تحليل استراتيجي

متابعة استراتيجية للحرب الإيرانية، التقويم والمآلات

1) حين نحكي عن التحليل الاستراتيجي أي تقويم قدرة طرف على إدارة مصادر القوة وصولا للنهاية السياسية التي يقصدها، وما يظهر من هذا الصراع من سيناريوهات للتدافع ومآلات، فنحكي في محل آخر بعيدا عن التقويم الأخلاقي والعدالي! ربما سأمحّص هذا الأمر وعلاقة الاستراتيجية بالأخلاق والقيمة والبعد الإيماني والغيبي على صفحة المدوّنة في سلسلة مقالات بعنوان (تقريرات في الفكر والأصول والسياسة والحرب).

2) تناولنا في المقال الذي تناول حرب يونيو 2025 التقويم السياسي لبنية ومسار ودوافع النظام الإيراني ما بعد ثورة 1979، وكيف أن تلك الدوافع تتوزع بالترتيب على الحفاظ على بقاء النظام، والهيمنة الإقليمية، والبعدين الديني الجهادي والمذهبي الطائفي ضمن رؤية مهدوية. وكيف أن الصراع هو العنوان الأساس بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، وإن ظهرت مفاصل للتقارب في بيئات خلفية وأمامية هنا وهناك. وأعتقد أن ما حصل العام الفائت وفي هذه الحرب هو ترياق لهلاوس عند تيارات قومية وبعضها إسلامية ترى مؤامرة حلف واندماج خفية بين هذه الأطراف، يعاكسها الحقيقة ديوان للسير وآلاف الوقائع والتوجهات.

3) إلحاحنا على مركزية وضوح الهدف السياسي وتحته الخيارات الاستراتيجية (من حيث ترتيب أدوات القوة، وأهمها القوة العسكرية ضمن تصاميم عملية بعينها تعاقبية وتراكمية) – أي تحديد طبيعة الحرب التي يتم شنها فلا نخلطها بغيرها بتعبير كلاوزفيتس – ليس شأنا أكاديميا؛ بل هو ماهية القدرة الاستراتيجية وعليه يكون أقصر طريق للنجاح أو الفشل في قيادة الحروب. ولكن أيضا كتيمة تاريخية وواقعية – أن تنزلق حرب من مستوى لآخر – من حرب بأهداف محدودة مثلا لشاملة.
وهذا له قيمة تحليلية ضافية لنا كمراقبين كذلك. إذ لابد أن يفرز نظرنا التحليلي بين ركام التفاصيل العملياتية ودوامات المخانق والتطورات العسكرية والسياسية وفي بيئات الخصوم والحلفاء، لنجيب على أسئلة البداهة: ماذا يريد كل طرف من إشعال الحرب والمضي فيها؟  وما هي خياراته الاستراتيجية وتصاميمه العملياتية فيها وجودتها؟ وكيف يحصل التفاعل وسيناريوهاته وعلام يعتمد؟ وكيف نُقيِّم المآلات تبعا لخارطة الأهداف السياسية للحرب، وكذلك ضمن مجمل الاستراتيجية العظمى في إدارة الصراع ككل؟

 4) وكما أشرنا، العيب الجسيم في دائرة تحديد الأهداف وربطها بخيارات واضحة وتصاميم عملية خادمة، أو الفشل في مراجعة مستمرة للفرضيات التي تربط ما سبق، هو شيء شائع، بل يكاد يكون دوما درجة من الخلل فيه حاضرة، بحيث يكون الأنجح استراتيجيا – كما كان يقول كولن جراي – هو الأقل خللا واضطرابا. هذا كما قد ننعي به حركة مقاومة، فقد يكون حاضرا في دولة كإسرائيل في حرب 1967 وقد حققت أروع انتصار عسكري عملياتي في القرن العشرين ويأخذ من منتوجها استراتيجيا، أو هو ديدن الكثير من التدخلات الأمريكية بشكل يكاد يكون مَرَضيا.

                                          ———————

كما أوضحنا سابقا، فهناك ارتباك شديد في وضوح الأهداف السياسية عند الأمريكي، لأن العنصر الأساس في الحرب كما يظهر كان اصطفافا مع أطروحة نيتنياهو لشن هذه الحرب ضمن خريطة مفتوحة للنهايات. صحيح أن ترامب بالأخص له منظور ممتد للتعامل الخشن مع إيران، واختار أركان إدارته ممن يشاركه ذلك، وعلى هذا ألغى الاتفاقية المشتركة في ولايته الأولى، ولكنه كذلك كان صراحة ضد الانخراط في حروب خارجية وخصوصا بالشرق الأوسط؛ بل كانت أجندته للترشح على هذا ومفردة أساسية في حركته الجماهيرية MEGA .

وأيضا – ليست الفكرة في الرغبة في تحقيق هدف سياسي ما، كإسقاط النظام الإيراني مثلا، ولكن ماهية الخيار الاستراتيجي لتحقيقه وبالتالي ثمنيته! فلو كان هذا يقتضي تدخلا بريا وبطبيعة الحال انخراطا طويل المدى وتصدٍّ لملف إعادة بناء الدولة – شيء مرفوض قطعا الآن في الحس الغربي كمجتمع استراتيجي ونخبة سياسية وجمهور شعبي. بل إن استطلاعات الرأي الأمريكي أظهرت أن الغالبية ضد شن الحرب. ونعم – هناك قطاع أكثرية في المشرعين الأمريكيين لايزالون يدعمون الجهد العسكري، ولكنه ليس أغلبي، وكذلك لن يبقى لمدة ومستوى تصعيد غير محدود.

ولهذا – فطبيعي أن تظهر صيغ متناثرة ومتعارضة من ترامب وحكومته حول هدف الحرب السياسي ، والنهاية المُرضية لها.End-state . ترامب لم يضع رسميا هدفا سياسيا للحرب! هناك صيغ قالها هو ومساعدوه: تغيير النظام، وإزالة تهديده إيران السياسي والعسكري، والضغط عليها لقبول بتسليم تفاوضي استكمالات لجولات التفاوضات السابقة في ملفات النووي والبالستي والوكلاء.

هو وضع رسميا أربعة أهداف: ضرب المشروع النووي، والمشروع الصاروخي، وتدمير القوة البحرية (حتى لا تعوّق المضيق)، وعدم القدرة على تحريك الوكلاء بالإقليم. هذه ليست أهداف سياسية ولا حتى استراتيجية، ولكن عملياتية.

نعم، هذا الغموض يأخذ بالسلب من القابلية الاستراتيجية لترامب، ولكن مهم الانتباه – لكل المحددات الداخلية، أنه غموض مقصود. لأنه بالأساس خادم لاستراتيجية إسرائيلية، ويضع مآلات مفتوحة لما يمكن أن تنتهي إليه معادلة الاستنزاف الحربي من نتاج، ويقدم للداخل والبنتاجون أهداف يمكن فهمها وتقبلها.

هل ثمة إشكال استراتيجي فيما سبق إذن؟

نعم – لأن هناك خيارات عسكرية تم أخذها لتخدم بالأساس فرضية إسقاط النظام، دون بالضرورة أن تقود لها وهي ليست من الأهداف العسكرية المنصوص عليها بالحملة.

ضرب بنية الحرس الثوري والكتل الشرطية والباسيج تخدم كل الخيارات الاستراتيجية ولكنها لا تقود لإسقاط النظام بشكل مباشر. أما قصف الرأس السياسي والديني Decapitation تُعقّد جدا الخيارين الاستراتيجية الآخرين: تنعيم الموقف التفاوضي الإيراني، أو إزالة مصادر التهديد العسكري والسياسي بثمنية معقولة، لأن الإيراني سيتصلّب دفاعيا بعد أن فقد قيادته الدينية ويُدرِك أن صورة القوة له وشرفه لابد أن يحافظ عليها حتى لا ينفجر عليه الوضع داخليا  في مرحلة تالية.

أما عند الإسرائيلي، فنيتنياهو أعلن رسميا أن الهدف هو إسقاط النظام، ولكنه يتعامل مع الحرب كجولة تصعيدية ضمن مخروط استراتيجي أوسع وممتد زمنيا تهدف إلى قصقصة دورية لمفردات التهديد النووي والصاروخي، وإضعاف النظام ككتلة سياسية وعسكرية داخليا وإقليميا. ولهذا مثلا – فبعيد اغتيال القيادة الدينية والعسكرية باليوم الأول دعا الشعب الإيراني للتحرك لإسقاط النظام. كيف تضع هدفا سياسيا لاتعتمد على قدرتك الذاتية واحتمالات تفعيلها لتحقيقه ؟! لا يفرق معه، لأنه هدف تعبوي في وقته، وهدف طويل الأمد يسعى له في سلسلة من الجولات ولن يحاسبه أحد عليه داخليا.

الحقيقة – أن هذا الغموض عن نيتنياهو حاصل لسبب مُعاكِس للحال الأمريكي. غالبية الشعب في إسرائيل كما في استطلاعات الرأي كما في ذلك الذي قام به INSS –  يدعم الحرب ولهدف إسقاط النظام، وعنده استعداد لخوض حرب طويلة نسبيا بالأخص مع توفير الدعم الأمريكي.

ولهذا – فالإسرائيلي تحرك كذلك لنهاية مفتوحة، ولكنه يركِّز بشكل ملموس على فرضية إزالة الرأس، وتشتيت المركز الثقل الأساسي في القيادة والسيطرة ومكونات الحرس الثوري وكذلك قوى الباسيج والشرطة، لتُضعِف قدرة النظام على احتواء أي انتفاضة شعبية مستقبلا. الفرضية أن الشعب الإيراني سيتحرك تحت ظلال الحرب فشلت بشكل كامل.

هدفه دفاعي بالأساس، بالحفاظ على بقاء النظام واستعادة أكبر قدر من حرية الحركة إقليميا. ولكن كما ذكرنا، فهو إن وجد هناك تقابلا بينهما سيضحي بكل شيء لأجل الأول. ولأنه دفاعي، فهو يعتمد على استقراء لنوايا الخصم واستراتيجيته ومنتوجها ليضع بالتالي خطوط تحركه.

الإيراني يدرك أن استهداف دول الخليج مثلا فيما يتجاوز القواعد الأمريكية وبنيتها، شيء شديد السلبية لمستقبله بالإقليم، والحفاظ على الحد الأدنى من الحركة فيه فضلا عن تدعيم مساحات للهيمنة والتقارب الدفاعي (كان أمامه فرصة – لأن الخليجي بالتأكيد يشعر أن الأمريكي كأنه ضحّى بأمنه وسلامه وعماد اقتصاده الذي بنى فيه لعقود، بشكل حتى لم يحصل في حروب العراق وإيران، وحرب الخليج خلا الكويت وشمال السعودية، وحرب 2003).

ولكن إن قرأ الإيراني بشكل صائب أو خاطيء أن سقوطه كنظام أضحى على الحافة، سيضحي بأي أهداف أخرى إقليمية أو مذهبية ودينية. هذا لا يعني أن داخل الإيراني ليس ثمة كتل بالأخص في صلب الحرب الثوري تُقدم المعيار الديني والمذهبي على ما سواه، ولكن نحكي عن بنية النظام ذاته. ولهذا – فمن إشكالات الاستهداف الأعمى للقيادة الإيرانية هو إمكانية تسهيل إحلال لنواة أكثر راديكالية في رأس النظام ذاته!

كما أسلفت، فما يظهر لي، أن مشكلة الربط بين الأهداف السياسية والخيار الاستراتيجي والتصميم العملياتي، تظهر بالأساس في الحال الأمريكية.

أما عند الإسرائيلي – فهو لايجد ذاته محاصرا ليقبل بأي خيار يقود لتفاوض، ويضع نفسه في خانة الهدف الشامل  totalistic ، ولكن حتى بفرض عدم تحققه، فالاكتفاء بالإخصاء العسكري وتوتير العلاقة بين الإيراني والخليجي وكذلك ضعف قدرة النظام على الضبط الداخلي تبقى خيارا مناسبا – ويسعى لتحقيق أكبر ما يمكن تحقيقه منه في هذه الجولة.

1 ) مسار إسقاط النظام.. هناك فرضية أن يقود إزالة الرأس لإعطاء دفعة معنوية لأجل تفجير انتفاضة شعبية، وهذا مكتوب عليها أن تفشل بالأساس للأسباب التي ذكرناها في المقال السابق (الشعور الفارسي القومي ألا يتحرك تحت الاحتلال، وبقاء كتلة عقائدية وعسكرية وشعبية لاتزال مع النظام). ولكن هذه العملية، مع استهداف منهجي لمراكز القيادة والسيطرة والكتلة العسكرية والأمنية المعنية بالوضع الداخلي – خصوصا الحرس الثوري والباسيج والشرطة، خصوصا إذا أضيف لها عناصر أخرى من فقدان هيبة النظام، وخنقه الإقليمي والاقتصادي خصوصا بعد اشتباكه مع دول الخليج، يُفترض أن يُضعف ممانعته أمام أي تصعيد شعبي. خصوصا – أن عنوان الدعم وحماية المتظاهرين (الذي تم إعلانه أمريكيا) سيبقى حاضرا ويمثل مظلة لأي تدخلات مقبله له وللإسرائيلي.
هناك خيار آخر، هو في دعم الميليشيات المناوئة سواء الأكراد و مجاهدي خلق والبلوش على القضم من الأطراف والتوغل بشكل أساسي مستقل، أو داعم لانتفاضة شعبية. ولعل ما يشي أن هناك اعتبارا له هو طبيعة التصميم العملياتي – خصوصا في الموجة التالية – التي يزيد استهدافها لنقاط الحرس الثوري والباسيج في شمال غرب إيران. مهم فقط أن ننتبه، أن هذا الخيار أبعد من أن يتم تفعيله حاليا لبقاء هيكلية النظام وكتلته الشعبية، وضعف مستوى وتكوين الميليشيات، وأن بناءها والتشبيك بينها لتصبح قوة عسكرية لها قيمة يقتضي وقتا، خصوصا أن الحرس الثوري بالأخص مؤهل في هذا النشاط غير النظامي.

2) مسارالحرب المحدودة بضرب مراكز الثقل الأساسية لتنعيم الإرادة السياسية في التفاوض، يبقى خيارا بالتأكيد. وبالفعل أعلن ترامب ، وأكدت الأمر تقارير، عن حصول بعد التواصلات غير المباشرة، وأبدى ترامب أوليا استعدادا للتفاوض مع القيادة الجديدة. ولكن بقاء شبح تغيير النظام يُلح على إيران في أخطر عوامل صنع سياستها كما ذكرت، وهذا يقود لزيادة في التصلب الدفاعي وتأخير هذه النهاية. وفوق ذلك – لا نعلم بالضبط طبيعة القيادة الجديدة السياسية والعسكرية وتوجهاتها. ولكن حتى لو هي متقبلة لفكرة التفاوض، المستوى التي وصلت له العملية العسكرية في تدمير بنية إيران حتى بعد إزالة الرأس تجعل الأمر شديد الصعوبة على أي قيادة أن تقبل تفاوضا علنيا. بالأخص – لأن ما قامت به أمريكا يعتبر جُرما في عرف القانون الدولي، ليس فقط لأنه خارج مظلة الأمم المتحدة، ولكن لأنه كان على إثر مفاوضات سارية.

3) مسار الإنهاك العسكري وإزالة مصادر التهديد، وصولا لنقطة الذروة في الهجوم عند الأمريكي – مع توافض ضمني كذلك لوصول الإيراني لها culminating point of Offense  . وهذا غالبا الأقرب احتمالا.

من الظاهر لي أن الإسرائيلي اعتمد مسارا عملياتيا يُتيح الانفتاح على خيارات استراتيجية ممكنة – يمكننا متابعة ليدل هارت ونعلو درجة ونسميه Operational design with multiple strategic utilities، مع التركيز على خيار إسقاط النظام (أو التمهيد له بشكل أساس) ، وكذلك إشعال التصعيد بين الإيراني ودول الخليج بحيث تزيد محاصرته تاليا، وكذلك تقوية شروط التطبيع والتقارب الدفاعي بين إسرائيل وهذه الدول.

أما الأمريكي فاعتمد ذات التصميم العملياتي، مع أنه بالضرورة غير مناسب للخيار الأمثل استراتيجيا له    (وهو الحرب المحدودة للتنعيم التفاوضي، أو حتى إزالة مصادر التهديد وصولا لتجميد الموقف). بل العكس – كما وكيفا، مشاركة الأمريكي كانت هي الأوسع.

في آخر التقديرات، الأمريكي قام ب 2000 طلعة واستهداف، في مقابل 1600 للإسرائيلي.

وهناك تقسيم جغرافي غالب،  بحيث يأخذ الإسرائيلي النصف الشمالي، والأمريكي الجنوبي.

والأهداف العملياتية بعد الضربة الأولى التي اغتالت القيادة الإيرانية (والتي اعتمدت على صواريخ توما هوك، وإسرائيلية طويلة المدى من الجو)، كانت أولا ضرب منظومات الدفاع الجوي والقوة الجوية لتحقيق سيادة جوية مطلقة وحرمان الإيراني من ذراعه الجوي – المحدود القدرة على أي حال، ثم الاستهداف الممنهج لأماكن تصنيع ومخزون ومنصات الصواريخ البالستية (ولهذا تركزت معظم الضربات على الساحل) والتي أسفرت عن انخفاض حاد في معدل القذفات الإيراني، ثم الانتقال لضرب مراكز القيادة والسيطرة، والبنية الخاصة بالحرس الثوري والجيش النظامي وقوى الأمن.

وصاحب هذه المسارات بالاستهداف الجوي والصاروخي، وهناك فارق نوعي للأمريكي بقاذفات B2 و Reapers ،  مسارات الحرب الالكترونية واستخدام الدرونز الحرب السيبرانية والمعلوماتية – وهذا رد عليه الإيراني بغلق أكثر من 96 % من خدمة الانترنت.

تناولنا في المقال السابق، وكذلك الخاص بجولة يونيو 2025 الإشكالات البنيوية والاستراتيجية وكبنية استخباراتية للحال الإيراني. ولن أعيدها هنا، ولكن سأتناول المسار الاستراتيجي الأوسع.

في مسار ما بعد 7 يوليو، وجد الإيراني وحزب الله نفسيهما في حرب تصعيد إقليمي غير مستعدين لها، ويتحرك فيها الإسرائيلي بمعادلة استراتيجية شديدة الاختلاف عن الحرب غير المتماثلة. حين شعر الإسرائيلي بالتهديد الوجودي، وكذلك أن صيغة غزة التي دعم بقاءها لضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية – ماسماها differentiation policy صارت تهديدا، تحرك بمنطق الحرب الشاملة لتحييد غزة وهدم مقاومتها، وتحولت عنده كل معايير الحساب والصلابة Resort. وأول أيام الحرب – بعث الأمريكي بحاملة طائرات لشرق المتوسط تحديدا لردع الإيراني، وبالفعل أوصل له الإيراني برغبته في عدم التصعيد.

لم يكن عند الإيراني ولا حزب الله أي معطيات من حيث الشرعية السياسية والقدرة لحرب إقليمية مفتوحة، ووجدا نفسيهما أمام خيارين شديدا الصعوبة: إما الصمت أو المساندة بشكل لا يُغيّر من المعادلة وبهذا يفقدا البرستيج – خصوصا الإيراني لأنه رأس المحور والداعم الأساسي، والقدرة – أيضا للإيراني لأنه يخسر وكيل مهم وأحد أطرافه التي تمثل منصة ردعية وعدائية ضد الإسرائيلي. أو الاشتباك والمضي بالحرب لمستوى تصعيدي مُهلك – أسوأ مما هو حاصل حاليا وبدعم دولي كامل، ومع مأزق كبير في الشرعية السياسية خصوصا الاشتراك في حرب لملف (خارجي).

لكن الإيراني الحقيقة كان أمامه جملة من الخيارات وليس أن ينتظر دوره ساكنا للذبح! بداية كان بإمكانه تطوير استراتيجية المحور وضبط حدود ومستويات التصعيد، وتنقيح الاستراتيجية التبادلية والتنسيقية (مادام يعتمد بشكل جوهري في قوته الإقليمية وحتى أمان نظامه على الوكلاء بالإضافة للدرع الصاروخي. وهذا لم يحصل، لا قبل ولا بعد 7 أكتوبر، وكان هناك ما يمكن فعله كاستراتيجية إسعافية ذكرناها حينها.

كذلك ردوده في موجة التصعيد في 2024  أوهنت كثيرا من قوامه الردعي، لأنها كانت موجات استعراضية شبه متفق على حدودها، مع أنها كانت ردا على استهداف مباشر له.

وحين سقط حزب الله باغتيال قيادته ومزيد تهاو وحصار في شرعيته الداخلية، وبعده النظام السوري والذي انسحب من مساندته، كان الأمر يقتضي من الإيراني مراجعة استراتيجية شاملة، لأن انهيار قدرات الوكلاء لا تعني فقط إجهاض كبير لحركته بالإقليم ولكن قيمته الردعية ذاته عند عدو يراه كنظام خطر وجودي. هناك خيارات بالتأكيد بالأخص في البنية الدفاعية والتطوير التسليح تقتضي سنينا للتحرك فيها، ولكن مراجعة إصلاحية شاملة للوضع الداخلي وكذلك الوضع الإقليمي – سواء مع دول الخليج، وكذا الدولي كانت لازمة.

أما فيما يتعلق بالملف النووي، فبالتأكيد لو كانت هناك فرصة حقيقية لحيازة السلاح فكان الواجب عدم تأخيرها. وإن كنت الحقيقة – بالرغم من الإدعاءات من قبل الإسرائيلي ولكن معظم التقارير الاستخباراتية والعلمية كانت ترى أن الإيراني أمامه ما يقارب العام. فحتى – لو كانت نافذة الحصول لكمية تخصيبية مناسبة شبه حاضرة، فالجميع كان يحكي عن تعثر شديد في ال Weaponization . ولكن حراجة الموقف الاستراتيجي حينها كانت تقتضي البحث عن حلول بديلة لتسريع المهمة.

أما الآن، فخيارات الإيراني محدودة حقيقة، ومربكة.

فليس أمامه غير التصلب الدفاعي وغلق المضيق والاستهداف الصاروخي وبالمسيرات، وإعادة الإحلال للمكونات القيادية المفقودة في هيكله، وتصدير خطاب داخلي وممارسات تحفز العنصر القومي وفي ذات الوقت تطرح مراجعة إصلاحية للسياسات – نعم هذا لن يحدث في وقت الحرب، ولكن إشارت عليها مهم، وبالأخص مع الأقليات، ويظهر حتى في سياسة المناصب العليا والوجوه المستجدة.

هو أدى بشكل جيد في التصلب الدفاعي، واعتماده على اللامركزية الشديدة والمبادرة الذاتية ضمن مخروط تصعيدي متفق عليه فيما يتعلق بإطلاق الصواريخ (هذا فعله حزب الله في 2006)، وكذلك في إحلال القيادات لصفوف تالية. وهذا بسبب أنه استعد لهذا الوضع من فترة. وبالفعل – امتص بشكل كبير صدمة إزالة الرأس بنيويا وحتى شعبيا، ولو إلى حين.

غلقه للمضيق كذلك باستخدام الصواريخ والمسيرات – بعد فقدان قدرته البحرية بشكل أغلبي – كان جيدا وأيضا تحويله لغلق ذكي. وبالرغم من التقديرات المبدئية أن غلق الخليج قد يؤثر بشكل محدود على الاقتصاد الدولي، ولكن بالفعل فقدان ثلث إنتاج النفط والغاز المسال كان له أثر حاد. ولكن كذلك – لو استمر الغلق لفترة أطول، فسيقود لنتائج عكسية من بناء شبكة قوة بحرية دولية لفك الغلق.

أما سياسته العسكرية في حملة الصواريخ والمسيرات كانت شديدة السوء حقيقة. هناك كفاءة عالية في استدامة قدر من الإطلاق الصاروخي والتنويع في المديات والنوعية – خصوصا صواريخ الفرط صوتية فتاح 2 ، ولكن التوسع في استهداف الخليج ما خلا القواعد الأمريكية هو كارثة حقيقة، فضلا عما اتُهم به من صاروخ على تركيا، ومسيرة على أذربيجان.

فرضية أن الضغط على الخليجي ستدفعه للضغط على الأمريكي هي معكوسة تماما، وهي التحرك في ذات فرضية العدو! لأنه يجعل الخليجي أكثر استجداء للأمريكي أثناء الحرب، وتعزز فرضية الإسرائيلي للتقارب الدفاعي بعدها. مع أن الحرب مثلت فرصة بأنها زلزلت النموذج الدفاعي الأساسي للخليج سواء بحماية الأمريكي ضمن صيغ دائمة، أو أن التقارب مع الإسرائيلي ستقلل من الخطر الإيراني. وكان الأجدى بشدة أن يقتصر الإيراني كما ذكرت – وأعلن وزير خارجيته ومساعده – على استهداف القواعد الأمريكية وتحريم أي تجاوز عداها. بل العكس ، كان الأمر يقتضي نشاطا دوليا وخليجيا واسعا لتقريب وجهات النظر بخصوص وقف الحرب، واللعب على الوتر الاقتصادي. رفاهية الخليج وسياستها الاقتصادية تتضرر بشدة من الحرب، خصوصا ضرب أنموذج دبي ، وليست في حاجة لاستهدافه مباشرة!

خيارات كالأنشطة السرية الخارجية هي ممكنة عملياتيا، ولكن لايمكن التفكير فيها إلا قبيل لحظة التهديد الوجودي كاجتياح بري أو استهداف نووي.

خيار التسريع في الملف النووي، يبدو مستحيلا تقنيا بعد موجات الإجهاض والضرب في الموجة السابقة والحالية، ولكنه حتى ليس خيارا ناجعا الآن بفرض حصوله نظريا. لأن قيمته الحقيقية في الردع، وليس عند فشله ! لأنه ببساطة سيعطي الفرصة للعدو باستخدام السلاح النووي تكتيكيا أو بشكل شامل في وقت الحرب. نعم – هذه أمور محسومة في العقيدة النووية الأمريكية – خصوصا مع غياب أدنى درجات التوازن في الكم والنوع والنواقل.

باستيعاب كل ماسبق، ندرك أن خيارات الحرب المحدودة سواء انتهت بمفاوضات أو بدون هي الأكثر حضورا، من حيث الاحتمال. ولكن انتهاء الحرب تحديدا عالة على متغيرات عند الأمريكي – ليس الإسرائيلي.

1 ) تحقيق المنجزات العسكرية في الملف النووي، والصاروخي بالأخص، والقوة البحرية. وهذه بشكل كبير تحققت.

2) حجم الإنهاك الاقتصادي الدولي، وموقف دول الخليج .. وهذا وصل لمستوى متوسط.

3) القدرة على إمداد الحرب كمخزون أسلحة (صواريخ مضادة بالأخص وبطاريات)، وفتح مسارات داعمة عسكرية أخرى لتنشيطها (بالأخص – حرية أكثر للتحريك عبر قواعد عسكرية كبيرة، وانخراط بحري أوسع من دول أوروبية). وهذا وصل لوضع شديد الضغط، ولكنه ينتظر كذلك فقدان الإيراني لدرجة أغلبية من الزخم الصاروخي.

4) تفاقم الضغط الأمريكي الداخلي. وهذا لم يصل حتى الآن للمستوى الحرج.

حين يقول ترامب مثلا أن الحرب ستستمر حتى أربعة أسابيع، أو يقول هو ووزير حربه أن إنجازا عسكريا هائلا تحقق، فهو يستوعب حدود التصعيد المقبول داخليا، وكذلك يُمَهِّد لإمكانية إنهاء الحرب لأن أهدافه العسكرية التي وضعها تحققت بشكل ملموس.

  • انفجار شعبي، وتحوير الحرب لحملة مباشرة لإسقاط النظام، وتشمل دعم تحركات عسكرية من ميليشيات طرفية بشكل ثانوي، وزيادة معدل الاستهداف واشتراك دول أوروبية مع تصعيد النظام ضد المتظاهرين
  • انفجار إقليمي، سواء بحيازة إيران لسلاح نووي، أو نجاحها في استهداف محطة نووية، أو إشعال حملة عمليات إرهاب دولي.
  • انكسار مبكر للصلابة الأمريكية في الحرب تبعا لتغير داخلي، وهذا سيعطي لإيران بعض الأوراق التفاوضية الأفضل.

كما أشرت في المقال السابق، فللأسف الشديد، تمثل هذه الحرب تمديدا للهيمنة الإسرائيلية بالإقليم واستكمالا لمسارها الممتد ما بعد حرب غزة، وتحييد قوة وازنة، وهذا له انعكاسات واسعة وبالأخص على القضية الفلسطينية بمزيد انكشاف لها، واتساع في وتيرة التطبيع.

ولكن فوق أن هناك فرصا لمحاولة إصلاح بعض العوار في الاستراتيجية الإيرانية وبالأخص في ملف دول الخليج، والانفتاح بصيغة خطاب إصلاحي وتجميعي داخليا، ويصاحب ذلك حراك ديبلوماسي إقليمي ودولي، فتبقى هناك فرصة إقليمية استغلالا كذلك لحجم التحول الكبير في ميزان المنطقة وما يمثله من تهديدات حقيقية على: مصر (الإشكال الإسرائيلي، والبعد الخليجي) وتركيا (الإشكال الإسرائيلي – والكردي على السواء لأنه سيصبح رقما في أي محاولة لمتابعة استراتيجية تغيير النظام) والسعودية (ارتجاعات الملف كأمن اقتصادي وداخلي وتوازن إقليمي، وعودة لتكريس اعتمادية دفاعية كاملة على الأمريكي، وإشكالات التطبيع داخليا وكرمزية دينية)، وكذلك – الإلحاح على سقوط فرضية الاعتماد الأمريكي خليجيا.

هذه الفرص – تقتضي بطبيعة الحال، تغييرا جذريا في الدور المصري – بالأخص – بالإقليم، وما يقتضيه ذلك من إعادة تعيير وتعديل للسياسات الداخلية والاقتصادية والإقليمية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك رداً على كمال حبيب إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى