Scroll Top
الفقه السياسي

الدوافع خلف كتابة هذه التقريرات أبعد حقيقة عن حرب إيران، وإن كانت النقاشات وهستيريا الفضاء الاجتماعي كما نُقِلت لي؛ إذ أني لست من متابعيه، قد حفزتها.

وكذلك – فشهر رمضان وما به من فيض روحي وصفاء، ومكوث مع الذات، أفاض الله علينا فيه من فضله وتقبّل، كان مشجّعا وليس منُشئا.

وهذا لأن ما أنوي تناوله وتقريره من مسائل أكثر اتساعا وحضورا، لأنها في صلب ميدان التفاعل والانحدار الفكري والديني والحضاري والسيادي لأمتنا، والذي هو حاضر منذ قرون، وليست فقط مسئولة عن العجز في المقاربة السليمة لأزمة بعينها.

هي حالّة علينا مجتمعات وأفرادا وتقطع علينا سبل النهوض والاستعادة، ولكن ربما تتفجر جليا في الأزمات والمفاصل، والفوضى العارمة في الآراء والمواقف، والتي لا يزيدها فضاء التواصل الافتراضي وما يقدمه من بيئة للشغب والإحساس الزائف بالدور والانشغال، إلا اشتعالا.

وسأحاول – بإذن الله – عرضها بإيجاز لا يخلّ بالعمق المطلوب في تناولها، وبطريقة تجمع بين التأسيس والتمثيل، وبحيث أن تشتمل كل حلقة على موضوع من بابه، ولكنها تبقى في باب الإشارت وليس الدرس الأكاديمي المستقصي.

وأنا لا أقدمها جلدا للناس وبالأخص الشباب، بالأخص وأني أعلم أن بناءها يقتضي بيئات صحية في التعلم المنهجي والتربية وحضور النماذج والقدوات تفتقدها بلادنا وجُلّ تياراتنا للأسف. بل الواقع أن بيئاتنا تلك سواء كانت تحت أنظمة أو داخل حركات ومساقات أضيق يغيب عنها الرشد والقدرة والحس الأخلاقي المتزن في أغلب الأحوال، وإلا فكيف وصلنا لما وصلنا إليه.

ثم أن الكثير من هذه البنود، ليست فقط تقتضي رياضة مضنية، وبناء معرفي صبور ضمن أطر شديدة التنوع والتداخل لسنين؛ بل إن الكثير من الأطر النظرية لتلك المساحات بالأصل غائب في مدوناتنا ! أبواب كالفقه السياسي مثالا، عانت من الجمود والتحريف وغياب التجديد والإضافة لأسباب شديدة الموضوعية تاريخيا تبعا لانهيار نموذج الحكم الرشيد؛ فأضحى على الفقيه بفرض نزاهته التعامل مع واقع مشوّه، حتى وإن لم يقصد لتجميله وشرعنته، فواجبه أن يتفاعل معه كما هو بما يحقق أفضل المصالح وينسجم مع المقصود الشرعي، ومع الوقت يصير الطاريء أصلا بل محكما! كما فعل الإمام الجويني مثلا في (غياث الأمم) من تمهيده ومحاججته صفحات طوال فقط ليثبت أن (شرعية التوريث الحكم) كحكم أصلي ليس من محكمات الشريعة!

ثم بطبيعة الحال – حين يتوقف إلحاح الأسئلة يتوقف السبر الجاد للأجوبة والتجديد والبناء والتفريع كديدن كل العلوم.
وبالنظر للتراجع الشديد في باب السياسة في بلادنا، تنظيرا وممارسة، فقد تراكمت آلاف الأسئلة غير المُلتفت لها، وفي معزل عن التطور الغربي في بيئة مغايرة نعم وبمسار تدريجي منتظم، ولكنه يقدم نافذة حقيقية للمفاد التجريبي الذي تم منهجته وتحليله وفي تفاعل مستمر بين النظرية والتطبيق.

فإذا كان المنظور الشرعي في باب السياسة يترك أصلا مساحات واسعة للتجريب – إذ أن من أفعال وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ما كان في باب الإمامة لا التشريع (أمنزل أنزلكه الله أم هي الرأي والحرب والمكيدة) وكما توسع في شرح هذا الباب الإمام القرافي في مدونته عن الفروق، ثم كتابه – (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام).

ولكن حتى في هذا الباب فإن الشريعة تتدخل ولكن تدخلها محصور بوضع المقاصد والقيم وأحكام عزيزة (في القيمة والكم)، فلا يمكن للمفكر المسلم في هذا الباب إلا أن يحتك بمدونات التجريب الإنساني والغربي بالأخص بجدية ليملأ دولابه الخبراتي، مع ما للتجربة الذاتية من أثر فاعل. ليس فقط ليفرزها بالمنظور الديني (ينزع عنها ما يصطدم مع قطعيات الشريعة لأنها لب الديانة)، ومن حكمة التشريع في هذا الباب كما ذكرت هو قلة هذه الأحكام مع حراجتها، وحضور مقاربة مقاصدية وأخلاقية أكثر تماسكا وضبطا، ولكن أيضا ليُعرّضها لسؤال اختلاف السياق الاجتماعي والسياسي والتطور التاريخي ذاته. وهذا يطال المنهج والمنتوج على السواء ولكن بنسب مختلفة!

وإنما أشعر بالامتنان لتقديرات الخالق سبحانه، أن عرّضتني ، وكثيرا على غير تقدير مني أو حتى رغبة، لمساقات من التفاعل الذاتي، قادتني بوعي وبالسوْق إلى مساحات متداخلة من المعرفة والتطبيق أجبرتني على الاحتكاك بهذه الأسئلة مبكرا، وسهّلت عليّ، بل وأجبرتني تحت ضغط الحاجة، طرق البحث عن إجابتها، وقضاء فترات ممتدة في الدرس والتمحيص والمراجعة.

ونعم – قد أرى صواب ما أطرح هنا، ولكنه نتاج تجربة ذاتية، ولهذا فهو أبعد عن القطع فضلا عن العصمة! وشعوري بصعوبة هذا الطريق وما قد يهبنا القدر من مسالك في خوضه أو يحرمنا منه، يخفف حدتي في النكاية ويزيد الشعور بالواجب بقدر الامتنان (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها).

فالانفتاح منذ الصغر على تجربة الحركة الإسلامية وبالأخص جوانبها المعرفية والتربوية وسؤال التغيير السياسي، ثم دراسة مكثفة في الأصول والفقه السياسي تحديدا، والبناء المعرفي عموما – بشكل ذاتي ولكن متتبعا لمنهج بعينه وضعه غيري، ومكتبة شخصية بها أمهات كتب الأصول تراثا ومعاصرة، وبالرغم من شمول ما كنت أقرأ ولكن التركيز بالأخص كان على أصول الفقه لإدراك جازم بحاكميته على إطار المعرفة، وأنه لايمكن الاشتغال بأسئلة المنهج ومحاكمته إلا منها وبها.

ثم بشكل أكثر تماسكا في حضور جلسات رواق الأتراك بالأزهر في أواخر سنيّ الجامعة وما تلاها قبل سفري لانجلترا. ربما لم تضف لي هذه الجلسات الكثير  في المادة العلمية، ولكن الكثير في الوثوق والمراجعة والاختبار، وسمت طلب العِلم وتواضعه، فليست القراءة في الكتب ببديل عن المشافهة والسماع. ونعم، ربما كان موقفي سلبيا ممن كنا نتتلمذ عليه في جوانب مختلفة، ولكنه كان شديد الرسوخ في الباب النظري للأصول.

ومنذ أول سنيّ الجامعة بدأت تجتاحني الأسئلة الناقدة ومحاولة التفتيش عن إجابات وجدتها تختلف مع مجمل مسار الحركة الإسلامية خصوصا في أسئلة التغيير السياسي والتربية والمرجعية والمناخ السائد، ولهذا – كانت خطوة الانتقال للغرب لأسباب أهمها البحث عن تلك الإجابات العملية في واقع الأمة وسبل النهوض وهل فعلا تمثل الحركة الإسلامية سبيلا سليما فضلا عن وحيدا لها؟

 ومع الانتقال للغرب كان الاحتكاك الحركي مع أرفع مستوى مع صغر السن حينها (26 عاما)، وهذا شيء شديدة الندرة أن يحدث في تلك الحركات العقائدية المغلقة، التي لا تدعك تصل إلى مستواها الأعلى – بحيث يمكنك رؤية الصورة جلية وكاملة – إلا بعد أشواط عديدة في التنظيم وعتبات لابد من امتثال الطاعة المطلقة فيها، وظهور دلائل عن ذوبان شخصيتك في الإطار الجماعي والمحكوم بدقة كمصادر في التربية والتكوين والسمات!

ومع الانفصال مبكرا عن الحركة الإسلامية منذ 2007، فلم يكن هذا نتاج أزمة شخصية أو نقمة حادة ومجافاة بالخصومة؛ بل العكس، كان الود باقيا، والنصح مبذولا وإن تعددت المواقف وتطورت حتى لخصومة سياسية حادة، وموقف فكري ناقد ما بعد ثورة يناير. ولكن هذا الافتراق كان الوصول لحقيقة جازمة  – عندي – في استحالة سبل الإصلاح من الداخل، وأن هناك أجيالا بأسرها، مهما كان فيها سمات إيجابية، غابت عنها مسالك البناء المعرفي والقيادي والخبراتي وتلبست بداء الإحساس بالاصطفاء والقداسة والتنزيه الجماعيين في أحسن الصور، وتشوه فيها المثال الأخلاقي والنزاهة في أسوئها.

وصاحب هذه المفارقة، بحثٌ عن الدور الذاتي للإعذار، وكان هذا السبب الثاني للهجرة لانجلترا أصلا أن أدرس شيئا بجوار الطب الذي أُجبِرتُ على دراسته من والدي رحمه الله، ويأتي ثالثا هدف التدريب الطبي وخلق مساحة مهنية أكثر نضجا وإنجازا! إذ كان من المستحيل الوصول لإنجاز سريع بالطب بحيث أن أدفع بجواره لتخصص آخر في بلادنا، فضلا عن ضرورة الاحتكاك الغربي لتشكيل العقلية والمقاربة الطبية المتمكنة، هذا ما ترشح عندي أول الأمر وآخره.

وبالرغم أني بحكم خلفيتي المعرفية والتطبيقية وطبيعة الأسئلة التي شغلتني كنت أميل مثلا لتخصص الاجتماع السياسي، ولكني فجأة وجدت نفسي أمام مجال الدراسات الاستراتيجية وبالأخص في المجال العسكرية.

نعم، هناك تفاصيل في الفرضيات التي حكمتني وقتها في الدور الذي يمكن أن أقوم به لبلادي وأمتي – صحّ بعضها وأخطأ الآخر، حيث كنتُ أرى أن فرص التغيير السياسي في بلادنا ترتبط وتتفاعل حديا مع مسارات المقاومة، ولكن الخلاصة – أنها كانت تجربة ثرية ليس فقط أنها امتثلت كميدان تجريبي للعديد من الأفكار التي وصلت لها في أبواب مثل الفقه السياسي والتغيير (لأنها بالأخير محسوبة على العلوم السياسية والاجتماعية وإن كان بينهما فوارق في المنهج والمنظور)، ولكن في أسئلة وتأهيلات أخرى في أبواب الصراع وقيادته استراتيجيا والتاريخ النقدي، وحتى العلاقات المدنية العسكرية (وهذه كان لها قيمة في معرض التحول الديمقراطي بعيد ثورة يناير؛ إذ أجبرني الواقع حينها أن أضيف للمنظور الاستراتيجي في تناول هذه العلاقات وهذا ما كنت أدرسه، محاولة الدرس والبحث في منظور السياسي والتحول الديمقراطي.. أذكر، أني في يوم 29 يناير 2011، أن طلبت من أمازون مجموعة من الكتب في هذه المساحة تهيئا لما يأتي ! ).

وفي الفترة 2011 – 2013، حاولت اختبار فرضيات خاصة بالدور الإعذاري الذي كنت أبحث عنه، رفضت بعضها ابتداء، واختبرت أخرى ورأيت عدم نجاحها، ولا أجزم الآن – ولم أجزم حينها بصواب ما اخترت ولكنه ما رجح أمامي بعد محاولات وتفويض واستخارة.

ولقد اختططت لنفسي دورا في مساحتين بقي معي حتى نهاية تلك المرحلة:

1) محاولة التوجيه والترشيد لمسار الثورة والتحول الديمقراطي معا، سواء بالتواصل العام أو الخاص، مع الشباب جملة أو تيارات وكيانات. ولم تمنعني مثلا خصومتي السياسية مع الإخوان، أن أرسلت لهم نصحي باستمرار مكتوبا ومشافهة. وبعض هذه الأوراق الناصحة نشرته حينها. وأذكر أني خضت تجربة إعطاء محاضرات في مدن الصعيد في طريق عودتي من رحلة نيلية مع أسرتي، وكانت جدّ رائعة، بالأخص حيث اشترك في تنظيمها كل التيارات – الإسلامي بكل تنويعاته واليساري والليبرالي والوسيط ـ وتناولت الملفات التي سيأتي ذكرها. ولقد أعطيت محاضرتين لمحافظيهم في أسيوط والمنيا في 2013 على التوالي- أحدهما منشورة.
نعم – اشترطت أن أتحدث عن الحوكمة السياسية والديمقراطية وليس فقط في فنيات الإدارة الاستراتيجية كما أرادوا، وهنا أوضحت وحذرت برفق من الخلل الجسيم في المسار السياسي الذي يخوضونه، وكان حتى أعلى من إدراك الحاضرين حقيقة. و بالرغم من التخوين الذي وصل لحد التكفير من بعض قيادة الإخوان حينها، لكني بقيت ناصحا أمينا – على قدر جهدي – لهم ولغيرهم – في السر والعلن.
ولكني بالتأكيد حين أراجع ما قمت به أرى أوجه قصور في تلك التجربة كالخلط الذي حصل كثيرا بين دور المتخصص والأكاديمي ودور المحفّز والفاعل والمنخرط وهذا أربك كثيرا دوري وخطابي، مع أني رفضت أن أنخرط في أي نشاط سياسي حزبي أو سلطوي مع وجود عروض كثيرة.
تخيلت أنه بالإمكان الجمع بينهما حين أُحسن التمييز، ولكن طبيعة الظروف والملفات والمتابعين وانفعالي الذاتي بما كان حلما لي منذ الصغر – لم تكن لتسمح، خصوصا وقد حسمت الأمر مع نفسي في أبريل 2011 أني سأبقى في الدائرة الأولى. ولكنها أفادتني على مستواي الشخصي وهذا موضع الحديث هنا.

2) التوجه للشرائح الشبابية بالدرس والتعليم، بالأخص ما أسميته حينها التيار الثوري الوسيط، الذي انفعل بأفكار وأحلام الثورة والتغيير السياسي، وفي ذات الوقت، إما أنه خليّ عن الأيديولوجية، أو صارت له صيغة معها مُهذّبة وكابحة أن تُخرّب البوصلة الوطنية الجامعة، أو تُفشل استحقاقات الفعل السياسي لتمكين الإرادة الشعبية والتحول الديمقراطي الرشيد.
وهنا كانت مقالات ومحاضراتي على ثلاثة عناوين:
أ) استراتيجيات التحول الديمقراطي ومتابعة الثورة في إطار الدولة، وضبط العلاقات المدنية العسكرية بشكل متوازن؛ بحيث لا يتحرك المسار لوصاية عسكرية ولا لمحاولة جماعة شمولية للسيطرة وهي بالطبع أعجز عن هذا كقدرة ومنتوج – وكلاهما يقود لانهيار التجربة.
ب) مقاربة في التجديد الفقهي السياسي – لأن تصوري حينها ولا يزال، أن الكتلة الأكثر حضورا وفعالية هي تخرج من باب الحركة الإسلامية ومنفعلة بسؤال المقاربة الإسلامية للسياسة والحكم بذلت جهدا في تمحيصه أو بقيت في إطار العصبية والمقولات العامة الموروثة. نعم – إشكالات التيار الإسلامي كبقية التيارت جزء وافر فيها نتاج ضعف القيادة والرؤية الاستراتيجية والهوس بالحكم والابتعاد عن المثال الأخلاقي والانتهازية والاستقطاب الحاد، ولكن جزء مهم كذلك – بالأخص عند كثير من النجباء نتاج إشكال في الإدراك الديني والأصولي نفسه لسؤال السياسة، خصوصا – كما ذكرت، هو إرث ثقيل لغياب التجديد والاجتهاد والتفاعل الإيجابي لقرون والمُمحّص للأدبيات والتجربة الغربية، وضمور التقويم النقدي للتاريخ، وضعف حتى في التعرف على التجارب الذاتية فيه سلبا وإيجابا.
ج) بعض الإضافات التقديمية في باب الدراسات الاستراتيجية ذاتها، كجزء من التأهيل الكادري لنخبة سياسية من كل التيارات، وكنت دوما أحرص على هذا، وأيضا لحل بعض المشكلات في التعامل مع العلاقات المدنية العسكرية.. فمن ناحية، مع بقاء الضمور المعرفي والمهاري عند النخبة المدنية في هذا الباب، فهناك صعوبة شديدة في التقدم في مساحة العلاقات تلك (وبحق – لأن المؤسسة العسكرية لا تجد أمامها غير مجموعة من الهواة فاقدي الحد الأدنى من الخبرة والإدراك – فكيف تتخلى عن الوصاية فضلا أن تقبل بالهيمنة المدنية)، وكذلك – لأنه للأسف هناك وعي سائد في التيارات الإسلامية واليسارية بالأخص يُهوّن كثيرا من الميراث التاريخي Legacy و القيمة الحقيقية للجيش المصري وبقية جيوشنا العربية، دون تمييز بين مشكلات فرضتها النظم الحاكمة وعبء تجاربها السيئة، ومشكلات في البنى الاحترافية والتطور كقابلية استراتيجية وعسكرية، وبين أن هذه الجيوش بالرغم من نزعتها الأبوية – لم تكن يوما خليّة عن البعد الوطني والقومي وحتى الديني الحيّ، وقامت بأدوار مشهودة ولو بعد انكسارات، ولها قيمة مركزية في الحفاظ على فكرة الدولة ذاتها.
هذه الفكرة هي حتمية تاريخية ومقصود ديني؛ قد تعتريه كثير من عوارض التشوه ومجافاة الرشد، ولكن محاولة كسرها دون وجود مسالك ناضجة وبديلة هو كارثة وطنية ودينية.

ولعل من يتتبع الإمام الجويني، وهو من أكثر الأئمة الأقدمين تأييدا لفكرة الخروج والتغيير السياسي على غير السائد (أقول حتى ما رفعته بعض التيارات التراثية لمرتبة الاعتقاد ! كما في الطحاوية: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا)، يجده شديد اللهجة والتعنيف لمن يتساهل ويتلهي بهذه الأمور! والجويني نفسه كما سيأتي لاحقا، ليس فقط تعامل مع الدولة السلطانية والتي لم تجعل من الخلافة إلا رسما بمنطق القبول كما فعل غيره وساد، ولكنه أسّس لعلل ذلك وشروطه !
فلو استوعب الفقيه القديم هذا الدرس التاريخي في مضار الخروج ورفعه – بغير حق – لرتبة الاعتقاد وعلى الأقل المُحكم الذي يُجرّح عليه الرواة (كما جادل ان حجر في تقريب التهذيب ضد هذا بقوله: هذا مسلك للسلف قديم ولكن حين رأوا ما حصل في الحرة تركوه)، فكذلك لابد نعم من استيعاب تغير الأزمنة والعوائد وربط الأمور بالجدوى والسياقات – ولكنه ليس شأن المنبت الأخرق الذي يتساهل في محاولة هدم الدول والأوطان بما يضيع مصالح البلاد والعباد، وياليته حتى عنده القدرة والرشد أن يدير بلدة وليس دولة! في أوضاع دول مركزية بلحمة شعبية وجيش قوي يذهب سعيه عبثا، وفي أوضاع أخرى حين تتفاعل حروب الوكالة والتوظيف والإزاحات الأقليمية وينجح، سينحو قريبا من مثالب سابقيه ، وإن تغيّر وكلاؤه، ويزيد عليه وصفا دينيا أو ديمقراطيا، هذا إذا افتقد مساحات النضج الفكري والاستراتيجي وغابت عنه مثالية الانحياز للحق ومفارقة هوس الذات.

وعودة لخط حديثنا – نعم، كانت هناك أوجه قصور كذلك في دوري السابق هذا تبعا لتعقّد أسلوب الخطاب تبعا للخلفية التي أشرتُ لها، وكذلك – عدم التدرج من المقدمات للمرتبة الوسيطة وصولا لدرجة طرح جوانب التجديد – خصوصا مع أجيال لم تكن طبيعتها حينها وحجم الانشغال بدوامات الأحداث تتيح لها هذا الترقي المنهجي في وقت قصير.

ولكن الحقيقة – أن هذه الخلفية الكثيفة والمتكاملة والمتداخلة، لم تقد فقط لتعامل مع الوقائع والأحوال بشكل معقول من حيث التقدير والانحياز، ولكنها أفادتني كثيرا كبناء معرفي وخبراتي بما أجدت فيه أو أخطأت، واستفادت هي كذلك، من مسيرتي الأكاديمية في تحضير الدكتوراة في الاستراتيجية، والتي اخترتها في مجال النظرية الاستراتيجية التطبيقة، وميدانها التجريبي هو في الحروب العربية الإسرائيلية.

بالرغم من تحذير أستاذي كولن جراي – لي من هذا الموضوع، وأنه أشبه بأربع رسائل دكتوراة معا، وليس هذا من حكمة الإنجاز في هذه الخطوة الحيوية في المسيرة الأكاديمية بشيء، ولكني أصررت، أولا لأني لم أكن تحت ضغط مادي يقتضي إنشاء مهنة؛ إذ أن لي مهنة مستقرة كانت وبقت مصدر دخلي ومعاشي، وهذا فضلٌ من الله، وتأنيب لي أن غفلت عن قوله سبحانه (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)، وكذلك لتحميلي والدي عقدة الذنب بغير حق حتى وفاته لدفعي لهذا المسار. والحقيقة- أنه في هذه المرحلة النكِدة في بلادنا، واحتياجها لنخبة فاعلة وأكاديمية يغلب عليها الاستقلال (فمن لايمد يده ، يمُدّ رجليه – كما قال مفتي الديار للخديوي إسماعيل يوما)، يبقى الاعتماد المادي على مهنة الفكر والسياسة خطِرا.

وثانيا – لأني كنت أعتبر تجربة رسالة الدكتوراة ميدانا ذاتيا للتطور المعرفي والخبراتي، ليس في ميدان الاستراتيجية فقط ولكن حتى الحروب العربية الإسرائيلية التي اقتضى التناول الجاد لها انفتاحا على كل المساقات الاجتماعية والسياسية والثقافية وليس فقط العسكرية والاستراتيجية تاريخيا – بشكل بنيوي ووظيفي معا. وفوق هذا – في الميدان المستمر للأسئلة الفكرية والابستمولوجية.

وبالرغم أن أستاذي كان قامة فعلية في المجال، ولكنه كان يُذهل من كيف وصولي لحلول تنظيرية في المنهج وليس فقط المنتوج، وكان يردها لتخصصي الطبي؛ أني (عالم scientist) كما كان يفخر أحيانا بي أمام طلابه الآخرين.
نعم – بالتأكيد تخصصي وبحثي الطبي أفادني في ميادين مختلفة وتنظيم الذهن والبحث عن الدليل، و أوضحها كان إدراك المفارقة الابستمولوجية والمنهجية بين البحث ومنتوجه في العلوم الطبيعية والتطبيقية كالطب وتلك الخاصة بالدراسات الإنسانية والسياسية، وإدراك حدود النسبية وأثر حاكمية النموذج  paradigm  والأثر البشري فيه كما وصف توماس كون قديما فكيف في أبواب تكون فيه هذه العناصر أشد حضورا، وتغيب المعايير الكمية عادة، ويصعب بناء علاقات سببية على سبيل الحصر، ويستحيل عزل التجارب عن سياقاتها فضلا عن محلليها والقائمين بها!

وكثيرا ما يخوض أستاذي مناوشات حادة مع مختصي العلوم السياسية، والتي يغلب عليهم – بالأخص المدرسة الأمريكية – الطبعة الوضعية Positivist وانتحال وصف العلم بصيغته الطبيعية فضلا عن التطبيقية، في ذهول كامل عما سبق ذكره من مفارقات. ونحن في مدرسة الدراسات الاستراتيجية كما سيأتي في الجهة المقابلة تماما. فكان يحتج بي أحيانا، هذا أتي من تلك الدار (العلمية، والطب المبني على الدليل) واقتنع بما أقول من نسبية المعرفة، وحاكمية السياقات، ودور النظرية في التأهيل لا التوجيه الحرفي!

 ولكني كما أوضحت له أكثر من مرة، أنا فقط ناقل لكثير من المفردات البسيطة في علوم الأصول والفلسفة الإسلامية كما خطها أئمتنا منذ قرون بعيدة.. مسائل حتى كمسالك التنظير عند الأصوليين، وقيمة النظرية في التطبيق وقدحها للملكة الفقهية أكثر منها تحكمية في التنفيذ، وغيرها الكثير. وأن هذه الأكثر تأثيرا في تكويني المعرفي والطرائقي من الطب بأشواط. بالأخص – لأنها في ميدان قريب ابستمولوجيا.

الشاهد – أن ما كنتُ أحكي عنه في محاضراتي القديمة عن (مقاربة نقدية لأسلمة المعرفة) أو (مقاربة تجديدية للغياثي)، عن مراتب تفاعل الباحث المسلم للسؤال السياسي (التعرف الجاد على الذات تراثيا، والانفتاح المستقصي والمتفاعل مع الآخر الغربي، ثم بناء معرفة ذاتية بالواقع ليس فقط مراعاة للمنظور القيمي ولكن السياق وأسئلته)، وحدود الاقتراب والافتراق ، التصدي والانعزال للنظر الشرعي فيها، ومساحة التجريب والتفاعل معها استفادة وفرزا وبناء تعاضديا ، وصولا لإنتاج مستقل، كنتُ مجبرا على ممارستها، أصبتُ أم أخطأتُ في ذلك.

وفي السياق العام، أعملت تحولا حادا فيما أنا منخرط فيه بعد يوليو 2013. من ناحية، شعرتُ بتقديم كامل للمعذرة وصولا لهذه النقطة، ولم أكن أر أي رجوع عنها للأسف الشديد في المسار السياسي لمصر، وأن أي مسالك تتجاوز ذلك خصوصا إذا تحركت بشكل صدامي خطابيا وعمليا ستقود لتكريس التصفية والإسراع في غلق المجال العام لأسباب ذكرتها حينها.
وفي ذلك الوقت، أصابتني مرارة وحسرة إذ أني شعرت بعدم النجاح في أي من المهمتين. بالتأكيد، لم أكن أنتظر منتوجا كبيرا من دوري الفردي في توجيه مسار عام فيه قوى هائلة تتصارع داخليا وإقليميا ودوليا، فكنتُ لحد ما راضيا عن ذلك. ولكن الشريحة التي كنتُ أتوجه لها بأدور التعليم والتوجيه كذلك لم أستطع أن أنقذها من مسار كارثي بالاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك.
نعم – بالتأكيد أن المنتوج التعليمي ذاك يصعب تحققه بشكل كبير من حضور بضعة محاضرات ودورات، خصوصا أن الموضعة السليمة وشق مسار مختلف في واقع يغلب عليه الهستريا وغياب أي حس أو أمارة من وعي أو استراتيجية أو ضبط فكري وأخلاقي، تحتاج ليس فقط لوفرة بالوعي ولكن قوة شخصية أخلاقية وصلابة نفسية على مخالفة السائد، وطاقة على الفعل المختلف.

فكان الخيار حينها أن يكون اقتصاري فقط على دوري الأكاديمي والمعرفي، وأن أبذل النصيحة لمن يطلبها ويكون جادا في ذلك. وربما لم يحصل هذا على استحياء إلا بعدها بسنين حين انكسرت حالة الهوس وظهر فشل الفرضيات الأولية، ولكن بعد أن ناء الوقع بإسر تحولات حادة وفاتورة ثقيلة يصعب علينا كوطن المضي معها.

لم أقم بشيء في المجال العام بعدها غير مشاركة في مؤتمر القانون والمجتمع ما بعد يناير – في الجامعة الأمريكية  بالقاهرة 2015، بعنوان (كيف تعثّر التحول الديمقراطي المصري – العلاقات المدنية العسكرية وإطارها التشريعي)، وبعدها بعام تقريبا،  قمت بفتح مدونتي، والتي حولتها لموقع أكثر تشعبا واختصاصا في 2024، وبدأت أعود ثانية للكتابة والمحاضرة في مجال الاستراتيجية بشكل أساس، مع تناول متقطع للشأن السياسي والفكري – كذلك من منظور متخصص وليس منحازا لفئة أو فصيل، وبعض اقتراف للشعر.

وجدتُ لزاما أن أقدم هذه التطوافة حول مقصود هذه الحلقات، والخلفية والروح اللي سأتناولها بها، ومع تبيين أوضح لنافذتي الذاتية. وكما أسلفت، كل هذه التقريرات تقريبا هي نتاج عقود من التفاعل والدرس والمراجعة، أرى صوابيتها، ولكنها أبعد عن ملاك العصمة، ومنه سبحانه التيسير والغفران.

Comments (3)

كلمات كتبت بمداد القلب..
تذكرني بمن قال كل جهدي ليس يجدي .. إن أن بارب وحدي
وعلى ما بها من شجن تذكرني بالخليل سيدنا إبراهيم حين قال الله له: «عليك الأذان وعلينا البلاغ»، لعلها من مساحات الإعذار أيضا، لكن لعلها تنفع من أراد الله به خيرا

عبد الله بن أمته الوراق

البيعة مع الله! نفع الله بكم وزادكم علما. ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. وإنا نرقب ما تكتبون وننتظر بمزيد التشوق.

Comment to عبد الله بن أمته الوراق إلغاء الرد