Scroll Top
الفقه السياسي

الحقيقة لم يكن في تقديري البدء بتناول المسألة الإيرانية والشيعية، ولكن قدمتها لتساهم بعض الشيء في تصحيح بعض المفاهيم الأساسية، والتي تبقى ضرورية عموما لتحري قواعد العدالة والفهم السياسي السليم والتمهيد لوحدة الأمة، ولكنها أكثر إلحاحا تبعا للاحتدام الحاصل في بلادنا حاليا، ودخول تيارات مع هذا الخط أو ذاك لغرض الحشد أو الشيطنة، مما تضيع البوصلة معه فكريا وأخلاقيا وسياسيا.

لقد تناولت إيران في مواطن عديدة (خمسة مقالات العامين الفائتين)، صحيح أن سياق التناول كان استراتيجيا بالأساس وبشكل أقل سياسي، ولكني تطرقت بلطف للسياق الفكري والمذهبي. وهنا، أتناول باختصار هذا الأمر بمضامينه الشاملة، ولكن بالتركيز على فكرة مركزية سأختم بها.

إيران الشاه كانت ركنا في التحالف الغربي، وأمريكيا كان أمن الخليج لحد ما متروكا لصيغة من التوازن بين إيران والسعودية – ما سُمِّي بالاستراتيجية ثنائية الطبقات Double layer strategy ، بالأخص بعد استقلال الإمارات الخليجية عن انجلترا أول السبعينات. ولكن بالتأكيد كان للمخزون العسكري والتاريخي والشعبي لإيران وطموح الشاه الكفة العليا، وكان هذا مقبولا لحد ما حتى أواخر السبعينات، حين شعر الغربي أن الشاه يتجاوز حدود الولاية الإقليمية لدور أكثر استقلالية. ما أشيع عن تسهيلات لحركة الخوميني هو صحيح، ولكنه كان ينظر لذلك على وسيلة لابتزاز الشاه، ولكن انفجار الثورة بهذا الشكل وخروج النظام الناشيء عن السيطرة – كما في أزمة الرهائن، كان مفاجئا. كذلك – إيران الشاه كانت ضلعا أساسيا في التحالف مع إسرائيل، وتركيا – وبشكل غير رسمي أثيوبيا، ضمن ما يُعرف بالاستراتيجية الطرفية Peripheral strategy  عند إسرائيل، وتم تأسيس مكتب لذلك أسموه المُثلّث Triangle. ولقد حضرت في لندن في 2015 سيمنار لفاعل أساسي في ذلك المكتب – يوسي ألفير – تبعا لمناقشة كتابه  Periphery: Israel’s Search for Middle East Allies. والمنطق الأساس في تلك الاستراتيجية هو أمران: الإشغال وتحويل القدرات العسكرية لدول الطوق بعيدا عن إسرائيل، وكذلك امتلاك منصات سياسية وعسكرية متقدمة خارج الخنق الجغرافي للقيام بعدائيات ضد الدول العربية.

وبالفعل كان عند الإسرائيلي- مكتبه للموساد في طهران – بعض الأمنيات في تمديد هذا التحالف ولو بصيغة مخففة، ولكن اطرحت سريعا بعد أن أدرك طبيعة هذا النظام الناشيء وغادر طهران. واتجه النظام نحو استعلان النصرة للقضية الفلسطينية وكانت أول طائرة تصل لطهران للتهنئة بالثورة – لمنظمة التحرير – أبو عمار رحمه الله؛ نعم – كان التشوّف لهذا الزلزال الإقليمي واسعا، خصوصا في لحظة دخل فيها الصراع العربي الإسرائيلي لنفق مظلم، بخروج مصر منه في معاهدة السلام. وكان الأمل الفلسطيني مع ظهور جبهة الرفض، وعنصرها الأساسي في العراق بقيادة صدام حسين وماعنده من حس قومي مفرط ومشاريع طموحة في النووي والصواريخ والنهضة العسكرية والعلمية الشاملة، لا ينقصه غير جرعات مطردة مع الثورة الإيرانية لمواجهة العدو المشترك.

ولكن للأسف، اشتبك الطرفان في حرب دامية استمرت، وأضاعت على بلادنا فرصة لترميم استعادة للمشروع العربي في صراعه مع إسرائيل، وبالطبع لم يدخر أعداء الأمس ونفس أعداء اليوم أي فرصة لإشعالها إذا تراجع أوارها. ولعل هذا المنطق كان الدافع الأساس وراء فضيحة إيران الكترا – محاولة أمريكية لتسليح إيران عن طريق إسرائيل مقابل إفراج عن أسرى أمريكيين في لبنان واستخدام العوائد في دعم جماعات متمردة (كونترا) في نيكاراجوا. وهناك تقارير عديدة على تسهيل إسرائيل لصفقات سلاح لإيران في النصف الأول من الثمانينات – كقطع غيارات للطائرات وغيرها من الأسلحة الأمريكية الموروثة من جيش الشاه، في ظل المقاطعة الأمريكية الرسمية للنظام وتسليحه بعد أزمة الرهائن.
فمن المهم النظر، أن الاقتراب الإيراني – الأمريكي الإسرائيلي وقتها كان في ملف وحيد ضد العدو المشترك (العراق) خصوصا مع تقدمه في العامين الأولين للحرب، ولكن خلفية العداء واضحة وحدية وعلى هذا مثلا – كيف أنشأ الحرس الثوري حزب الله وماقام به من هجمات عنيفة أجبر الأمريكان وفرنسا على الانسحاب في 1982، وأجبر الإسرائيلي على الانسحاب للمنطقة الأمنية في الجنوب في 1985 واستمر الصراع بعدها وصولا للانسحاب الكلي في 2000.
 إيرانيا – أدت الحرب لانكسار أوهام تصدير الثورة عسكريا، وتراجع كثير من الفرضيات الأيديولوجية تحت صخرة الواقع، وربما هذا أفاد في تطوير السلوك الإيراني استراتيجيا بعد ذلك، ولكنه أضاع عليها وقتا ثمينا وفرصًا هائلة كان من الممكن الاستفادة بها في بناء ذاتي، وتطوير إطار إقليمي أكثر توازنا وتحقيقا للمصالح الاستراتيجية مثل ماحاولته تاليا. و من ناحية العراق – نعم قادت لتحييد التهديد الإيراني لحين، ولكن بثمن استراتيجي عالٍ – كان القبول القسري بترسيخ التدخل الغربي بالمنطقة، والقبول بتعدي إسرائيلي على مشروع استراتيجي (النووي) هو شديد الحيوية لاستعادة السيادة العربية ومشروعها، والنتيجة الأفضلية التي انتهت بها الحرب لصالح العراق كانت في حد ذاتها معول هدم سواء في تضخم الغرور الذاتي لصدام وتصوره الزائف عن إدارك مدى قوة نظامه وجيشه وحدود حركتهما إقليميا، أو التعمية عن إشكالات جوهرية في مأسسة صنع الاستراتيجية، والقوة القتالية على السواء.

الوزن الإقليمي لإيران تضاعف بعد سقوط العراق في 2003، وكذلك حصل تقارب مع الأمريكي في تسهيل ملفات السيطرة الداخلية في أفغانستان (عبر القطاعات الشيعية في الغرب)، وبالأخص في العراق – عبر دعم الأحزاب الشيعية لصيغة بريمر، وفي ذات الوقت أحدثت إيران صيغة مقاومة كأداة ابتزاز وتطويع كما في التيار الصدري ودعم ميليشيات مقاومة سنية عبر وسطاء، وصولا لكتل تابعة لإيران بشكل مباشر (كتشكيلات عصائب أهل الحق، وحزب الله، وحركة النجباء)، لزيادة كلفة البقاء الأمريكي في العراق سياسيا وعسكريا، وهو ما أدى ضمن عوامل أخرى للانسحاب الأمريكي مع بقاء تواجد له ضمن الاتفاقية الأمنية.

وكان أهم مايشغل إيران في تلك المرحلة هو تطوير القدرة النووية (حتى وإن كانت فتوى الخامنئي بتحريم السلاح النووي هي العنوان الأظهر) وتوقي الضربة الإسرائيلية المحتملة تبعا لذلك. من ناحية طوّرت إيران سياسة الأذرع الإقليمية ضمن ما يسمى بمحور المقاومة (دعم الجهاد الإسلامي كان قديما، وزاد عليه بشكل ملحوظ دعم حماس عسكريا وماديا خصوصا بعد حسم غزة وتعرضها للحصار والمقاطعة، وتطوير العلاقة الممتدة مع النظام الثوري، واستمالة الحوثيين الزيدية مذهبيا وسياسيا ضمن مسارهم التمردي قبل وبعد الربيع العربي)، وكذلك طورت استراتيجية ردع وإكراه عبر تطوير الدرع الصاروخي، والاستراتيجية البحرية غير النظامية). وبالفعل – استفادت إيران من سياسة أوباما التي وقفت بشدة أمام أي ضربة إسرائيلية على إيران أكثر مرة، وتُوَِجت بالاتفاقية المشتركة في 2015.

أتقنت إيران حقيقة ضبط مسارات التصعيد، وترميم ميزان الردع مع الأمريكي – كما تجلى بالأخص في تصادم 2019، وكذلك مع الإسرائيلي استفادة من الفراغ السيادي ما بعد الربيع العربي والتواجد العسكري في جبهة سوريا. أما إسرائيل – فاتخذت استراتيجية شاملة تعتمد على النحت التدريجي في القدرة العلمائية واللوجستية الإيرانية في المجال النووي بعمليات اختراق استخباري وسيبري، مع اعتماد مبدأ العمليات بين الحروب للقصقصة التدريجية للتهديدات العسكرية لإيران وحزب الله – بالأخص الصواريخ الدقيقة والتواجد في شريط جغرافي ملاصق للحدود.

ما أحدث انفراطا كبير في هذا التوازن كانت عمليات 7 أكتوبر التي أجبرت إيران وحزب الله على مسارات تصعيدية ليسا مستعدين لها، وتم قضم الأذرع من إيران تباعا – حماس وحزب الله وسوريا، حتى مع بقاء حزب الله وحماس، فلقد تم إضعاف الجزء الأكبر من قدرتها الإيذائية لإسرائيل، وبالتالي أضحت غير فاعلة ككابح ضد إسرائيل أن يستهدف إيران. وحين جاء ترامب وحكومته شديدة الهوس بتلقين إيران درسا وضربها، وكذلك التماهي بشكل كبير مع الإسرائيلي، انهارت كل الكوابح أمام كل الخطط الإسرائيلية في ضرب إيران والتي هي حاضرة منذ أول الألفية.

1) الحفاظ على النظام ذاته – وهو ما أجبر الخوميني على تجرع السم (على حد قوله) والقبول بنهاية مذلة للحرب العراقية الإيرانية وانهار معها المثال الديني والمذهبي فضلا عن الطموح الإقليمي،

2) ثم يأتي تاليها الهيمنة الإقليمية والتي هي قدرٌ لازم بما تحمله إيران من كتلة جيواستراتيجية هائلة وإرث تاريخي وتكوين شعبي فارق – هو صيرورة ممتدة سواء وقت الشاة أم الخوميني،

3) ثم يأتي البعد الديني وثقافة الاستشهاد، فنحن نحكي عن كتلة عقائدية صلبة لاتزال هي المهيمنة – نعم تعتريها ثنيات السياسة والبراجماتية وتتحول أطياف منها للبيزنس وحتى أنماط من اكتناز الثورة والفساد ولكنها تبقى حاضرة في المرجعيات والحرس الثوري والباسيج.

4) ولايمكن رؤية وتجلي هذا البعد الديني إلا من المنظور المذهبي الإثنا عشري – فما أحدثه الخوميني في (ولاية الفقيه) من تحوير فكري لإرث الانتظار السلبي في المذهب إلى (الانتظار الإيجابي) – أن نزول المهدي لابد له من تمهيد بحراك سياسي وجهادي لقيامة دولة مهدوية ومواجهة الطواغيت – كأنظمة واستعمار أمريكي وإسرائيلي. ولكن هذا الموروث المذهبي – في الطبعة الغالبة فيه تعبويا – يتعامل بنفس إرث تاريخي انتقامي من الحالة السنية في كثير من الأحايين. (كل يوم كربلاء، ولا سيف إلا علي) كما أنه وقود متجدد لحس الشهادة، فهو يلصق حالة الثأر لآل البيت على القطاع الأغلب للمسلمين اليوم، فكأنهم لا يرون في أغلبهم إلا يزيدا وعبيد الله بن يزيد وشمر بن ذي الجوشن!

أنا قرأت كتاب تاريتا بارسي Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States وقت صدوره، وبالفعل في مجمله صائب، ويؤكد على ما ذكرته من غلبة المقتضيات الاستراتيجية على الأيديولوجية، وإن كان في رأيي قد مط بعض الخلاصات أوسع من حقيقتها وقلل كذلك من أثر البعد الديني في التكوين والممارسة – على الأقل لكتل مركزية في صنع السياسة والاستراتيجية الإيرانية
.

والثورة الإسلامية كانت بالفعل زلزالا فكريا وليس فقط جيوسياسيا، ولكنها لم تكن وليدة اللحظة! وإنما محصلة جملة من المخاضات الفكرية والسياسية العسيرة في إيران، وتضاغط عوامل مختلفة منها الاجتماعي والاقتصادي والديني تبعا للفجاجة التي أضحى عليها نظام الشاه ضد الفكرة الدينية والحد الأدنى للأمان الاجتماعي. بداياتها قد تعود ربما لثورة الدستور (المشروطة) 1906، حين كسرعلماء الشيعة الطوق المذهبي والذي يفرض الانعزال عن الشأن العام وتمسك الإمام النائيني بمبدأ الولاية العامة للفقهاء (الذي قرره قبله ومارسه في القرن الثامن عشر الإمام النراقي وميرزا الشيرازي)، وأسس حتى لفكرة الدستور الإسلامي عبر كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة في وجوب المشروطة)، واعتبر أن مسلك رعاية الأمة ومنع السلطة من الانحراف لا يكون بغير دستور يلزم الحاكم ويراقبه مجلس من الحكماء.

ثم استمر هذا الدور في حركة مصدق وتأميم النفط، وبالرغم من تحالف مبدئي بين مصدق وبعض رجال الدين، كآية الله كاشاني والبهبهاني، إلا أن كثيرا من المتدينين انسحبوا بل حتى انخرطوا في الثورة المُهندسة أمريكيا تبعا لبعض النفوذ الشيوعي الذي بدأ يظهر في تيار مصدق.

وفي العقد الذي سبق الثورة، كان هناك دور أساسي للشهيد علي شريعتي. وقد اشتُهر بتأسيس مدرسة اليسار الإسلامي، ولكن الحقيقة – وهو الحاصل على دكتوراة اجتماع الدين من السوربون، كان تجسيرا للفجوة بين الفكرة الدينية الشيعية بإزالة ما علق بها من الانغلاق والتعصب، وبين حال الثورة والعدل الاجتماعي (لاهوت التثوير). وكان أهم ما يميزه – أنه لم يكتف الكتابات الرصينة، ولكن بسلسلة واسعة من المحاضرات التي ألهبت عقول وأفئدة جيلا كاملا من الشباب المثقف. فشريعتي له دور تثويري في الفكر الشيعي بتمييزه بين تيارين أساسيين (التشيع العلوي، والتشيع الصفوي). الأول – هو نهج علي في الثورة والعدل ووحدة الأمة، والثاني – هذا التيار البائس الذي انشغل بتمجيد السلاطين والخرافات، والإلحاح على كل المركبات التي تهدم وحدة الأمة مثل إضفاء النزعة الألوهية على الأئمة وادعاءات أطراف فيه بتحريف المصحف وتكفير الصحابة.

فحين جاء الخوميني بنظريته عن الولي الفقيه، والحكومة الإسلامية، والثورة لأجل العدل ونقض نظام الشاه وحلفائه الغربين بالأخص أمريكا وإسرائيل، وكان المجتمع مهيئا تبعا للظلم الاجتماعي والاقتصادي البين، والتهاب المشاعر الدينية تبعا لسلوك الشاه وأسرته ونظامه والقبضة البوليسية لأجهزته، لم يكن الوضع أكثر خصوبة لإشعال حالة الثورة. وبطبيعة الحال – كانت طبيعة الخوميني الاستفرادية والتصفوية حاكمة في أول سنيّ الثورة، وتحولت الثورة كتيار ومنظومة حكم ودستور لحالة شديدة الطائفية والنزعة الثيوقراطية – التي تجعل من الخوميني (مرشد الثورة والولي الفقيه) نائبا عن المهدي، وله حاكمية مطلقة ومساحات من العلو الغيبي تبعا لصلته بالإمام، وهذه الحالة كانت أبعد كثيرا مما كان في ذهن المنظرين الأوائل للنيابة العامة وقيمة الدستور ومجلس الحكماء.

وكثير من الحركيين الإسلاميين في تيار الثورة تأثروا بتجربة الإخوان المسلمين وأفكارهم، خصوصا سيد قطب. وكان هناك دور للصلات الأولى بين الشيخ البنا والشيخ حسين كاشف الغطاء، والسيد عبد الحسين شرف الدين في دار التقريب. ولكن كذلك الدار كان فيه نخبة من علماء الأزهر – كالشيخين عبد المجيد سليم وشلتوت، والشيخين أبو زهرة وعلي الخفيف. وحصلت كذلك تواصلات ما بين سيد قطب وفدائيان إسلاميان بقيادة نواب صفوي وكانت حركة راديكالية مسلحة. ولكن أيضا نواب صفوي رحبت به مصر أول الأمر والتقى مجلس قيادة الثورة الناشئة في 1952 وخطب بجامعة القاهرة ودعا لتأميم القناة ومهاجمة المصالح البريطانية وتأميم نفط بلاده.

ولهذا – فكان ترحيب الحركة الإسلامية السنية شديدا بالثورة، لأنه مثّل انتصارا للنموذج – هكذا فهموه. وكانت صدمتهم واسعة حين اتخذت الثورة هذا المسار المنغلق مذهبيا والمستأصل للمخالف كما ظهر في الدستور والسلوك العملي.

وبالرغم من التحمس الشديد للثورة من التيارات الحركية الإسلامية، إلا أن الشيعة العرب انقسموا كانحياز عقائدي تجاه مبدأ الولي الفقيه ومرجعية الخوميني. فمرجعية النجف بالأساس – آية الله الخوئي ثم السيستاني بقيت خارج هذا الإطار، وإن كان السيستاني تحديدا – استغلالا للظرف العراقي مابعد الاحتلال والذي اعتمد على الكتلة الشيعية قد وسّع في دائرة دور المرجعية في الاحتساب – والذي وصل للوصاية بالفعل على القرار السياسي للأحزاب الشيعية ولكن خارج إطار القانون والدستور ومباشرة الإمامة الصريحة. وكذلك في لبنان – لم ينخرط في دائرة الولاية غير تيار حزب الله، وبقيت المراجع الأساسية، آية الله محمد حسين فضل الله، ومحمد مهدي شمس الدين، وكذلك موسى الصدر، مع تأييدهم للثورة الإسلامية سياسيا.

وكما ذكرت في مقال سابق، فلقد سبق لي التقاء آية الله محمد حسين فضل الله – رحمه الله – في 2008، حين كنت في زيارة بحثية للبنان لرسالتي للماجستير وقتها (الأداء الاستراتيجي للحرب غير المتماثلة: حزب الله وإسرائيل). وقمت بلقاءات عديدة مع قيادات حزب الله السياسية والعسكرية، وبجولات من البحث الميداني، ليس فقط لمواقع العمليات العسكرية، ولكن – تبعا لأجندتي البحثية الخاصة – لاستكشاف البنية الفكرية والإدراكية والقيادية في الحزب. فكم ظهر لي وقتها البون الواسع – بين خطاب حزب الله التصالحي والاستيعابي في الخارج وبين ترتبيته المذهبية المنغلقة لأبنائه، بل عاصرت بنفسي موجة تشويه كبيرة لآية الله فضل الله بسبب نفسه الوحدوي والعقلاني بشكل يكاد يخرجه من المذهب إن لم يكن الملة! وسأعود لهذا تاليا.

ولكن في العراق، تحمس محمد صادق الصدر لخط الولي الفقيه، وتبنى استيراد الثورة داخليا، وهذا بالتحديد ما دفع صدام لإعدامه. وعلى ذات النسق، أسس محمد باقر الحكيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) وذراعه العسكري منظمة بدر، وهي التي قامت بعد احتلال العراق بغالبية عملية التصفية على الهوية الطائفية، وبالأخص (فرق الموت) التي استهدفت الضباط والطيارين والعلماء العراقيين في زمن صدام.

وكان عندنا نموذجان حركيان، الأول يتبع نفس منهاج الإخوان المسلمين (القديم) في التركيز على التربية والتوسع الاجتماعي قبل الانشغال بالشأن الثوري وإشعاله على قاعدة اجتماعية مناسبة، وكان يتبعه (حزب الدعوة الإسلامية)، ونموذج (المجلس الأعلى) الذي ينحاز سريعا للتثوير والنشاط المسلح استنادا للدعم الإقليمي من دولة الثورة والمرجعية.

والحقيقة – أن البعد العقائدي والمثال الثوري الذي افتتحه الخوميني قد تغير مع الوقت. ليس فقط بسبب الكسرة في الحرب الخليجية الأولى، ولكن بحكم ديناميات التدافع السياسي في منظومة حكم معقدة ضمن سلسلة من الأزمات. والخوميني تحديدا قد وصل لمرحلة أراد تحويل كل مفردات النظام إلى أشكال رمزية تابعة. ولعل هذا ظهر في خلافه الشهير مع الخامنئي حين كان الأخير رئيسا للجمهورية، واحتج أن الولي الفقيه فوق الدستور والجمهورية.
ومع تولي الخامنئي منصب المرشد – تحولت الفكرة العقائدية المركزية من تصدير الثورة، إلى منحى استراتيجي أكثر تركيزا على المصلحة الوطنية، والتعامل مع التوسع المذهبي كأدة تمكين وهيمنة وتمديد للمصالح، وليس بغرض التثوير. حتى في إدارة الشأن الداخلي، فلم يكن الأمر احتجاج عقائدي علني بالولاية المطلقة ولكن بتعميق الحكم الفردي وشبكات التأثير المرتبطة به في الحرس الثوري والقضاء والدائرة العليا بالدولة.

الخلاصة هنا – أن نظرية الولي الفقيه (والانتظار الإيجابي للمهدي) لم تكن نبتا مفاجئا، ولكن سبقها تمهيدات كثيرة. وأن الثورة الإسلامية لم تكن في أولها استنادا فقط لتلك النظرية ولكن استفادت من الطرح الثوري المستنير لعلي شريعتي وبعض الاقتباسات الإخوانية، ولكن تجاوتها سريعا وأغلقتها. ولم تلبث هي ذاتها أن تجاوزت المثال الثوري في بعض مساحاته لتغليب النزعة البراجماتية في مصلحة النظام والهيمنة.

كما ظهر حتى الآن، فمسار إيران كان أبعد ما يكون عن المثال الثوري والديني. لقد تقاربت مع إسرائيل وأمريكا في محطات عديدة، وإن كان العداء هو الملمح الأبرز في العلاقة بينهما – كتنافس إقليمي وكذلك كبعد عقائدي وإمامي يرتبط بنظرية الانتظار الإيجابي والتمهيد للمهدي.

أيضا، قامت إيران بسياسات تصفية حين تمكنت أو ميليشيات موالية لها في العراق بالأخص، كذلك دورها في سوريا وبعد السياسات الطائفية في لبنان والتي بدأت في الظهور جزئيا بعد التفوق الاستراتيجي لحزب الله في حرب 2006. وبالرغم من احتفائي الشديد أكاديميا بتجربة حزب الله – من منظور استراتيجي بالطبع، إلا أني أخذت عليه مأخذين – كذلك من ذات المقصود: أولا) عدم إدراك قيمة المنطق الاستراتيجي الذي ساعده على النجاح وتخيله أن الأمر هو معادلة ثبات وتفوق تكتيكي، وثانيا) وهي نتاج عن الأولى – تقليله من محورية الحفاظ على القاعدة الشعبية اللبنانية والعربية في فلسفة الانتصار تلك وتبعا لذلك – قلل من كوابح هذه الروح الطائفية والتي كان يمارسها بوعي قبل ذلك.

لكن، وبالأخص في هذه الحرب، للأسف الشديد فهناك سعار من الكذب والتدليس، ومن علماء دين وساسة، لشيطنة إيران مع أنها – ليس فقط دورها في بناء واستدامة محور المقاومة لا تخطئه العين، ومع كل خطاياها الاستراتيجية تحديدا، قد حققت درجة من الصلابة الدفاعية وحس المقاومة والشهادة والقدرة على مصاولة الأمريكي والإسرائيلي – مهمن يكن مآل تلك الجولة – لم تشهده بلادنا من طرف نظامي لعقود طويلة، ولكنها هي أيضا المظلومة في تلك الحرب والتي تعرضت لاعتداء يضرب بكل قواعد القانون الدولي والعدالة بشكل لم يحصل تاريخيا منذ نشأة الأمم المتحدة.

وفي الطرف الآخر، هناك من احتشد مع إيران لدورها المقاوم وحس اللحظة التاريخية أمام أعداء الأمة، دون تمييز لحدود الخطأ والصواب، الرشد والضلال! وهذا ليس حتى في مصلحة بناء سردية مقاومة رشيدة، وتحالف استراتيجي بين أضلاع الأمة. فأساس ذلك هو صواب التقدير ودقة الميزان بين المصالح والمفاسد وما قد يُغيّر في هذا الميزان تبعا لتغير السياق والموضعة. وبناء الثقة لا يقوم إلا على تحري الإشكالات، والمراجعة والتصحيح، وأخوك من صدقك لا من صدّقك في كل حال. والنصرة قد تقتضي الزجر عن المظلمة بقدر ما هي الاصطفاف والزود.

وترتكز الأطروحة التي تشيطن إيران، والشيعة، على ركيزتين: الأولى تكفير الشيعة الإثنا عشرية، والثانية هي مسلك إيران التصفوي والتمددي في العقدين السابقين بالأخص.

يحضرني أني قدمت ورقة بحثية في مؤتمر للتقريب بين السنة والشيعة في لندن 2008، وللأسف فقدتها منذ فترة طويلة. ولكني في فكرتها المركزية تابعت الشهيد علي شريعتي بضرورة الوحدة الاستراتيجية في مصالح الأمة وأمام عدوها مع الاحتفاظ بخصوصية المذاهب. ولكن ما يجعل لهذه الوحدة مِلاكا صلبا هو القيام بتكاشف حقيقي ومراجعة على نقاط شديدة التأثير على تلك الوحدة، كمثل ما أشار شريعتي أن الوحدة أقرب ما تكون بين التشيع العلوي والتسنن المحمدي، وأبعد ما تكون أن تحصل بين التشيع الصفوي والتسنن الأموي! والحقيقة – أن هذا (التسنن الأموي) يبقى شيئا نظريا فبعض مرتكزاته – وليس كلها – ضمن طوائف سنية محصورة.

على أني تتبعت نقاطا مركزية تنغص صفاء الحياض الإسلامي عند الطائفة الإثنى عشرية. من دراستي القديمة للأدبيات الإثنى عشرية والفقه الجعفري، وللأسف – معرفة الكثيرين عن ذلك نتاج قراءة لأدبيات شديدة التشويه (ككتابات إحسان إلهي ظهير، وجاء دور المجوس ! – ولكن كتابات د السالوس من المنظور السني أكثر رشدا، وكذلك كتابات أحمد الكاتب وعلي شريعتي من المنظور الشيعي)
نعم أدركتُ أن هذه المنغصات ليست التيار الأعم، بل هي ملفوظة بشكل غالب، ولكن أحببتُ التنبيه لمزيد استنفار لمحاصرتها.

النقطة الأولى) هي تخرم الدين بلاشك وتخرج عن الملة، وهي القول بتحريف المصحف، بادعاء نقصانه بالأساس عن آيات الولاية. والحق أن جماهير علماء الشيعة الأقدمين والمحدثين على رفضه، واعتبروا ذلك من أركان المذهب. ولا توجد في الكتب الأربعة – على طروء الضعف على جل أحاديثتها – بالمنظور التحديثي الشيعي ذاته، أي أحاديث دالة بشكل يقيني على هذا المعنى. ولكن هناك مرويات فيما تلى ذلك، واعتمدها بعض أركان المذهب الإخباري. ومن أفضل الكتب وأوجزها تتبعا لهذا (صيانة المصحف من التحريف) للشيخ محمد هادي معرفة.
أما مصحف فاطمة، أو صحف فاطمة بمعنى أدق، ففي عُرف هذه الجماهير من مراجع الشيعة ليست قرآنا ولكن أذكارا ومأثورات وتأويلات .
ولكن، من حين لآخر تظهر بعض تلك الآراء المنتسبة لتلك المدرسة البائسة، وهنا كان التنبيه عن لزوم لفظ المجتمع الشيعي لها بوضوح والوقوف ضدها.

وفي هذا يقول شريعتي –

بالتأكيد أن هناك اختلافات عميقة في العقائد والأصول، وأهونها في الفقه ، بيننا، ولست أرى ما يرى شريعتي أنه مجرد اختلاف علمي في مذهب واحد، ورأي أغلب علماء أهل السنة كما علماء الشيعة أنها مسائل قطعية قد تستلزم الضلال لا الكفر – ولكن هذا ليس في حق المُعينين الذي يستلزم الحكم عليهم اعتبارات مفصلة وثبوت شروط وانتفاء موانع وأهمها الجهل والتأويل.. ولكن العبرة ألا نكفر أهل القبلة إلا بما يخرم المعلوم من الدين بالضرورة، وهي مسائل محدودة.

النقطة الثانية) وفيها شبهات على صفاء التوحيد ولكن لا تصل للتكفير، وهو ما يُعرف بالولاية التكوينية، أي تفويض الخالق للأئمة بعضا من مهام التدبير (دون استقلال). وهذا التقييد هو ما يحجزنا عن التكفير الصريح. وهو بلاشك شبيه بما هو سائد في بعض الطرق الصوفية مما ينيطه الخالق بالأقطاب بزعمهم. نعم – نحن نلفظه بعقيدة التوحيد، وليس عليه دليل في المطلق؛ فإنما يهب الله لبعض أوليائه وأنبيائه بعض الخصائص كإحياء الموتي وإبراء المرضى ولكن بدلالة ظرفية ولغرض الإعجاز والعبرة وليس على سبيل التفويض! وما أجمل ما خطه آية الله فضل الله بالأخص في نقض هذه الشبهة، أن وظيفة الآئمة – في العرف الإمامي – هي التوجيه والإرشاد والتدبير المعاشي، وليس التدبير الكوني؛ فليس من حاجة له!

النقطة الثالثة) هو تكفير بعض الصحابة أو اتهام السيدة عائشة بما برأها القرآن منه. والحقيقة – أن مراجع الشيعة نعم ينعون على كثير من الصحابة بالظلم لحق علي وآل البيت واغتصاب الخلافة منه، ولكن لا تقول أكثريتهم بالتكفير. وتكفير الصحابة والسنة عموما لتأويل فاسد هو ضلال كبير لا مراء، وكان موجودا في التيار القديم وعلى رأسه المجلسي، لأنه في ظنهم رد لنص جلي في إمامة علي وأبنائه، ولكنه بذاته لا ينقل للكفر إلا برد صريح لآيات الكتاب. وما عليه الفتوى المعاصرة لجماهير المراجع هو اعتبار السنة مسلمين، وأن الإيمان بالإمامة هي من أركان المذهب الحق ولكن ليس إنكارها مكفرا.

ولكن في ذات الوقت، فهناك حس تكفيري ينتشر وسط العوام، وتأثرا ببعض المرجعيات في تضليل السنة دون بالضرورة وجود الضبط العقدي والفكري عندهم. وأمور كرفض تزويجهم والصلاة ورائهم. وقد لاحظت هذا بنفسي في زيارتي التي تحدثت عنها للبنان واحتكاكي بالقاعدة الاجتماعية لحزب الله. وفي ذات الوقت، كان التيار الخارج عن ولاية الفقيه أكثر انفتاحا وتأسيسا لوحدة المسلمين وعدم تكفير الصحابة أو حتى زيادة العداء ضدهم.

وأذكر أن أشد ما أخذوه على آية الله فضل الله في تلك الفترة كان تصديه ورفضه لحديث كسر ضلع السيدة فاطمة الزهراء وقتل جنينها. وفي رأيه أن الرواية ضعيفة متهالكة كالكثير من المرويات الحديثية في نظر التيار الأصولي، ولكنها لاتصح عقلا ومنطقا، فكيف يُعقل أن يترك الإمام عليّ بشجاعته ومروءته زوجته الحبلى أن تتصدى لرهط الصحابة ويقودهم عُمر، وجاءوا لإجباره على بيعة أبي بكر. وموقفهم هذا كان كاشفا لي عن مسحة تعصب وانغلاق عالية، فكيف يصلون لتضليل أهم مرجعياتهم والأب الروحي حقيقة للحزب خصوصا في بداياته، لمجرد أنه يحتج ضد شيء ينغض وحدة الأمة وصفائها.

ولابد أن أشير، أن داء التكفير كذلك منتشر فينا أهل السنة للأسف، ليس فقط للشيعة أئمة أو عواما أو الاثنين معا، بل حتى لطوائفنا السنية ذاتها، وتاريخنا فيه محطات شديدة المرارة في ذلك ومستمرة حتى اللحظة. هذا ليس فقط عند الطوائف شديدة الشذوذ كداعش والقاعدة، ولكن حتى عند متشددي الأشاعرة والوهابية، فالأوائل معطلة وجهمية عند الأواخر، والأواخر مجسمة وحشوية عند الأوائل.

 أما جناب السيدة عائشة فلا خلاف في إجماع علماء الإثنا عشرية على تنزيه عفتها لجناب النبوة. غير أن هناك رواية مقطوعة في تفسير القمي ردها واستشنعها المجلسي (مع كونه من رءوس المذهب الإخباري) واعتقد زيادته على التفسير، هذه تمسك بها هذا الساقط من لندن والمدفوع بجهات خارجية للأسف للتحريش بين أبناء هذه الأمة، ورفضته بشكل كامل طائفته ومراجعها.
وكواقع عملي إفتائي، فنعم هناك جملة من الإفتاءات لمراجع الشيعة بمنع قد يصل لتحريم سب الصحابة سدا لذرائع التحريش بين المسلمين، وإنما يجب تعميم ذلك كسياسة اجتماعية ودينية صارمة.

4) هناك نقاط أخرى مثل عقيدة البداء، والحقيقة أنه لايمكن القطع في كفريتها بقول لأنهم عند متابعة أئمة أهل السنة لهم فيها يُميِّزون بين علم الله الأزلي وهذا لا يتغير وبين تقديراته لعباده وهو ما يخفي عن المخلوقين بما فيهم الأنبياء والأئمة وهذا يتغير، وفي هذا اقتراب من الاعتقاد السني. كذلك عصمة الآئمة ومتابعتهم للتشريع فهو شيء شديد البطلان في الاعتقاد السني وهو منسوب قطعا للضلالة، ولكنه لا يحتم التكفيرلأنهم بالأخص في مسألة التشريع لايقولون بالاستقلال عن الخالق بالتشريع أو تلقي الوحي، ولكنه إما قبسا من علم آل البيت المنقول بالتوارث، أو إلهاما – قريبا مما يعتقده الصوفية في العلم اللدُني.

5) ولكن أفجأني الحقيقة بعض التدليسات على الشيعة، بالأخص مما ورد في حديث مفتي سوريا، وحاكمها الجديد الآن مشغول باستيفاء دوره بالمساعدة في تجييش ميليشيات سنية لمواجهة إيران وحزب الله في أتون هذه الحرب الدائرة :
     –  تائه جبريل؟! وهذا قول فرقة يكفرها الإثنا عشرية، تسمى الغرابية، نسبة لقولهم أن جبريل أخطأ في الرسالة ونزل علي النبي الأكرم (ص) بدلا عن الإمام علي لأنهما كانا متشابهين كما يُشبه الغراب الغراب.
     – المجوسية والساسانية ؟! أين يوجد هذا في أي تصنيف أو ممارسة شيعية بإيران ، وهل يقول بهذا عاقل ؟! بل إن التيار الديني حتى من قبل الثورة كانت من اعتراضاته على نظام الشاه المبالغة في النزعة الفارسية واستدعاء الإرث الكسروي بديلا عن الحس الديني.
    – المذابح والكفر العملي ؟! الأزهر وشيخه، وفي أشد فترات داعش بطشا وإرهابا لطوائف الأمة، رفضوا ضغوطا سياسية كبيرة لأجل تكفير داعش، لأن التكفير ليس صكّا على حسب طلب السلطة وبالتشهي والخصومة. (ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى)

وأختم هذا الجزء بالإحالة لبيان من الشيخ القرضاوي، وجدته من أجود ما قيل في مسألة تكفير الشيعة الإثنى عشرية، وأدقه. ولقد كتبها بنَفَسٍ غاضب تبعا لمهاجمة جريدة إيرانية لحواره مع صحيفة مصرية وكذلك ردا على آية الله فضل الله والشيخ تسخيري في نقدهما غير المنصف والمشوِّه له، ولكن هذا الغضب أزعم أنه لم يزحزحه عن عتبة الإنصاف.

https://www.al-qaradawi.net/node/4975

المسلك الآخر في شيطنة إيران هو الحديث عن سياسات الهيمنة على المنطقة، وقيامها بجرائم تصفوية بالأخص في العراق وسوريا. وأنا الحقيقة لا أدافع عن إيران في هذه المساحة، فبالتأكيد أرى أنها جرائم ارتكبتها بشكل مباشر أو عبر أذرع، إما بفعل الدفع المباشر، أو تهيئة بيئات من التوتير الطائفي والانغلاق المذهبي في جماهير الأتباع. ولكن واجبي كذلك أن أشير إلى نقاط حتى نرى الصورة بأكملها:

1 ) طبيعة الدول خصوصا إن كانت لها هذا الحظ من المركزية والثقل أن تسعى للهيمنة، بالأخص في بيئات معادية. ونحن نحكي عن منطقة تم استلابها ويتحكم بها أعداؤها وصنائعهم من عقود. أعطيكم فقط مثالا من حرب الخليج الأولى – كلا من روسيا وأمريكا كان يؤيدان العراق رسميا ويدعمانه بالأسلحة، وحين توقفت الإمدادات السرية لإيران بعد إيران كونترا، تحول الجيش الإيرانية لمرحلة ال De-mechanization ، أي فقدانه للبعد الميكني والأرصفة التسليحية الرئيسية وهذا قاد بشكل مباشر لخسارته للحرب، بل مشاركة الأمريكي بنفسه بالحرب كما في عملية Praying Mantis ضغطت هي الأخرى في إقناع الخوميني بالتسليم. الأمريكي نفسه – منذ منتصف الثمانينات، كان تصوره الخططي الأساس بالمنطقة هو اجتياح السوفيت لإيران في منتصف الحرب (ما عُرِف حينها بتدريب: النظرة الداخلية)، وقبيله كان تأسيس القيادة المركزية بتطوير رأس لوجود عسكري دائم بالمنطقة. فالأمر عند الإيراني ليس فقط بحثنا عن الهيمنة، ولكن عن صيغة دفاعية مناسبة، خصوصا بعد انكسار موجة الهوس الأيديولوجي وتصدير الثورة.

2) الكثير من مساحات الهيمنة الفعلية كانت ملئا لفراغ تركناه نحن العرب بالأساس! أخطر أخطاء صدام تاريخيا كانت بالتأكيد غزو الكويت، ولكن السلوك الخليجي قبيل الغزو ومعه كان شديد الاستفزاز لشخصية مهووسة بالبارانويا كصدام ومعبأة هي الأخرى بهوس قومي وأحلام هيمنة. أما الموقف من احتلال العراق في 2003 فكان كارثيا، ليس فقط للاعتبارات الدينية والقومية ولكنه بالمنطق الجيوسياسي المباشر، إزاحة العراق تعني تمدد إيران، والأمريكي لن يبقى أبد الدهر. فضلا أن القراءة السطحية لسلوك الأمريكي قبل الغزو كان تشي باعتماده على الكتلة الشيعية التي تحتمل كذلك على موالاة لإيران.
وأسوأ ما فعله العرب حقيقة كان في ميدان الصراع العربي الإسرائيلي، حين تخلوا عن دورهم مبكرا، مصر، ثم لحقتها بقية الأنظمة بعقدين، ترك هذا براحا كاملا للإيراني أن يقفز على هذه المساحة – توظيفا إقليميا وداخليا، وأيضا تعبيرا دينيا ومذهبيا كما أشرنا – وبهذا الترتيب.
ولم تكن مرحلة الربيع العربي، ماحصل في سوريا مثالا، ومغامرة عاصفة الحزم، إلا إتاحة لتوسع إيراني أكبر، ومفاقمة للفراغ السيادي، وتوريطا للحال العربي.

3) جرائم إيران في العراق وسوريا بالأخص لم تكن هي الجانية لوحدها، بل كثيرا ما تكون في خانة رد الفعل. تبقى جرائما وانتهاكات غير مبررة، ولكن الصورة ليست كما تظهر دوما. مثلا في العراق – بداية الحرب الأهلية كانت في حادثة تفجير المرقدين مع مالهما من قداسة عند الشيعة في 2006، فضلا عما بها من مذبحة بشرية ارتكبها تنظيم الزرقاوي، فضلا عن ميرات التقتيل في الطائفة الشيعية ومرجعيتها في عهد صدام. صدام كما أشرت سابقا، لم يفعل ذلك من منظور طائفي، ولكن هم حسبوها كذلك.
وفي الحرب الأهلية بالأخص في 2006- 2007، كان التقتيل على الهوية تبادليا، ولكن الغلبة كانت لهم للكثرة وسيطرتهم على نظام مابعد الاحتلال.
وحين ظهرت داعش في 2014 وتمددت، دعمها قطاعات من السنة، مع وحشيتها وبطلان منهجها، ومنهم أصدقاء لي، وكنت مصدوما وأنعي عليهم، أن التجربة ليست فقط هي ساقطة دينا وإنسانية، ولكنها لن تستمر، ودعمها سيجر ويلات انتقامية بعد ذلك كما حصل في انتهاكات الحشد الشعبي.
فرق الموت كانت ميليشا إيرانية – بالأخص فيلق بدر، وشرعت في تقتيل العلماء والضباط والطيارين العراقيين القدامى. وقد فعلوها ردا انتقاميا على حربهم مع العراق، وكانوا هم المعتدى عليهم بالأساس، وفعل فيهم صدام جرائم حرب وضرب مدنهم بالكيماوي وهم كانوا يحرمونه. بالطبع ما قاموا به هي جرائم بشعة وليس لها ذرة تبرير، خصوصا وقد انقضت الحرب باتفاق منذ عقدين ونصف خليا، ولكن هذه الطبيعة التي تستحضر ميراثا ثأريا من 14 قرنا، تحسب عقدين شيئا يسيرا!
أما سوريا، فبالتأكيد جرائمهم ليست أقل من جرائم الميليشيات السنية، والتي دعمت بعضها دولا خليجية، فضلا عن داعش. وكما حشد خصوم النظام السوري من أول لحظة على البعد الطائفي وتحولت الثورة الشعبية لحرب طائفية وبالوكالة، فكذلك – احتال النظام وحلفاؤه من إيران والحزب على كل ما يفيد صيغة التجييش والحشد على ذات النفس الطائفي البغيض.
والحقيقة – أن خسارة إيران والحزب من مسلكها في سوريا يفوق كثيرا مكاسبها، وأعني بالحساب الاستراتيجي، وقد أوضحت هذا في مقالاتي الاستراتيجية، لأنه أفقدهما ضلعا رئيسيا في التأييد الشعبي العربي والمحلي ويمثل موردا في قوتهم الاستراتيجية والقدرة على ضبط ميزان التصعيد والمناورة به وليس الانحسار تحت تحكم الإسرائيلي كما حصل تاليا. فضلا أنه كان بالإمكان ربط التدخل في مناصرة النظام بالضغط عليه لتحوير أجندته السياسية والعسكرية في مكافحة التمرد لنمط أقل سواء وإجراما؛ شيء كما حاول الروسي أن يفعله تاليا في بعض الملفات، ولم يفعلا.

حتى في الحرب الحالية، كقانون دولي – استضافة أي دولة لمنصة عدائيات على دولة أخرى في حال الحرب، تجعلها طرفا أصيلا فيها. نعم، لايجوز استهداف مناطق مدنية شرعا أو قانونا، ولكن لايمكن بأي منطق ديني أو قومي أو عدالي أن نرى إيران هي فقط المعتدية، وقد تعرضت لعدوان غاشم من قوة عظمى وأخرى إقليمية قصفت قيادتها وأحدثت مجازر بشرية ودمرت قطاعات واسعة في بنيتها العسكرية والمدنية، أو نعتبر دول الخليج باستضافتها للقواعد العسكرية الأمريكية لا غبار عليها
! نعم – أزمة الخليج الأمنية والتجائها للأمريكي هي نتاج مخاض ممتد وصعب، وبسبب انحسار القوة العربية وسوء تصرف أنظمتها التاريخية في محطات متصاعدة، ولكن المراجعة الجذرية في الفرضيات الأمنية بالخليج هو أمر واجب عاجلا غير آجل.

الخلاصة – أنه بالميزان العقدي والديني، لا يمكننا تكفير الشيعة الإثنى عشرية بجملتهم،  ليس فقط عوامهم كما نص بعض الأقدمين كابن تيمية، ولكن حتى جماهير علمائهم. أما جرائم إيران في سياق سياستها التوسعية فهي حاضرة بلاريب، ولكن مهم أن نقيَمها في إطار خطايا الأطراف العربية بتأييدها للمستعمر حينا، وهدم بناها بأيديها، وتقاسرها عن ملء مساحات السيادة والدور الإقليمي مما جعل للإيراني نفاذا. و جرائم النظام الإيراني والميليشيات التابعة له لم تكن هي فقط عنوان المشهد بل شاركتها ميليشيات وأنظمة أخرى، وكثير منها كان في خانة رد الفعل وإن بالغت وطغت فيه.

بالمنظور الديني، يجب الوقوف مع المعتدى عليه، مسلما أو كافرا، ضد من يظلمه. (هذا حلف إذا دُعيت له في الإسلام لأجبت!). وإن كان التنازع لايظهر منه وجه عدالة أو ظلم، بل هو تنافس على النفوذ، فالقرب العقائدي هو الحاضر، وعلى هذا كان ما حكت عنه سورة الروم. فكيف أن الكتابي هو أقرب من الكافر المحض، مع أن كليهما مشرك بالمنظور الإسلامي!

وبذات المنظور، فإنه يُحيل للنظر الاستراتيجي في تعريف المصالح ومنطق الدفاع، الذي يُنشيء تحالفا ولو مع مشرك – بشروطه الشرعية عند من يجيزه – بأن يكون حكم المسلم هو الظاهر، كما حالف النبي ص بني خزاعة، وحرمه غيرهم. فإن كان هذا التحالف مع مشرك، فكيف مع مسلم وإن كان من فرقة مبتدعة.

على أن النظر الشرعي ليس من صفته ولا مسئوليته أن يقرر فحوى المصلحة الاستراتيجية تحقيقا، ولكنه يضع الشروط النظرية ويترك لأهل الاختصاص والذكر في هذا الأمر التبين والقياس والتحقيق (أمنزل أنزلكه الله أم هي الرأي والحرب والمكيدة؟ – ليس هذا برأي). وسنناقش ذلك في مقال مستقل.

ونظرة إلى واقع بلادنا، فكان هناك محور مقاومة تترأسه إيران، وينخرط فيه حزب الله، والمقاومة الفلسطينية بشقيها حماس والجهاد، والفصائل الشيعية العراقية، ونظام بشار، والحوثيين باليمن، في مواجهة إسرائيل، ومن خلفها الأمريكي. وللأسف – انكسر الجدار النظامي العربي بعد خروج مصر من الصراع بمعاهدة السلام 1979، وقبلها معاهدة فض الاشتباك الثاني الذي تعهدت بألا تكون الحرب أداة في إدارة التدافع مع إسرائيل، وفشل الخيار العربي البديل – جبهة الرفض وما طرحه النظام العراقي من مركزية بديلة.

وليس هذا فقط، فقد تآمر العرب على أنفسهم في مغامرات متوالية، فسقط العراق في 2003، وانهارت السيادة الوطنية أو انكفأت على ذاتها مع تجربة الربيع العربية في مصر وسوريا وليبيا والسودان واليمن، وتكرست الهيمنة الإسرائيلية وتمددت، فزادت حدية الصراع بين المحور الإيراني وإسرائيل على الفضاء الإقليمي.

هل الشق العربي من هذا المحور – السني حتى كان خليا من الأخطاء، بالأخص حماس؟ بالتأكيد لا، فحسم غزة، وتكريس حالة الإمارة، وعدم إحسان الموضعة وضبط حدود التحالف الاستراتيجي مع الإيراني، وفترة ذهول مع الربيع العربي وموقفها من نظام يوليو 2013 أول الأمر حتى تعدل في منتصف حرب 2014، ثم عملية طوفان الأقصى بغير ضبط حساب استراتيجي أو تنسيق كامل مع المحور الذي تنتظر منه دورا وجوديا في مقابلة الإسرائيلي بعد استفزازه بخطر وجودي، وفرض على هذا المحور معضلة قادت حتما لتراجعه وقضم أطرافه. الإيراني بالتأكيد مسئول عن جزء في هذا بالنظر لحجم الاختراق الأمني والمعلوماتي له، وكما أشرنا سابقا – هذا فشل منظومات حكم وإدارة أكثر منه فشل استخباري وتقني.

ولكن، لايمكننا رؤية الصورة الآن بغير طرف مُعتدى عليه من قبل إسرائيل التي تريد اقتناص كامل المنطقة بعد تمددها المطرد في العامين السابقين، ونظام أمريكي أخرق يقامر حتى بمصلحة بلده فضلا عن حلفائه الخليجيين الذين ينظر لهم فقط كمستودع مالي يكنز منه money money money  !! وهذا النظام الإيراني، ومع فقده لقيادته الروحية والسياسية وتدمير شامل لبنيته العسكرية، وتعرضه لمجزرة إنسانية بشعة، يبقى يقاوم ويحاول أن يحرم عدوه عنوان الانتصار استغلالا لارتباكه الاستراتيجي وقصوره – الأمريكي بالأخص – عن شن حرب بهدف سياسي واضح.

الإيراني فوق خطاياه القديمة، نعم ارتكب خطيئة في تجاوز ضرباته للقواعد العسكرية الأمريكية لما يدخل تحت الوصف المدني، وفي هذا لابد أن ننقده وندفعه عنه، ولكن معيار العدو والصديق هنا لابد ألا يختلط. ولنا في موقف المعتمد بن عباد حين حذره المقربون من بطش المرابطين ونيتهم لإسقاط ملكه – وقد فعلوا! – حين دعاهم لنصرته أمام ألفونسو، حيث قال (لأن أرعى الأغنام في صحراء ابن تاشفين خير لي من رعاية الخنازير بحظائر ألفونسو). وفي معركة الزلاقة، كانت لمقاومته قصب السبق في إحراز النصر.

على أننا، بالنظر الاستراتيجي البحت، وهو ليس مصادما للمنظور الديني بل مكملا وكاشفا لواقع المناط والتجريب، نقول أن ثمة ضرورة ملحة في زمن الحرب لإعادة تعيير العلاقة الخليجية الإيرانية. كلا الطرفين يحتاج لمراجعة حقيقية، قد لايمكن القيام بكل مضامينها داخل كل طرف في اللحظة الحالية، فضلا عن التماس نقاط تقارب حول تصور إقليمي للدفاع والسلم. لكن على الأقل من الممكن البدء بشواهد طريق عليها  –الإيراني يتعهد بعدم استهداف أي مناطق مدنية، والخليجي يمتنع عن التقدم بأي دعم عسكري للأمريكي والضغط عليه لوقف سريع للحرب، والتعهد بمراجعة سياسية وأمنية لوضعية هذه القواعد تبعا لأنها لم تؤد الغرض منها وهو ضمانة الدفاع، بل وجودها هو ما عرّض الخليجي للخطر، فضلا عن مقامرة الأمريكي نفسه تحت رئيسه الطائش بأمن الخليجي لصالح مغامرات نيتنياهو.

وعودة إلى خطنا الرئيس – فالتقارب المذهبي إذن هو مساند ومُغذٍّ ولكن ليس ضروريا لقراءة استراتيجية تقر بالمصلحة الكامنة حول تسوية النزاع الإيراني الخليجي، وضرورة ظهور نظام إقليمي ينحاز إلى أهداف مشتركة – ليس فقط في ضمان السلم وعدم التهديد المتبادل والرفاه الاقتصادي وأمن النفط والمواصلات البحرية والجوية، وألا يمثل أي طرف منصة اعتداء للطرف الآخر، ولكن لمراجعة الفرضيات الأصلية في سياسة المحاور، والأمن الخليجي ذاته، ومواجهة التمدد الإسرائيلي وإعادة التجمع خلف الحد الأدنى الذي يحفظ للقضية الفلسطينية ما بقي منها. قد يبدأ هذا التجمع بصيغة سياسية – بغض النظر عن تفاصيلها، كمثل ما قادته السعودية في مبادرة الملك عبد الله 2002، ثم يتطور بعد ذلك لأنماط تضيق وتتسعه هيكليا ووظيفيا.
حتى مجرد الصيغة السياسية لها قيمة تجميعية، وتمنع التضاد في المواقف أو استغلالها لمصلحة طرف دون آخر، وفي ذات الوقت، قد تمثل طوقا وحيدا أمام قضية فلسطينية تحتضر، وتمثل عنوانا سياسيا لأي حراك مقاوم بأشكاله المختلفة سياسيا ودوليا فضلا عن عسكريا إزاء موقف الإسرائيلي وفاضحا له.

وفوق كل ذلك، قد يمكننا أن نغلق المسار البائس البغيض الذي فرضه علينا أعداؤنا وهو سياستهم منذ قرون، في التحريش بيننا، وتظهر سياسة دينية رشيدة تدعم ذلك وتنتج عنه، فلا نكون كمن يجدع أنفه بيديه.

وفي هذا يقول شريعتي –

—————————————————

Comments (3)

مقال عظيم….لكن لا أتفق مع ما ذكرت في نقاط [المسار التمددي و خطايا إيران] من أن جرائمهم يمكن النظر فيها باعتبارها في سياقات تدافع ، لا أعتقد أنهم كانوا في حاجة لمبررات أنت نفسك ذكرت النفس التعصبي المنغلق و تكفير عوامهم للسنة و عدم الصلاة خلفهم بل حتى لمرجعهم فضل الله عندما خالفهم في مسائل فهم مشحونون مسبقاً لهذا الدور الإجرامي خاصة في سوريا التي لا يوجد مبرر لها فقد خرجت مظاهرات سلمية لتقابل بالرصاص و تأتي الملايش الشيعية لذبح أهل السنة تحت عنوان القتال في سوريا من أجل الأمان في طهران …

و نقطة أخيرة أيضاً ذكرت أن ترمب يغامر لصالح نتنياهو بما يشير أن نتنياهو هو من يحرك ترمب لكن في مقابل سابق بداية الحرب أشرت أنها حرب ترمب و هو من يحرك و يدفع نتنياهو لها لا العكس…هل تغيرت قرأتك للمشهد؟

و شكرا للمقال الدسم

تحياتي لمرورك –
سأبدأ من النقطة الثانية لأنها الأسهل في التناول.
سواء في المقال الأول والثاني لتحليل الحرب، كان انطباعي واضحا وهو أنها مغامرة لنتنياهو ساق إليها ترامب.

مثلا في المقال الأول ستجد هذه العبارات بخط سميك

“الحقيقة – أننا نحكي عن حرب إسرائيلية كعنوان أبرز نجحت بشكل استثنائي بالتأثير على إدارة ترامب لتصعيد الحشد العسكري لأهداف مفتوحة!”
“اللقطة الأساسية هن التي تغيرت هنا هي في ترامب ودوافعه في الاستجابة للطرح الإسرائيلي، والضغط على المؤسسة الأمريكية التقليدية، لتقديم شروط الحشد العسكري لتوظيفها..”

نعم فصلت في دوافع ترامب، وكيف أن منها زيادة تقديره وخصوعه للعنصر الإسرائيلي، ولكن يبقى الأخير هو الأبرز.

وإن كان ممكنا بالطبع أن تتغير تقديراتنا في مسار الحرب وتبعا لمفاجآتها، وهذه بديهية في طبيعة أي حرب. ولهذا قال مولتكة الأكبر: أي خطة للحرب لا تحتمل الاشتباكات الأولى.

أما بخصوص سوريا، والخط التمددي والتصفوي لإيران، فكما ذكرتُ هو ليس دفاعا عنها، وهي ارتكبت مظالم لا تغير من موقفي الأساس الذي بنيت عليه المقال في اعتبار حدود الاصطفاف،
ولكني أردت كذلك تبيان أن مستوى الجرم والخطايا كان من كل الأطراف بنسب مختلفة، وأن هناك طموحات إقليمية لإيران منها المقبول، ومنها المتفهم، ومنها الذي استدعاه التقاصر العربي، ومنها ما كان تعديا وافتئاتا.

بخصوص سوريا بالتحديد، وكنتُ معاصرا له وبقيادات حراكهأ، فهي من أولها لم تكن مجرد مظاهرات شعبية كما حصل في مصر وتونس، ولكن تحرك العنصر الخارجي والإقليمي منذ البدء (كما شرح بالتفصيل حمد بن جاسم التحالف المبدئي بين السعودية وقطر والإمارات في تحريك الملف لإسقاط بشار)، وتحولت سريعا لمنطق الحرب الأهلية والحرب بالوكالة،
وأول من استدعى الملف الطائفي كان الإعلام ومشايخ الخليج المؤيدين للحراك، ثم ظهرت سلسلة من الميليشيات التي ارتكبت كذلك جرائم واسعة حتى فيما بينها.

والحقيقة – أن موقفي من الثورة السورية كان منذ البدء متفقا معها كشرعية أخلاقية ولكن متخفظا عليها كجدوى استراتيجي ومآلات على الواقع الاستراتيجي لأمتنا خصوصا بالنظر لهذه التعقيد الحاصل حولها، وبالأخص – لأن السياق الدولي الذي حصلت فيه وأيدها كان على قاعدة تصفية محور المقاومة بالأخص، وحصل هذا بتعهدات من رءوس المعارضة. وكنتُ معاصرا بشخصي قبل الربيع العربي عن طموحات لهذه الفصائل أن تستدعي الدور الأمريكي، وحين بدأت الثورة أعطت تعهدات في أشد الملفات التي تقلق إيران وغلق المجال الحيوي لحزب الله.

ومع ذلك – كنتُ أرى أنه لو سبيل موضوعي لتعزيز فرص نجاح الثورة كان التواصل مع إيران وحزب الله تحديدا والاتفاق على صيغة من استمرارية الوضع الجيواستراتيجي وحد أدنى من المصالح وهذا كان سيقطع تماما عن النظام سبل الإمداد.. أي نستبق ما حصل في 2024 على يد الإسرائيلي وبصيغة أضرت كثيرا بخط المقاومة وتمدد الأول معها، بأن يحصل في 2011 بأيدينا نحن وكنا جنبنا بلادنا وشعوبنا كل هذه النكبات، ولكن للأسف – وقتها المعارضة كانت في المعسكر الآخر وتُمني حالها بتدخل الأمريكي والناتو،.

ولقد كتبتُ مقالا وحيدا عن سوريا في أول 2012، وهو في الحقيقة كان ورقة عمل في أواخر 2011 طلبتها مني قيادة الحركة الإسلامية، وحاولت خلالها أن أضع تقييما منصفا، وكذا تقديرا استراتيجيا وفتح لفرص حقيقية للفعل، ولكن للأسف كما ذكرت الخرق كان متسعا.
هذا كان رأيي من خمسة عشر عاما، ولم تزده مرور السنين إلا ترسخا.

https://drive.google.com/file/d/0B3R3f5iENLhfNWV6VmlITEttZGM/view?usp=drive_link&resourcekey=0-VSyoJToKBwJJGr4k_KahiQ

Comment to Mohamed إلغاء الرد