تحليل استراتيجيمنوعات

حوار ختامي حول حرب إيران وإسرائيل، والضربة الأمريكية

مقدمة

لفهم ما حصل وتقدير تداعياته لابد من الاستعراض الصحيح لتسلسل الأحداث وسلسال الحقائق. فأسوأ ما قد يُقدم المحلل على فعله أن يضع افتراضاته وما يظنه من أسباب ودوافع كمقدمة للحدث قبل أن يقوم بالاستقراء الصحيح للوقائع وتتبع الأفعال والتصريحات، وكلٌ في سياقه منسوباً إلى المصدر بشكل صحيح وموزونا حسب ثقل متخذ القرار وأعراف السياسة والوزن النسبي للأشخاص. هذا الأمر على بدهيته هو جوهر التحليل المنضبط لأن الملكات الشخصية والمعرفة النظرية هي عالة وتابع للحقيقة الخام والأداة لم تكن يوما لتتقدم على المادة محل المعالجة.

النقطة الثانية هنا هي التفرقة بين المعرفة الممتدة والمعرفة الآنية بالحدث. ففي صراعات تمتد لعشرات السنين يصبح من الضروري واللازم تكوين معرفة بتاريخ وسجل الصراع وتتبع الحلقات والمحطات الرئيسية والوقوف على الأنماط وطرق العمل والتفكير وحدود الحركة ونقاط القوة والضعف للفاعلين. وبدون هذه المنهجية تتحول عملية التحليل الجادة والمحترفة إلى ظاهرة صحافية بالأساس لا تغني ولا تسمن من جوع., كما تناولنا سابقا قيمة ما يُعرف بدراسة (البيئات الاستراتيجية) في فهم بنية الصراع والفاعلين والتحيزات الأساسية.

في البداية فإن ما حدث مع إيران استكمال لما بدأ واستمر منذ الحملة على حزب الله وكله طبعاً تداعيات للطوفانـ وإن كان يعتبر تغيرا نوعيا بما له من قيمة مباشرة على تعويق المشروع النووي، وكمنظور استراتيجي أوسع – تحقيق درجة من الردع بأن رفع الأمريكي بشدة مستوى التدخل دون أن يتحرك الإيراني فوق نمط الرد الرمزي المتفق على حدوده سابقا. وبالتأكيد حققت هذه الجولة العديد من المكاسب الكبيرة لصالح الاسرائيلي ثم الأمريكي سواء:

  •  بقطع رؤوس أهم القيادات العسكرية والاستراتيجية في إيران.
  • أو بضربة الهيبة مرتين: مرة بالاختراق والاعتداء الهجومي الصارخ ثم بما تسببه الضربة النووية من زعزعة لهيبة بناها النظام طويلاً. هذا التأثير على الصورة والهيبة له تداعيات لاحقة ستنال النظام وعليه معالجتها ولا شك.
  •  وأخيراً باالتعويق المادي للبرنامج النووي ثم منظومات الصواريخ.

كتقدير خاص بالمسألة النووية، فمهم أولاً أن نفهم ميكانيزم العمل وحلقاته الأساسية المتصلة. فعلى عكس ما يتردد ليس المهم في هذه المرحلة ضرب قدرات اليورانيوم المخصب وإنما البنية التحتية والمنظومة نفسها. هنا حقق القصف الأمريكي أضراراً فادحة بالمنظومة. صحيح أن لما تم تخصيبه أهمية كبيرة لكنه لا يعني أن إيران امتلكت بالفعل القنبلة النووية وأن الأمر متوقف على مجرد القرار كما يتم إشاعته.
منذ عام تقريبا، كان تصور المجتمع النووي الغربي أن مرحلة بناء القنبلة الإيرانية نفسها تستغرق ما لا يقل عن سنة weaponization –  بافتراض وجود الهياكل التقنية اللازمة.

هذه الفترة اتسعت بشدة الآن وتعني دهرا في السياق الحالي من الاختراق الكامل لمنظومة الأمن في إيران والتي لم تبدأ منذ الجولة وإنما هي نتاج مسار يصل لعقد ونيف من العمل الأمني على هذا الملف تحديداً حيث كانت إسرائيل طوال العقود السابقة مكبلةً عن استهداف إيران بشكل مباشر (تعويق الضربة في أيام أوباما 2010) ثم بسبب رسوخ سلسلة النار (إيران، سوريا، لبنان، غزة) التي طوقت الإسرائيلي. لذلك، ومنذ المرحلة الباكرة، انتهج الإسرائيلي استراتيجية غير تقليدية. شمل ذلك التخريب العسكري والتجسس العميق والمنهجي والعمليات الأمنية المغطاة Covert Operation وهذا في إطار تحالف مع الأمريكي وليس بشكل منفرد. لذلك لا تقدر إيران على أن تفاجيء العالم -كما فعلت كوريا الشمالية- بإعلان صادم عن إمتلاكها القنبلة النووية، ولو كان في مقدرتها أو يمكن أن يكون فيلزم عليها ذلك دون تردد. ولذا كان للضربات الأمريكية تأثير جوهري على المسار النووي الإيراني، لا تنهيه بالطبع كما قد يبالغ ترامب في الإعلان ولكن أعادته سنيناً للوراء.

النقطة الثانية هي مساحة العمل الأمني، والتي كانت أحد أبرز ركائز الاستراتيجية الاسرائيلية ضد إيران -سواء في الحملة الحالية أو بشكل عام كما تقدم ذكره. كانت النتائج في هذا الجانب متباينة، فبطبيعة الحال كان التقدم الإسرائيلي قبل الهجوم الشامل صبيحة 13 يونيو أكبر منه بعده، وهذا منطقي. ومن بعدها بدأ عداد التناقص وفي المقابل النجاحات الإيرانية في تفكيك العديد من البني والحلقات التجسسية والعملياتية بجانب قلة عمليات قطع رؤوس القادة وإن كانت لم تنتهي بشكل كامل حيث كان آخرها قائد فيلق فلسطين بقوة القدس سعيد إيزادي. لكن هذا لا يعني وجود تحول ضخم لصالح الإيراني. لأربعة أسباب أساسية

  • أولا: لن يضحي الإسرائيلي بكامل بطاقاته في هذه الجولة والتي حققت مراده منها بشكل كبير. بالتالي هذا قد يفسر بعضاً من قلة الاغتيالات عالية المستوى والعمليات الأمنية المتقدمة.
  • ثانيا: وحسب المنطق الاستراتيجي فإن طبيعة الأهداف والتركيز العملياتي قبل الحرب يختلف عنه أثناء القتال إذا يتحول الهدف لتحقيق إنجازات عسكرية مباشرة وتقليل القدرات القتالية لدى الخصم خاصة وأن هدف تغيير النظام ليس هو الدافع لهذه الجولة. وكما نعلم فإن الهدف الاستراتيجي هو ما يحدد أنماط العمليات
  • ثالثاً: رغم أن منطق العمل الأمني يقتضي بدء الانكشاف بمجرد الحركة إلا أنه، وفي المقابل، يحدث زيادة في فرص الاختراق والتجنيد تبعت للآثار التي أحدثها النجاح في الحركة والضربة الأولى. ولعل هذا من تناقضات الحرب التي طالما تحدث عندها لوتواك. 
  • رابعاً: وكما أشرت في المقال السابق، فإن أسباب الاختراق أبعد بكثير من المسائل الفنية المتعلقة بالقدرات الاستخباراتية الإيرانية، وهذا صار مضطردا وواضحا للكثير. فبسبب الانعدام الاقتصادي الذي سببه –من وجهة نظر الإيرانيين، شعبا وكذلك الرتب الرسمية– هو سوء توزيع الثروة و الإنفاق الهائل على الأذرع الخارجية -رغم أن هذا أهم ركائز السياسة الدفاعية الإيرانية كما تقدم ذكره- بجانب الاستبداد السياسي والأمني والدخول في البزنس الفاسد القائم على الجريمة وخاصة المخدرات مع العديد من المشاكل الهيكلية ديموغرافيا.. هذا كله يعني أن الإشكال الأمني مستمر لفترة، بل وقد يزيد، ما لم يتم معالجة هذه الأسباب.

أخيراً، ومن نظرة علوية، وهنا لن أعيد تكرار المقال السابق لكن باختصار فقوة إيران لم تكن في المساحة العسكرية بالمعنى التقليدي، هذا ليس اكتشاف! فمخزون الدولة من الأسلحة التقليدية سواء من الطائرات أو الدفاع الجوي أو المدرعاات لا يكاد يذكر أمام الدول متوسطة القوة في المنطقة فضلا عن الإسرائيلي. وإنما كان محور البراعة العسكرية لدى إيران في مساحتين

  1. اتقان اللعبة الاستراتيجية، فلطالما تحكمت في مسارات التصعيد أو تجاوبت معها بالشكل الأنسب مع القدرة على الدفع للنهاية الحادة دون الولوج إليها. هذا تغير بشكل جوهري منذ الطوفان، بدء بالقرار نفسه الذي كان مفاجئا لإيران ولكن الأهم هو طبيعة المواجهة التي فرضتها العملية والتي أخرجت إيران من موقعها الذي لطالما أتقنته.
  2. استخدام الأذرع وتحديداً حزب الله والتي، على عكس تصور المعظم، كانت تمثل ما يُقارب 90% من قوة إيران الاستراتيجية.
  3. وكذلك – الاستثمار الدفاعي والتصنيعي في أنساق تخدم هذه الاستراتيجية الردعية (الردع العقابي)، سواء فيما يتعلق بالمشروع البالستي، أو لانشات الصواريخ وصواريخ أرض بحر وأدوات غلق مضيق هرمز.

وما سبق، قد يبدو مثاليا من حيث القابلية الاستراتيجية، في تعرف محدودية الميزان العملياتي، واستخدام التوظيف والحوار التبادلي بين ما تطلبه الاستراتيجية من العمليات وأدوات الدفاع، وما تفرضه الأخيرة على الأولى من تقييدات تجبرها على البحث عن أنساق استراتيجية بديلة، وقد فعلت إيران.

مشكلتها حقيقة – فوق الاختراق المعلوماتي الفادح لأسباب بنيوية في النظام والبيئات الاستراتيجية الأوسع داخلي، هو ضعف الحساسية الاستراتيجية الأعوام الفائتة، والذي تفاقم مع وبسبب 7 أكتوبر؛ أن تدرك إيران فقدانها لأهم ميزاتها وأدواتها الاستراتيجية دون أن تتحرك بالشكل الملائم في تحوير الاستراتيجية أو السقف السياسي التي تسعى لها.

في هذا السياق – هل كان لفقدان القادة دوراً أساسياً في ضعف الأداء على كلا المحورين؟ بالأخص قد يكون لفقدان قاسم سليماني تأثيراً استثنائيا. ليس في يدي من معلومات عنه وقابليته الاستراتتيجية لأجزم بغياب مُكنة ما في التخطيط الاستراتيجي ولكن ما يظهر أنه أثّر كثيرا على مدى قدرة إيران في السيطرة والتوجيه المباشر – استراتيجيا ولحظيا – على وكلائها.
 فإذا اعتبرنا أن الطوفان كان بداية التفلت واختلال التوازن الإيراني بعدم الإطلاع الكافي على القراروحدوده،  ومن ثم التفاجؤ باندلاع المعركة وما أعقب ذلك، حينها هل كان الأمر ليسير بنفس المنوال في وجود سليماني؟
هل كان لطوفان الاختراقات أن يظل دون استجابة مضادة؟ والأهم، هل لم يكن ليتمكن من ممارسة قدر من الضغط والسيطرة على حماس في بداية المواجهة لامتصاص قدر كبير من مساحة الحركة للاسرائيلي والدفع بمسار أقل كارثية؟ رغم أننا لا يمكننا الجزم، خاصة في وجود شخصية مثل السنوار، إلا أن غياب شخصية محورية بحجم سليماني كان سلبية كبيرة ولا شك، وذلك دون مبالغة في تضخيم القدرات الشخصية في ظل الخلل المؤسسي والفكري الشامل.

إذن، كانت الضربات التي تلقاها حزب الله هي الممهد لهذه المرحلة من الصراع ضمن سلسلة أوسع من الأحداث مبدؤها عملية الطوفان نفسها. ولذلك فالتدخل الأمريكي ليس بتوريط أو دفع إسرائيلي بالشكل الذي يتم تداوله، إذ الدافع موجود و متأصل في مؤسسات الدفاع والأمن الأمريكية، وإنما كان التوقيت بمثابة انتهاز للفرصة وتراكما لمجموعة من الانتكاسات التي ثبتت إيران في موقع معين ووضعت عليها ردعاً ذاتياً ضخما. لذلك كان التوقع الطبيعي هو ابتلاع إيران للضربات ومحاولة المرور من المأزق الحالي دون المخاطرة بضياع صورة الهيبة والدخول في مساحة تصعيد غير محدود تؤثر على حياة النظام (وهذا العنصر هو الأكثر تحديدا وتحريكا لصنع السياسة الإيرانية كما ذكرنا مرارا).

يرتبط التعامل الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران بالتصور الذي حكم المواجهة الحالية. يمكن أن نسمي هذا النهج “التقصيف والاحتواء”. حيث يتم ذلك بشكل تدريجي مع عدم التأخر في انتزاع انتصارات كبيرة متى سنحت الفرصة. فهذا هو التوجه وليس السعي لتغيير النظام بشكل راديكالي في إطار تغيير النظام الإقليمي بالكامل كما يتردد كثيراً.

صحيح أن السعي للتغيير الإقليمي موجود بالفعل، ومن قبل الطوفان، وقد حدثت الكثير من جُمله كنتيجة مباشرة للمواجهات المتتالية منذ الطوفان. كما أن هذا التغيير مرتبطا بالعقلية والعقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية التي تسعى لتصفير المخاطر والتي أنتجها الطوفان ولا شك حيث عمل الإسرائيلي سابقاً على نهج إدارة الصراع والمخاطر. ولكن هذا لا يعني غلبة العقلية الصفرية بشكل يتجاهل موازين القوى وحسابات المكسب والخسارة، هذا ينطبق على الإسرائيلي -حتى مع وجود المأزق الداخلي لنتنياهو والذي خف كثيراً وهناك فرصة كبيرة للانقلاب المعاكس ـ وكذلك، ومن باب أولي، هكذا يفكر الأمريكي.

إذن السبب هو حسابات المكسب والخسارة التي ستتكبدها أمريكا ومن خلفها إسرائيل في حال سعوا لإنهاء إيران بشكل وجودي –  هذه الحسابات  يمكن تلخيصها في:

  • زعزعة أمن الخليج.  الأمر الذي، وللمفارقة،  لن تطرق إليه إيران في الحالة الراهنة بسبب التحول الكبير في علاقاتها مع الخليج، وهو مكسب للطرفين –  تعمل إيران على الاستفادة منه في ظل فشل مساراتها الغير نظامية.
  •  استهداف أكثر مباشرة للمصالح الأمريكية، وغلق المضيق مع ما له من ارتدادت جيواقتصادية عنيفة

عند النظر لكل هذه الأثمان يصبح الأولى من وجهة نظرهم الاحتفاظ بفارق المكسب الهائل حالياً مع الاستمرار في التقويض لما تبقى من المحور وملء الفراغ السياسي وتعديل الإقليم بالتزامن.

أخيرا، وكموقف ذاتي وغاية سياسية، ورغم تكرر الكثير من الأطروحات حول عدم رغبة الأمريكي في استبدال النظام الإيراني، إلا أن هذا الطرح غير دقيق من عدة أوجه.  يعلل أنصار هذا الطرح   بالفراغ الإقليمي الذي يحدثه هكذا تغيير، مع التشبيه بحالة العراق وما نتج عن ذلك من فراغ هائل وديناميات سياسية أنتجت، فيما أنتجت، ظاهرة الجهاد العالمي وظاهرة داعش تحديداً..الخ. في الأصل يتمنى الأمريكي زوال النظام واستكمال صياغة الإقليم بالشكل الأنسب لكن المانع من ذلك هو ما ذكرناه أعلاه من حسابات. بينما التعليلات الخاصة بالفوضى وانتشار المقاومة فغير صحيحة ومبالغ فيها لعدة أسباب:

  • هناك انفصال هائل بين الشعب والنظام، نعم قد يحدث نوع من تناسي العداء أثناء التعرض للخطر الخارجي وذلك بسبب النزعة القومية إلا أن هذا الأمر لن يعني وجود لحمة والتفاف شعبي يصلح كمادة لمسارات ضخمة للمقاومة.
  • الفراغ لن يحدث من الأساس! وفي حال توفرت الفرصة بثمن مناسب، فلدى الأمريكي تصورات أنضج كثيراً من طريقة تفكيره وقت العراق. صحيح أنها ليست مثالية، وصحيح أن الأمريكي كثقافة استراتيجية ليس مؤهلاً لهذا النمط من الصراعات إلا أن لديه ما يكفي من الخبرة لمنع تكرار كارثة العراق خاصة لقرب الفترة. لم يمض من الوقت ما يسمح للأمراض فقدان الذاكرة المؤسسة بالتوغل في منظومة التفكير، بجانب أن هناك تقعيد عقائدي قتالي بالفعل يكفي بتجنب الأخطاء الكبيرة بحيث يفوز بإيران غير الملالالية دون فتح صدع سياسي يحيل الإقليم لفوضى كبيرة.
  • السردية الإيرانية، تعرضت لأضرار هائلة لسلوك إيران السلبي في العديد من المساحات داخليا وخارجياً. فإذا كانت السردية، والتي هي القاطرة في الحرب غير النظامية، إذا كانت قاصرة فمن المشكوك فيه كثيرا القدرة على خلق مثل هكذا جبهة عمل مقاوم.

باختصار – وهذا سيقتضي أحاديث أكثر تفصيلا – فإن إسرائيل استطاعت بشكل كبير ليس فقط أن تدمر التهديد الاستراتيجي الأساسي لها طيلة العقدية السابقين – المحور الإيراني ومخانقه حولها بالأخص حزب الله، ولكن أن تستفيد من الفراغ الاستراتيجي بفرض واقع تتوسع فيه سيادتها، ويترجم ذلك كرأس مال سياسي ممكن، بالأخص مع احتمالية التطبيع مع السوري وترسيم السيادة الأمنية بشكل رسمي على الجولان ومحيطها.
وفيما يتعلق بغزة، فالخيارات المقبلة على تنوعها، وهذا يرتبط باعتبارات ليس فقط منها سلوك المقاومة، ولكن الداخل الإسرائيلي، والاعتبارات الإقليمية والدولية، هي في صالح الإسرائيلي، سواء بالتهجير الطوعي، أو فرض سيادة أمنية مباشرة أو غير مباشرة على القطاع.

في المقابل – الإقليم ليس بركة سهلة العبور للإسرائيلي – فمن مفارقة الإنجاز الاستراتيجي ذلك، أنه قلل بشكل معتبر من الهاجس الأمني الخليجي تجاه إيران والذي أسس لفكرة التطبيع والتقارب – بالأخص عند السعودية. كذلك – اضطرام الهاجس الأمني والضيق عند المصري والأردني، والإحساس بانسحاب البساط والقدرة على الحركة إقليميا، بغض النظر عن وجود أو غياب أي مشاعر قوميةـ وضعف الفاعلية الوظيفية إقليميا. وكذا – النفور والضيق الشديد دوليا ضد إسرائيل – ليس فقط شعبيا ولكن حتى على مستوى الحكومات.
وداخليا – نعم، قد تقترب المعارضة من نيتنياهو وتعطيه فرص أكبر للبقاء تشجيعا له على صفقة الرهائن في مواجهة التيار المتطرف في ائتلافه، ونعم – نيتنياهو نفسه قادر أن يترجم الإنجاز الاستراتيجي الإقليمي كرأس مال سياسي، ولكن عُمق الخرق البنيوي والافتراق الحاد في التصور الأمن قومي للكيان وخياراته الأساسية متسع، ولاحظ – أننا نحكي عن زخم ضخم بشكل كبير يتمحور حول شخص واحد، بغيابه لأي ظرف ستحصل ارتدادات وفوضى. هناك بالتأكيد بنية راسخة – كبنية وتوجهات في المجتمع الدفاعي والأمني الإسرائيلي، ولكن سيحتاج الأمر لوقت لإعادة اصطناع معادلة سياسية وتحالفية جديدة، وإعادة تعيير العلاقات السياسية (العسكرية أمنية) التي حوّرها وخرّبها نيتنياهو بشكل كبير.

بنظرة أوسع من منظورنا،
الفرصة الحقيقية أمام بلادنا (وأحكي بالأخص عن مصر والسعودية والأردن وقطر، مع مشاركات من العراق والجزائر وتونس) لا تتحصل، بغير مراجعة جادة على مستوى البنية والإرادة السياسية، ثم القابلية الاستراتيجية والدفاعية، تحركا لبناء أطر دفاعية مستجدة على مستوى الإقليم، وبناء علاقات لمحاصرة الإسرائيلي وحساب أدق للعلاقة مع الأمريكي، بالنظر لحجم التضاغطات بين الإسرائيلي والتركي في بيئة سوريا، وعقلية الصفقة والهوس الاقتصادي عند ترامب، وكذلك – التطور الإيجابي الذي حصل كما ذكرت خليجيا مع إيران. وبالتأكيد واجب استعادة اللحمة السيادية والوظيفية ولو بالحد الأدنى في السودان وليبيا واليمن. أحكي على مستوى الأنظمة.
على مستوى الشعوب، فليس أمامنا غير أن نواجه العيب الخِلقي في عجزنا أن نصطنع مشاريع جادة ولو على مستوى الأفكار والتجديدات والمراجعات في التيارات الأساسية، قبل أن نتحدث على أنماط متواضعه من التشبيك والفاعلية السياسية والتوافق الوطني واستعادة قدر من الثقة الشعبية وقدر من صيغة معقولة من تخفيف الهواجس المتبادلة ومستوى العداء مع مؤسسات النظم الحاكمة.

على مستوى المقاومة الفلسطينية، يلزمها كذلك مراجعة جذرية – ليس فقط لمسارها في العام ونصف الفائت، ولكن لفرضياتها السياسية والاستراتيجية الأصلية، وهذا يقتضي رفعا كبير لقابليتها المعرفية والمأسسية – هذا كان مطلوبا قبل طوفان الأقصى، فكيف الآن مع حجم الخسارة الفادحة – قياديا وكشرعية شعبية وشرعية إنجاز! هنا فقط يمكنها أن تتعامل مع الواقع المقبل بطريق مستجدة وفاعلة.
كما نفهم من الاستراتيجية، وهذا ما يؤلمنا بشكل كبير للأسف، المشكلة ليست في وصفات استراتيجية ناجعة قد نوصي بها ويوصي بها غيرنا، ولكن في ترميم وبناء القدرة على تخليق الاستراتيجية تلك بشكل ممتد ولحظي، ومراجعة فرضياتها، وهذا عين الداء الذي أورثنا كل هذا. فمهمن تكون هناك مقدرة تاريخية وفائقة على الفداء والتضحية، والإبداع التكتيكي المقاوم، فغياب الرأس الاستراتيجي الواعي، ليس فقط يُهدر قدرات شعوبنا ويستنزف مخرونها الذي قد بُذِلت لأجل بنائه سنينا، ولا يقود لنتائج سياسية صلبة على مستوى التقدم بالمشروع الوطني والقومي، ولكنه يقود لارتدادت عنيفة على مستوى الإقليم وتراجع سيادته لصالح العدو، فضلا عن المذبحة التاريخية لشعبنا وتصاعد فرص تصفية القضية بشريا قبل سياسيا في قطاعات فاعلة.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى