على أمنه أو تقليل احتمالية المكسب والنصر عنده، فتتنعم إرادته السياسية ويتنازل.  والنسق الثالث هو التهديد أو استخدام محدود تمثيلي  Exemplary للقوة – الردع (التهديد باستخدام القوة منعا للخصم من القيام بتصعيد عسكري)، أو الإكراه (استخدام محدود للقوة العسكرية لدفع الخصم أن يقوم بأمر ويقبل بصيغة تنازل سياسي)، في الأنساق الثلاثة هناك تفاعل وصراع Duel ، بين طرفين ولهذا تظهر فيه القطبية Polarity ، ويقصد إلى تغيير في الإرادة السياسية للخصم وهذا معيار الإنجاز في هذه الأنساق.

ثم تأتي العمليات العسكرية بعد ذلك خدمة لأغراض متنوعة: أو أغراض تدميرية وبنائية ضمن سياق توظيفات أوسع للسياسة الدولية والداخلية (بناء دولة، إنقاذ إنساني، أمن داخلي، مكافحة جريمة وقرصنة، توظيف مدني للقوات المسلحة، شبكة استقرار وحوكمة إقليمية أو مائية أو أو) وهنا يضيغ مفهوم الصراع والقطبية، ويكون معيار الإنجاز مرتبط بمعدلات الكفاءة والترشيد المرتبطة بنموذج السياسة العامة.

2  –  وكثيرا ما تبدأ حروب بمنطق المحدودية ثم تنزلق للأهداف الكلية (الحرب العالمية الأولى أوضح مثال، والحرب العراقية الإيرانية).. أو تبدأ النسق الردعي والإكراهي ثم تنزل للحرب بالأهداف المحدودة (كحروب 56 و 67 ) أو تبدأ بأهداف شاملة على طرف ثم تتحول بسبب عمق الممانعة وصعوبة الإنجاز لأهداف محدودة (كحروب إسرائيل مثلا 2006 ، 2009، وحرب 48 من المنظور العربي).

3 – وأختم هنا ، ويفيدنا في تحليلنا الموضوعي للحملة الحالية، بإنضاج التمييز بين الحرب ذات الأهداف المحدودة وبين تلك الخاصة بالإكراه، أو حتى العمليات العسكرية. مع تقرير مبدأ سهولة الإنزلاق بين مستوى وآخر وحتى التهجين بينها، فالفارق ليس فقط في مستوى القوة والمنظور intensity and scope ، هذا خلاف في الأدبيات الاستراتيجية، ولكن الفارق حقيقة هو في العنوان الأبرز للعمليات العسكرية..
هل هو في ضرب مراكز ثقل بشكل تعرضي مباشر ومستقصٍ بغرض تغيير الإرادة – فنحكي عن حرب بأهداف محدودة؟

أم هو بشكل تمثيلي – توصيل الرسالة هو الأهم signaling ، فنحكي هنا عن الإكراه؟

أم تحقيق متطلبات عملياتية وتكتيكية محددة ضمن صراع أكثر امتدادا؟ مثلا مفهوم العمليات بين الحروب عند الإسرائيلي الذي ساد العقد ما قبل طوفان الأقصى لقصقصة مصادر التهديد والبناء العسكري المضاد بشكل مستمر ولكن لا يصل لدرجة الحرب المحدودة أو حتى العملية العسكرية الشاملة..

وحرب ال 12 يوم في يونيو الماضي، كان فيها مزيج بين الإكراه لتغيير السلوك التفاوضي، وتقويض مصادر التهديد العسكري الإيراني في ملفات النووي والدفاع الجوي والبالستي ، وصولا لنزع مساحات النفوذ الإقليمي لإيران بالمساوقة مع حرب غزة ذاتها واستهداف حزب الله وسقوط النظام السوري وما تلاه، وهنا اقتربت من الحرب المحدودة.

يؤسفني القول، بغض النظر عن موقفنا المبدئي أو السياسي الرافض لسياسة إيران في منطقتنا في العقدين الفائتين مع تثمين لدورها في دعم المقاومة ولو بغرض توظيفي، فإن هذه الحملة هي تطوير لمسار إخصائي للقوة الإيرانية إقليميا لمصلحة التغول الإسرائيلي، وتصفية أوسع للسؤال الفلسطيني المقاوِم، وهذا أمر يصيبنا بمرارة وحسرة بلاشك – خصوصا في ظل انحصار دور الدول المركزية الأخرى، وبقاء التقارب المصري التركي السعودي – وبشكل ثانوي الأردن –  في طور الإرهاصات دون وجود إرادة سياسية حقيقية وشجاعة ورغبة جادة في تغيير منظومة السيادة الإقليمية وفرضيات راسخة في معادلة الاعتماد الدفاعي والتبعية، ومقتضيات ذلك حتى في تغيير بنيوية داخلية داخل هذه النظم، وإن تم تحسين معادلة الاعتمادية تلك بشكل ملحوظ عند الدول الثلاث – تركيا ثم مصر ثم السعودية.

ولكن إن نحينا تحيزاتنا الذاتية – الدينية والقومية، ومرارتنا الشخصية وشعورنا الذاتي بالعجز، فيهمني توصيف مايحصل بدقة وموضوعية ما أمكن، وفهم حدوده، وآثارها على المحيط الإقليمي.

خليط الدوافع، ومستويات التحليل، والتهجين في الخيارات:

ما يترشح حتى الأن أن الموجة الأولى من العمليات العسكرية كانت إسرائيلية بمساندة أمريكية، واستهدفت قيادات سياسية وعسكرية (أولها الخامنئي)، مع وجود حشد عسكري أمريكي غير مسبوق المنطقة (مدمرتان في باب المندب، وحاملة طائرات وسبع مدمرات في بحر العرب، وحاملة طائرات آخرى مع القول المرافق لها ). وهذا يجعل مساحات التصعيد ووجود جولات تالية مفتوحا. والسياق كان تفاوضيا بالأساس لأجل تركيع إيران ليس فقط في ملف النووي (منع التخصيب بالداخل والتخلص مما تم تخصيبه بكثافة عالية)، ولكن أيضا التنازل عن البرنامج البالستي، ودعم الكيانات مادون الدولة بالإقليم.

إيران من ناحيتها تراخت في الملف النووي بشكل ملحوظ وصولا للقبول بالتخصيب الرمزي، ولكن لم تقبل أي تنازل في الملف البالستي لأنه صك أمان دفاعي وردع شبه وحيد الحقيقة! خصوصا بعد انهيار الوكلاء الأساسيين (حزب الله وحماس، وفقدان سوريا).

من المنظور الإسرائيلي – هذه فرصة تاريخية للوصول لأقصى درجات تحطيم القدرة الإيرانية كتهديد عسكري وحركة بالإقليم، وحتى مقاربة مسألة تغيير النظام. لوجود إرادة ترامب الداعمة وشديدة الانفتاح لخيارات راديكالية تتجاوز ما تفرضه سياسة الهيمنة الأمريكية والمؤسسات الوازنة (البنتاجون والمخابرات والخارجية) من اعتبارات أكثر حذرا، واستفادة من فائض الأثر العسكري الإجهاضي و لحملة الاثنى عشر يوما، ومستوى الاختراق الاستخباراتي، واستغلالا للتهاوي الأكبر في بنية النظام الإيراني تبعا الاحتجاج الشعبي والتعامل النظامي الخشن معها وأن الموقف الدولي الغربي ابتعد الآن عن مساحة التشنج ضد حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وبشكل ما امتعض من السلوك الإيراني.

أمريكيا – أعلن ترامب أهداف ضرب القدرة البالستية، وإنهاء أي بنية تحتية نووية، والتعرض للقوة البحرية، وعدم القدرة على تحريك الوكلاء. ولكن ترامب تحدث أكثر من مرة على هدف إنهاء النظام، وحتى مخاطبة الحرس الثوري بإعطائه أفراده صك إعفاء بشرط تسليم السلاح !

الحقيقة – أننا نحكي عن حرب إسرائيلية كعنوان أبرز نجحت بشكل استثنائي بالتأثير على إدارة ترامب لتصعيد الحشد العسكري لأهداف مفتوحة!

هذا ليس أمرا معتادا على عكس ما تعتقد العقلية العربية التقليدية (باختلاف طبعاتها الإسلامية والقومية) حصوله، أن إسرائيل هي من تحرك أمريكا. حتى إدارة ترامب، كانت في العام السابق أبعد ما تكون عن التطويع للبوصلة الإسرائيلية بالأخص في الملف الإيراني، وكبحت كثيرا إسرائيل عن الاشتباك في محطات مختلفة، وإن تساوقت معها واستجابت لاستدعائها في حرب ال 12 يوما.

المؤسسات الأمريكية التقليدية، بالتأكيد مع التعامل الخشن مع إيران ولكن لأجل تحقيق تنازل تفاوضي لأقصى درجة، ولكن ليست مع التحرك العسكري نحو هدف إسقاط النظام ! أكيد هناك استراتيجية ناعمة بالعقوبات ودعم الحراكات الشعبية المناهضة، وحتى دعم نشاطات عسكرية معادية بالداخل الإيراني بالبناء والتوجيه، ولكن هذا يقتضي مدى زمني ومراعاة لحساسيات إقليمية مرتبطة بأمن الخليج ودوله، لا يمكن لنشاط عسكري حاد ومستنفر أن يحققه في وقت قصير !

بالنسبة لإسرائيل، حتى مؤسساتها التقليدية، يبقى هدف إسقاط النظام هدفا ليس سهل التحقق حتى باغتيال خامنئي والدائرة العليا؛ بل قد يقود اغتيال القادة ( كما ذكرنا في مقال سابق) على هذا النحو لخروج طبعات أكثر تشددا ، وعلى أفضل تقدير خروج طبعة أقل تصلبا كمنتوج تفاوضي ولكن ليس سقوطه بماله من إرث عقائدي صلب ووجود شريحة شعبية بنسق مذهبي وعرقي موحد بشكل أغلبي معه.


ولكن لا يوجد ما يمنع من قبول طرح نيتنياهو في مقاربة المسألة بأقصى ما يمكن – حصول واستدعاء انفجار شعبي داخلي تبعا لتغيرات هيكلية في بنية النظام وفقدانه لشرعيته الوظيفية بُعيد الحملات العسكرية على رأسه وقواعده الدفاعية والردعية.

اللقطة الأساسية هن التي تغيرت هنا هي في ترامب ودوافعه في الاستجابة للطرح الإسرائيلي، والضغط على المؤسسة الأمريكية التقليدية، لتقديم شروط الحشد العسكري لتوظيفها.. هذه الشروط ليست على بياض بالتأكيد، ولها خطوط حمر مرتبط بعدم التدخل البري وحماية أمن الخليج العربي كدول وممر جيوسياسي.

هناك طبيعة ترامب ونزعته الشخصانية والخارجة عن أي حدود غير منطق الصفقة والوصول للحافة والمبالغة والتهويل الخطابي في تحريك السياسة. وهو في هذا يتجاز كسياسية خارجية وحتى دولية القواعد الراسخة – ليس كقانون دولي وبنية ديمقراطية أمريكية، فهذا كثيرا ما يحدث، ولكن حتى تلك الخاصة بمنطق الهيمنة الأمريكية ومسئوليته كقوة عظمى تعتمد منطق الإخضاع وإبراز القوة وكذلك القبول الطوعي ودعم السياقات تحالفية وضبط مساحات التصعيد مع الخصوم (إرث الحرب الباردة، وقبلها حتى المحيط الجيوسياسي القريب في أمريكا اللاتينية).. فلا نحكي عن فلتة في سلوكه؛ بل مسار مطرد من أول مواقفه من كوفيد، حملته على الكابيتول وخصومه السياسيين، وسياساته التفصيلية في ملفات الصحة والهجرة والتعليم، ومواقفه من الناتو والحلفاء الأقربين، وريفيرا غزة وصولا لفنزويلا وجرينلاند، بالمفارقة مع موقفه تجاه روسيا .. هذا لن نستطرد فيه.

ولكن فيما يتعلق بإيران، فهناك موقفه الرافض بالأخص من الاتفاقية الشاملة ونقضه إياها، وهناك ميراث خطابي ومواقفي حاد تجاهها، فكيف يقبل اتفاقا تحسينيا عليها ؟! ويزيد عليه أمران:

  1. هوسه بتدعيم ميراثه كزعامة، legacy ، سواء كصانع سلام، أو تحقيق إنجازات عن طريق الحرب (تغيير مسمى إدارة الدفاع لإدارة الحرب!)، خصوصا حين تخامره أحلام في مسائل كتعديل الدستور وعرض نفسه من جديد للرئاسة.
  2. العنصر الإسرائيلي وزيادة تقديره له، ليس فقط لدعمه في المسعى السابق، ولكن لأنه بطبيعته يقدر من يمتلك خصيصتين: صاحب القوة والقدرة على الإنفاذ إقليميا ومحليا بما يخدم سياسته العامة والخاصة، ومن يبني معه علاقة ولاء شخصي وإن تشوبها شوائب. فإن كان هذا يفسر ديدنه مع حاكم سوريا الجديد، مع ما له من ميراث ثقيل في الذهنية الأمريكية ما بعد أحداث سبتمبر، فكيف بنيتنياهو حتى مع وجود مشاعر من الامتعاض تجاهه في محطات مختلفة. الإسرائيلي ما بعد طوفان الأقصى وما تبعها من هزات إقليمية، صار بالفعل القوة الأكثر فعلا وقدرة!

    شيء كهذا حدث في العلاقة ما بين الإسرائيلي والأمريكي بُعيد حرب 1967؛ وقتها، خصوصا مع انسحاب فرنسا ديجول من موقع القوة العظمى الحليف تبعا لرفضه الحاد لعدوان إسرائيل في الحرب وامتعاضه منها عموما؛ أن أدرك الأمريكي ما أصبح لإسرائيل من قدرة حقيقية على ملء فراغ القوة بالمنطق وقدرتها على القيام بمهامهما الوظيفية عند الحاجة (كسرت أعتى نظام معادي إقليميا في خمسة أيام) كما تم استدعاؤها مثلا في أيلول الأسود لإنقاذ النظام الهاشمي. (من الدراسات الجيدة التي تتبعت الأمر- Israel – the Embattled Ally, Nadav Safran)

محصلة العنصرين السابقين كان ترامب أكثر طواعية للمطلب الإسرائيلي، بالأخص حين يتبنى رسميا الموقف التقليدي للمؤسسة من ناحية، ولكن يقنعها بالمقابل باطراد الحشد المفيد كمظلة رادعة للنشاط الإسرائيلي، وفي أقل الفرص – يحقق النتيجة الردعية، أو الإكراهية لمنتوج تفاوضي أكثر تنعيما بكثير من الإيراني.

ومما يساعده في ذلك للمفارقة، التقارب الخليجي الإيراني! لأنه يصبح على الإيراني كوابح رادعة ذاتيا من اتساع مستوى الرد العقابي. نعم، يستهدف القواعد العسكري بالخليج ويغلق المضيق، ولكنه ينبغي أن يبقى حذرا أمام استهداف أوسع للدول الخليجية الرخوة.

خيارات إيران:

الحقيقة – أن الخيارات هي شديدة المحدودية. كان أمامها  – كما ذكرنا منذ بضعة أشهر – جملة واسعة من الخيارات في مراجعة جذرية للسياسة الداخلية بالأخص، وكذلك الإقليمية، وإعادة بناء جذري للمجتمع الأمني والاستخباراتي وما تقتضيه مرحلة البناء تلك من خفض كامل لمستوى التصعيد. حصل تحسن بلاشك في سياستها الإقليمية، ولكن أقل كثيرا من المطلوب، خصوصا ملف التقارب مع الدول المركزية والتي قد تمثل مستقبلا محورا موازيا أو على الأقل مساق لإطراد مصالح مضادة للتوغل الإسرائيلي، ولكنها فشلت بشكل كبير في ملفات الإصلاح السياسي الداخلي والبناء الأمني والعسكري.

ليس أمامها حاليا، غير غلق المضيق، وقد يتطور هذا لاشتباك عسكري غير نظامي يستهدف التواجد الأمريكي سواء في المضيق أو باب المندب عن طريق الحوثي – هذا لن يقود لتحقيق سيادة بحرية أو حتى إنكار بحري، ولكن الفوضي العسكرية الناشئة أثرها يُعمّق غلق المضيق ومتواليات ذلك كاقتصاد دولي وخليجي.
ومحاولة الانفتاح على الداخل بخطاب سياسي تجميعي ويعتمد مبدأ المراجعة والإصلاح الذاتي، والإلحاح على الشعور القومي ومواجهة الاحتلال مع الانفتاح الأوسع على المكونات العرقية والمذهبية دون تنازل عن بؤرة النظام الفكرية والعسكرية، ولكن إعادة إنتاجها بشكل أكثر مناسبة للمراجعات المطلوبة. تبقى خيارات العمليات السرية الدولية أمرا شديد التعقيد والحساسية في هذا السياق.

وسأترك الحديث عن التبعات الإقليمية وما تقدمه من مخانق وتهديدات ، وكذلك فرص، لمرة أخرى.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى