تحليل استراتيجيفكر استراتيجي

على هامش الإسكندر: النجاح التكتيكي و الاستراتيجي – معارك الزلاقة والأرك بالأندلس

12/12/2020

على هامش سيمينار الإسكندر الأكبر
https://www.mediafire.com/file/inha4pq8a256xye/audio_only.m4a/file

إذا اعتبرنا أن النجاحات التكتيكية الكبيرة يمكن أن تؤدي لنجاح استراتيجي حتى بغياب استراتيجية عظمى
إذن لماذا لم تؤدِّ انتصارات المسلمين الكبرى في الزلاقة تحت قيادة يوسف بن تاشفين .. و كذلك في الأرك تحت قيادة أبو يعقوب المنصور الموحدي – لتقدم استراتيجي للمسلمين في الأندلس
؟

دعني أوضح النقطة النظرية أولا.. الاستراتيجية (لا نحكي هنا عن طويلة المدى) ولكن الشاملة والعسكرية، هي التي تحدد طبيعة النجاح العسكري المطلوب، وتجمع بين هذه النجاحات للوصول لأثر استراتيجي ما يرتبط بتغيير الإرادة السياسية للخصم، لتحقيق الأهداف العليا.

أحيانا يكون هناك ضعف في الاستراتيجية تلك ويكون الانشغال بتحصيل نجاحات تكتيكية. دون بالضرورة توظيفها أو ضبطها في إطار عام.
غالبا هذا لن يقود لأثر سياسي واضح ومقصود. ولكن في حال كان الخصم منهارا وحصل فراغ استراتيجي تبعا لذلك، سيكون هناك بعض التقدم لصالح الطرف الأول.

تخيل مثلا في الحرب العالمية الثانية، بكل الخرق الاستراتيجي لهتلر، انهار أمامه الاتحاد السوفيتي، ولم تدخل أمريكا الحرب.. نعم – ستظهر معالم الضمور الاستراتيجي النازي في مستويات أزمة ممتدة وضعف النهايات السياسية، ولكن ستحقق مكسب استراتيجي – بحكم التراكم العشوائي للنجاح التكتيكي وانهيار الخصم.

وهذا بالضبط ماحصل في حرب 67..
النتيجة التي تحصل عليها الإسرائيلي (تحطيم الجيوش العربية، والتوسع الجغرافي ثلاثة أضعاف، وإزالة خطر الحصار البحري) أعلى مما يُنبئنا عنه ضعف القابلية الاستراتيجية عنده.. لماذا؟ لأن هناك انهيار مفاجيء للجبهة العربية.
فلو تتخيل مثلا، تعاطيا مختلفة بها الحد الأدنى من المنطق العسكري بعد الضربة الجوية واجتياح شمال وشرق سيناء بريا،
وتعامل مختلف في الجبهة السورية قريب من ذلك، أو بدعم الجبهة الأردنية..
لم يكن الإسرائيلي حقق أغلب ما وصل إليه.

ولهذا – فحين تحسنت القدرة الاستراتيجية – بل حتى العملياتية- نسبيا في النصف الأول من حرب 73، وحروب المقاومة، انكشف الضعف الاستراتيجي الإسرائيلي بالرغم من بقاء ذات القدرة على تحقيق النجاح العسكري النظامي – تكتيكيا وعملياتيا.

مسألة الجراند الاستراتيجي – بمعناها الممتد وليس الشامل المؤقت – أمر آخر.
لأن نتائج الحرب ككل – وليس فقط المعارك – هي مؤقتة إن لم يتبعها مسارات ديبلوماسية وسياسية، وحتى عسكرية تبني عليها لمدى زمني، لتحقيق أهداف عليا.
وهي أعقد كثيرا من الاستراتيجية، لأنها تقتضي وضع تصميمات ممتدة ومراجعتها، وموضعة محطات الصراع الكبرى فيها.. ولهذا فكثيرون ينظرون لإمكانية وجودها بعين التشكك أصلا.

وهناك حوار قديم لي في هذا الشأن.
حوارات استراتيجية 2: حول تحوير الاستراتيجية العظمى، والنظام المصري في ليبيا

الأصل – حقيقة – ألا توجد جراند استراتيجي أو يكون فيها ضعف.
ولكن وجود استراتيجية للحرب بالتأكيد أمر مفصلي لتكييف مستوى النجاحات التكتيكية المطلوبة، والدمج بينها وبين مصادر القوى غير العسكرية – تدعم كل منها الأخرى، للوصول للهدف السياسي.

ولهذا – فحين وضعت نموذجا في رسالتي للدكتوراة حول تقييم النجاح الاستراتيجي، جعلته مقتصرا زمنيا على استراتيجية الحرب ويما يعقبها بزمن قصير، وليس الجراند استراتيجي.. إلا – أن تكون هناك متطلبات واضحة ومعلومة للجراند استراتيجي من الحرب ذاتها، فاعتبارها أولى من اعتبار تحقيق الهدف السياسي.

بخصوص تقييم الانتصارات العسكرية للمرابطين والموحدين في معارك الزلاقة والأرك على الترتيب مثلا..

فهي تؤكد دور الاستراتيجية العسكرية والشاملة – دعنا حتى من وجود استراتيجي عظمى – في صياغة وترجمة والبناء على الانتصار التكتيكي، والأثر الوخيم لغيابها.
والحقيقة – أنك بدراسة هذه التجربة، تظهر لنا قيمة الاسكندر على مستوى الاستراتجية وتوظيف الانتصار العسكري – تكتيكية أو عملياتية.

لو تتبعت مافعله الاسكندر، ستجد أمرين:

1- دوما هي سلسلة تعاقبية من الانتصارات العسكرية التكتيكية وصولا لأهداف عملياتية كبرى – بالمعنى العسكري.. سواء في البلقان واليونان، أو آسيا الصغرى، ومع فارس.. وصولا لتحطيم القدرة العسكرية للخصم وهذا متطلب استراتيجي جوهري للوصول للهدف النهائي السياسي.
2- دوما هناك موضعة للاستراتيجية العسكرية (والانتصارات التكتيكية تحتها) ضمن استراتيجية شاملة بها حضور كثيف للأدوات غير العسكرية:
أ. اليونان – لاستعادة الرابطة وتحريكها سياسيا وعسكريا وشعبيا لهدف قومي: تحرير آسيا الصغرى من الفرس..
ب. تأسيس أعراف سياسية وإدارية ومفهوم أممي، لصهر الشعوب مع استيعاب مكوناتها الدينية والإثنية – ضمن بوتقة إمبراطورية -في المرحلة التالية.

هذا تعلم أنه كان يقصده – على الأقل كصيغة مبسطة – وليس مبالغة أو فهما بأثر رجعي لنتائج غير مقصودة مثلا.

ولكن حين تنظر لحالة المرابطين والموحدين:

أ. النقطة المباشرة أنه لم يحصل أي استثمار المعنى العسكري لمتابعة تلك الانتصارات وصولا لتحطيم الجيش القشتالي، أو نهايات عسكرية أخرى، كحصار مدن، أو احتلال أراض.

ب. النقطة الأخطر، أنه لم يكن موجودا أي تصور استراتيجي ما لتحييد خطر قشتالة، مما يفترض أنماطا ونهايات عسكرية مما سبق ذكره، خدما لتوظيف سياسي ما (بناء تحالفات، قطع خطوط سيادة، هدنة بتصاريف مُعززة لإخصاء القدرة العسكرية للخصم لأمد.. طبعا معاهدة سلام طويلة المدى ليست واردة بمعطيات العصر.

و صحيح لم يتم الاستفادة المباشرة في علاج جذري للبيئة الداخلية للأندلس سياسيا وعسكريا.. بحيث يتم تعديل موازين القوى العسكري لامتلاك القدرة على تحطيم ممالك قشتالة وأرجون. وهذا بالضبط هو موضع الجراند استراتيجي. وهو إن كان غائبا كتصور مسبق على الوجه التفصيل عند اسكندر، ولكن نجح في الوصول لنهاية معقولة بال
Adventurous Strategy
كما حكينا.

لكن – حصلت بالمناسبة نتائج استراتيجية وبعض التغيرات البنيوية في بيئة الأندلس الداخلية، والحقيقة لايمكن فصلها عن نتائج المعركتين التين دعمتا شرعية المرابطين والموحدين داخليا، مما سهّل كثيرا، بل ساهم في صنع غاية السيطرة على الأندلس، لهما.
فالمرابطين أتوا بعدها بسنين كما نعلم، وكذا الموحدين.. وكلاهما أسس نظاما عاما له درجة من القوة أعلى كثيرا مما كان قائما من قبل، وعقدا هدنة مع ألفونسو السادس والثامن على الترتيب.

وهذا أخر كثيييرا معركة العقاب لقرنين تقريبا والتي أسقطت الأندلس. فهذا أثر استراتيجي هام بالمناسبة.

فالأمر يُنظر له بتوازن..

  1. نعم، هناك ضمور في الاستراتيجية العسكرية والشاملة – بالمقارنة بمارأيناه عند الاسكندر، وهذا منع السعي نحو التوظيف العسكري للانتصار التكتيكي، لانتصارات على مستوى أكبر، وعدم التوظيف الاستراتيجي للوصول لنتائج سياسية مستقرة وحاسمة.
  2. ولكن كذلك، الانتصار التكيكي الكبير حينها، مع اضطراب بيئة الخصم القشتالي بالتالي، ثم بعض البناء عليه لإحداث تحسين ولو مؤقت في البيئة الداخلية للأندلس – ولا يمكننا فصل وجود نفس استحواذي عند المرابطين والموحدين كذلك، فالسيطرة على الأندلس لم يكن محكوما فقط بدافع ديني واستراتيجي، وهذا ساهم في تأخير سقوط الأندلس لقرنين.

ختاما للمفارقة (باصطلاح لوتواك عن
Strategic paradox)
، عندي بعض السخرية التاريخية حين أنظر لتلك المعركتين بالأخص.. الحقيقة أن الشرائح الأندلسية في الجيش المسلم (سواء المعتمد ابن عباد في الزلاقة، أو ابن صناديد في الأرك) هي قامت تكتيكيا بالدور الأصعب وتقريبا ثباتها هو من ضمن النصر.. ولكن السياق والتداعيات جرّفت النتائج السياسية لهذا النصر (في البيئة الداخلية) لصالح القوة المغاربية، التي استولت على الأندلس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى