Scroll Top
الشعر

معارضات شعرية مجمعة (2)

هذه تجميعة لعدد من المعارضات الشعرية على مدار أعوام، وقد تعددت فيها النوازع والسياقات وامتد بها الزمان، وعلى هذا فهي تختلف عن التجميعة الأولى التي نشرتها في منتصف 2020.

الأولى كانت جرعات محمومة، بعد فترة من الانعزال لمرض الكورونا (وقد احتجبتُ في غرفة ملاصقة لمزرعة في مدينة بشمال لندن، ولم يكن يسليني في شهر رمضان وقد وافقته غير الشعر وحكم ابن عطاء الله) وقد فاقمت حالتي وقتها خضّاتُ القلب، والنقمة الذاتية على ما آلت له نفسي من تناقض تُظهره الأبيات بين حالة الإباء والثورة وبين ما تفرضه شراك الحب من قيد وعجز.

وقد تداعى أقرب الأصدقاء وقتها باستفزازي بقطع شعرية أغلبها من الشعر التراثي بغية معارضتي لها للتسرية عني، فجاءت جزلة التعبير صارخة السبك ، وكسياط تجلد الذات الناكثة عن عهد التبتل والجهاد، كما تجلد الحبيب الغادر بقدر الواقع المؤسف.


أما هذه المعارضات،
فهي أكثر رقة في عبارتها، وأقصر كثيرا في قذفها الوجداني، وأقرب للسياق الرسمي في المعارضة الشعرية بحس المتابعة.

والمعارضة الشعرية لون محتفىً به في تراثنا، به نعتز امتنانا لأصلنا وشرف الجدود، حتى مع ما تحمله من بعض تطاول كما أشار أحمد شوقي – إذ كيف نضع أنفسنا في مقارنة مجحفة لنا مع ملوك الشعر وفرسانه الأقدمين قبل الإسلام وبعده؟!

خصوصا وفيَّ بالأخص عينُ ما أشار عليُّ بن الجهم في قصيدته (عيون المها بين الرّصافةِ والجسرِ):

فقلتُ أسأتِ الظنَّ بي لستُ شاعرا – – – وإن كان أحيانا يجيشُ به صدري


ونعم هي متابعة لذات الوزن والقافية والإيقاع، ولكنها تفتح مساقات واسعة من المعاني، ليس فقط بالتناقض كما يشي اسمها (معارضة)، ولكن أيضا متابعة أو نقدا واستنكافا ودفقا ووصلا لمساحات أوسع.

وهي تفرض بالتأكيد على القاريء أن يعود للنص الأول ويحتفي به ويدرسه، حتى يستطيع أن يهضم ويتذوق النص التالي المُعارِض، وهي على هذا – تقوم بدورها في إحياء لغة وأعراف اندرست للأسف في أمتنا وأجيالنا، فما عرف جدودنا الشعر إلا كتناغمٍ بين ثلاثية الحرب والخيل والحب، وحاملا لأصالة الفارس ونبل السليقة وشرف المحتد.
وكنت أحادث نفسي أن قد احتملت اثنتين من الثلاثة – الحرب بحكم التخصص، والحب بحكم المكابدة والتجربة، فبقيت الخيل، حتى من الله علينا أن فتح لنا بابا فسيحا لقضاء ذلك الوطر.

وحين أتى الإسلام، لم يقف أمام تلك المعادلة بل زكاها ووجهها.

وإن نعى القرآن على الشعراء في سورة باسمهم (والشُعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا مايفعلون) لم يُغلق السورة حتى أكمل الصورة (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا، وانتصروا بعد ما ظُلِموا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)

وهكذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحب الشعر ويقدّر الشعراء قبل وبعد الإسلام، فضلا عن تصنيفه للشعر كأداة في الصراع. ولم يستنكف عن سماع أبيات الغزل لكعب بن زهير في قصيدته (بانت سعاد) والتي سطرها اعتذارا للنبي ومدحا له، فخلع عليه بُردتَه. فصار هذا ديدنٌ لمادحيّ النبي الأكرم أن يستفتحوا بالغزل – سواء الإمام البوصيري في بردته والذي اغتبط بها مقام البُردة الأولى لكعب (وقد سعدت أن وضعت خيلي في القرية التي وُلِد فيها وتعلق اسمه بها)، أو شوقي وغيره في معارضتهم لها.

والشعر مستند أساس في دولاب العلوم الدينية في التفسير واللغة والأصول وغيرها. كما اشتُهِر عن ابن عباس:
«إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب»

(1)

فبراير 2023

في الطريق بالسيارة لعملي في المستشفى بالقاهرة، والذي يمرُّ بقلعة صلاح الدين ومزارات مصر القديمة، يرسل صديقي بأبيات استدعاءً لمعارضتي إياها – لايخلو من استفزاز لمفارقة حال المُعارَض للمُعارِضوأردّ عليها بتعجُّل

يقول المتنبي

“أُغالِبُ فيكَ الشّوْقَ وَالشوْقُ أغلَبُ

وأعجبُ من ذا الهجرِ وَالوَصْلُ أعجبُ”

فأقول:



ولو أن مثلي للحنين مُقدرٌ

لطاب الجوى والوصلُ أزكى وأرحبُ


ولكن أرماح المنايا تقدّني

وشوقٌ إلى غوْرِ الوقيعةِ أغلبُ

————————————–

وينقل عن شاعرٍ غير مُعرَّف


“أفنيتُ عمري في هواكَ ضحيةٌ

‏ واللهُ أدرى بالنفوسِ وأعلمُ



أشقيت قلبي والهيامُ يقول لي

‏ مِن أجل عينٍ ألف عين تكرم



‏لو كنتَ تخشى الله ما أشقيتني

‏لا يرحمُ الرحمنُ مَن لا يَرحمُ



‏شرع المتيم قَد تبين حُكمهُ

‏الوصلُ فرضٌ والفراق محرمُ”

فأردّ قاطعا:



الوصل فرضٌ والفراق محرّمُ

إن كان في صدرِ المُعنّى مُغرَمُ


تقضي الشريعةُ أن يُؤبّدُ وصلُنا

فيغيضَ إيمانٌ ويدنسَ مَحْرَمُ

—————————————

وينقل عن شاعر آخر قوله:

وسَارقَةٍ،تُلاحِقُني كَظِلِّيْ

حَظِيتُ ببعضِها،وفقَدْتُ كُلِّيْ


وقبلَ الرُّوحِ،ضَاعَ القلبُ منِّي

فقُلتُ:سرَقْتِهِ؟..قالتْ:لَعَلِّيْ

فأردّ:

فإن تَرْجُ الهوى يطربْك حينا

وأفتكُ ما بدارتنا التملّي


فليثٌ يُسترَقُّ من ابن آوى

ووصلُ الخُلْدِ مبدؤه التخلّي


(2)

أغسطس 2023

لئن كَانَ تَالِ العُمْرِ أَرْجَاْهُ لِلْفَتَى  ….. فَخَيْرٌ لَهِ نَظْمٌ لِسِيرَةِ بَاسِلِ

وَخَيْرُ الحَيَاةِ العِلْمُ يَفْجُرُ زَمْزَماً  ….. يُرَوَّى بِهِ طُهْرٌ حَجِيجُ الوَسَائِلِ

فَذَاكَ لعَمْرِي الفَوْزُ وَالفَضْلُ وَالمُنَى ….. وَأَرْجَى إَذَا تُرْجَي صِحَافُ الأَفَاضِلِ


وقد بلغني أنه رحمه الله قد ارتقى شهيدا في أول الحرب، فإن صح ذلك، نسأله سبحانه أن يتقبله عنده في الشهداء ويجعله شفيعا لنا. وإن كان لا يزال حيا، فله مني السلام والدعاء بالسلامة والأمل باللقاء.

ولعل هذا من مفارقات المُعارَضة المؤلمة، أن قد احتججتُ عليه بما قد سبقنا هو إليه وكان مُصدقا لتمامه، ونال منزل الشرف والعز، وتركنا في وهدة الكلمة ومكابدة واقع السوء.

=

(3)

يناير 2025

ستألفُ فقدان الذي قد فقدته

كإلْفكَ وجْدان الذي أنت واجدُ

على أنه لا بدّ من لذْع لوعةٍ

تهبُّ أحايينا كما هبَّ راقدُ

****

ريح السموم : الريح الصحراوية الجافة
تعمد: تؤلم وتنهك
القِدّ: ذات القوام
ريضان: جمع روض
أوراس – الجبال بهذا الاسم

(4)

مارس 2025

“فدع التعزُّزَ إن عزمت على الهوى

إن العزيز إذا أحب ذليل”

“ودَّعتُهُ عند الغروب مُلوِّحًا

من يومها كُلَّ الزَّمان غُروب”


(فداوها بالتي كانت هي الداءُ)

1 مُدنف: المرض والهزال الشديد

2 جنانا: فؤادا

3 تعذلني: تلومني

(5)

أغسطس 2026

أَطَعتِ الآمِرِيكِ بِقَطعِ حَبلِى

مُرِيهِم فِى أَحِبَّتِهِم بِذَاكِ



فَإن هُم طاوعُوكِ فطَاوِعِيهِم

وَإِن عَاصَوكِ فاعصِى مَن عَصَاكِ



أَمَا وَالرَّاقِصاتِ بِكُلِّ فَجٍّ

وَمَن صَلَّى بِنَعمانِ الأراكِ 1



لَقَد أَضمَرتُ حُبَّكِ فِى فُؤَادِى

وَما أَضمَرتُ حُبّاً مِن سِواكِ

1 الراقصاتِ بكل فج : أي الإبل السريعة التي تستخدم في الارتحال والجهاد. نعمان الأراك: واد في مكة. أي أنه يقسم بهذه الإبل وبقاصدي البيت الحرام

2 أي أن لي غاية في النجوم وكلما تابعتها أغشتني رؤياكي

3 ويب: هلاك. أي ليت من يلومونني على إهلاك نفسي في الحب أن يتجامعوا في تقديم شيء يدرأ الهلاك ذاك عني

4 أي ليت من يريدون تصفيتي، أن يقدموا بين أيديهم بشيء من رائحتك حتى يهون الأمر ويطيب

5 حتى وإن أحرزت منيتي وقضيت على كل طاغية في الصحراء الشاسعة، فلا شفاء لي بغير لقاك

Comments (1)

[…] 0 2    By Mohamed شعر منوعات أغسطس 10, 2026 معارضات شعرية مجمعة (2) […]

اترك تعليقا